الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ نوعان

جزء التالي صفحة
السابق

ولو أحدث شيئا مما ذكرنا في المسجد بأن حفر بئرا في المسجد لأجل الماء أو بنى فيه بناء : دكانا أو غيره ، فعطب به إنسان ، فإن كان الحافر والباني من أهل المسجد - فلا ضمان عليه ، وإن كان من غير أهله فإن فعل بإذن أهل المسجد فكذلك ، وإن فعل بغير إذنهم يضمن بالإجماع ; لأن تدبير مصالح المسجد إلى أهل المسجد ، فما فعلوه - لا يكون مضمونا عليهم ، كالأب أو الوصي إذا فعل شيئا من ذلك في دار اليتيم ، ومتولي الوقف إذا فعل في الوقف .

وأما غير أهل المسجد فليس له ولاية التصرف في المسجد بغير إذن أهل المسجد ، فإذا فعل بغير إذنهم كان متعديا في فعله ، فكان مضمونا ، ولو علق قنديلا أو بسط حصيرا أو ألقى فيه الحصى ، فإن كان من أهل المسجد فلا ضمان عليه ، وإن لم يكن من أهل ذلك المسجد ، فإن فعله بإذن أهل المسجد فكذلك ، وإن فعل بغير إذنهم يضمن في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وفي قولهما لا يضمن .

( وجه ) قولهما أن المسجد لعامة المسلمين فكان كل واحد من آحاد المسلمين بسبيل من إقامة مصالحه ; ولأن هذه المصالح من عمارة المسجد ، وقد قال الله - تبارك وتعالى - : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله } من غير تخصيص إلا أن لأهل المسجد ضرب اختصاص به فيظهر ذلك في التصرف في نفسه بالحفر والبناء لا في القنديل والحصير ، كالمالك مع المستعير أن للمستعير ولاية بسط الحصير ، وتعليق القنديل في دار الإعارة ، وليس له ولاية الحفر والبناء كذا هذا ولأبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أن التدبير في مصالح المسجد إلى أهل المسجد لا إلى غيرهم بدليل أن لهم ولاية منع غيرهم عن التعليق والبسط وعمارة المسجد ، فكان الغير متعديا في فعله فالمتولد منه يكون مضمونا عليه ، كما لو وضع شيئا في دار غيره بغير إذنه ، فعطب به إنسان .

ولهذا ضمن بالحفر والبناء كذا هذا .

وكون المسجد لعامة المسلمين لا يمنع اختصاص أهله بالتدبير والنظر في مصالحه كالكعبة ، فإنها لجميع المسلمين ثم اختص بنو شيبة بمفاتحها حتى روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أخذ مفاتح الكعبة منهم ، ودفعه إلى عمه العباس رضي الله عنه عند طلبه ذلك أمره الله - تبارك وتعالى - برده إلى بني شيبة بقوله - تبارك وتعالى - : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } .

ولو جلس في المسجد فعطب به إنسان إن كان في الصلاة لا يضمن الجالس سواء كان الجالس من أهل المسجد أو لم يكن من أهله ; لأن المسجد بني للصلاة ، فلو أخذ المصلي بالضمان لصار الناس ممنوعين عن الصلاة في المساجد ، وهذا لا يجوز ، وإن جلس لحديث أو نوم فعطب به إنسان يضمن في قول أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى - وفي قولهما : لا يضمن .

وجه قولهما : أن الجلوس في المسجد لغير الصلاة من الحديث والنوم مباح فلم [ ص: 280 ] يكن الهلاك حاصلا بسبب هو متعد فيه - فلا يجب الضمان ، كما لو جلس في داره فعبر عليه إنسان فعطب به أنه لا يضمن كذا هذا ، ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن المسجد بني للصلاة لا للحديث والنوم ، فإذا شغله بذلك صار متعديا فيضمن ، كما لو جلس في الطريق للاستراحة فعطب به إنسان أنه يضمن ; لأن الطريق جعل للاجتياز لا للجلوس ، وإذا جلس فقد صار متعديا - فيضمن كذا هذا ، وقولهما الحديث والنوم مباح في المسجد مسلم لكن بشرط سلامة العاقبة ولم يوجد الشرط فكان تعديا ، ولو جلس لانتظار الصلاة أو لقراءة قرآن أو لعبادة من العبادات غير الصلاة فلا شك أن على أصلهما لا يضمن ; لأنه لو جلس لغير قربة لا يضمن فإذا جلس لقربة فهو أولى .

وأما على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فقد اختلف المشايخ فيه ، قال بعضهم : لا يضمن ; لأن المنتظر للصلاة في الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم : يضمن ; لأنه ليس في الصلاة حقيقة ، وإنما ألحق بالمصلي في حق الثواب لا غير ، والله - تعالى - أعلم .

ومن هذا الجنس جناية السائق والقائد بأن ساق دابة في طريق المسلمين أو قادها فوطئت إنسانا بيديها أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت فهو ضامن لما ذكرنا من الأصل أن السوق والقود في الطريق مباح بشرط سلامة العاقبة ، فإذا حصل التلف بسببه ، ولم يوجد الشرط فوقع تعديا فالمتولد منه فيما يمكن التحرز عنه يكون مضمونا ، وهذا مما يمكن الاحتراز عنه بأن يذود الناس عن الطريق فيكون مضمونا .

وسواء كان السائق أو القائد راجلا أو راكبا إلا أنه إذا كان راكبا فعليه الكفارة إذا وطئت دابته إنسانا بيديها أو برجلها ، ويحرم الميراث والوصية ، وإن كان راجلا لا كفارة عليه ، ولا يحرم الميراث والوصية ; لأن هذه الأحكام يتعلق ثبوتها بمباشرة القتل لا بالتسبيب والمباشرة من الراكب لا من غيره ، وإن كان أحدهما سائقا والآخر قائدا - فالضمان عليهما ; لأنهما اشتركا في التسبيب فيشتركان في الضمان .

وكذلك إذا كان أحدهما سائقا والآخر راكبا ، أو كان أحدهما قائدا والآخر راكبا ، - فالضمان عليهما لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما إلا أن الكفارة تجب على الراكب وحده فيما وطئت دابته إنسانا فقتلته لوجود القتل منه وحده مباشرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث