الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

وبلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، وقصده المدينة ، وكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار ، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا على عادتهم إلى منازلهم ، فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة خرجوا على عادتهم ، فلما حمي حر الشمس رجعوا ، وصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فصرخ بأعلى صوته : يا بني قيلة ، هذا صاحبكم قد جاء ، هذا جدكم الذي تنتظرونه ، فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمعت الرجة والتكبير في بني عمرو بن عوف ، وكبر المسلمون فرحا بقدومه ، وخرجوا للقائه ، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة ، فأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه ، والوحي ينزل عليه : ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ) [ التحريم : 4 ] ، فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف ، فنزل على كلثوم بن الهدم ، وقيل : بل على سعد بن خيثمة ، والأول أثبت ، فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة ، وأسس مسجد قباء ، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة .

[ ص: 53 ] فلما كان يوم الجمعة ركب بأمر الله له ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف ، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي .

ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته ، هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة ، فقال : ( خلوا سبيلها فإنها مأمورة ) فلم تزل ناقته سائرة به لا تمر بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم ، ويقول : ( دعوها فإنها مأمورة ) فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم وبركت ، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ، ثم التفتت فرجعت فبركت في موضعها الأول ، فنزل عنها وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم .

وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك ، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم ، وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( المرء مع رحله ) ، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته ، وكانت عنده وأصبح كما قال أبو قيس صرمة الأنصاري ، وكان ابن عباس يختلف إليه يتحفظ منه هذه الأبيات :


ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا     ويعرض في أهل المواسم نفسه
فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا     فلما أتانا واستقرت به النوى
وأصبح مسرورا بطيبة راضيا     وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم
بعيد ولا يخشى من الناس باغيا [ ص: 54 ]     بذلنا له الأموال من حل مالنا
وأنفسنا عند الوغى والتآسيا     نعادي الذي عادى من الناس كلهم
جميعا وإن كان الحبيب المصافيا     ونعلم أن الله لا رب غيره
وأن كتاب الله أصبح هاديا



قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فأمر بالهجرة وأنزل عليه : ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) [ الإسراء : 80 ] .

قال قتادة : أخرجه الله من مكة إلى المدينة مخرج صدق ، ونبي الله يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان ، فسأل الله سلطانا نصيرا ، وأراه الله عز وجل دار الهجرة وهو بمكة ، فقال : ( أريت دار هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين ) .

وذكر الحاكم في " مستدركه " عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : ( من يهاجر معي ؟ قال : أبو بكر الصديق ) .

قال البراء : ( أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ، فجعلا يقرئان الناس القرآن ، ثم جاء عمار وبلال وسعد ، ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عشرين راكبا ، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فما [ ص: 55 ] رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به ، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون : هذا رسول الله قد جاء ) .

وقال أنس : ( شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا ، وشهدته يوم مات فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات ) .

فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع ، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه ، وسودة بنت زمعة زوجته ، وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن ، وأما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج ، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر ومنهم عائشة ، فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث