الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه

المسألة التاسعة : اختلفوا في المراد بذكر الله تعالى ، فقال قوم : المراد الثناء على الله تعالى والدعوات ، وقال آخرون : المراد الصلوات ، فإن قيل فما معنى قوله : ( وإقام الصلاة ) ؟ قلنا عنه جوابان :

أحدهما : قال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها .

والثاني : يجوز أن يكون قوله : ( وإقام الصلاة ) تفسيرا لذكر الله فهم يذكرون الله قبل الصلاة وفي الصلاة .

المسألة العاشرة : قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة في قوله : ( ويقيمون الصلاة ) أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها ، والوجه في حذف الهاء ما قاله الزجاج ، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواما ، ولكن قلبت الواو ألفا فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي : أقمت الصلاة إقاما ، فأدخلت الهاء عوضا من المحذوف ، وقامت الإضافة ههنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة ، قال : وهذا إجماع من النحويين .

المسألة الحادية عشرة : اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال : هي الفرائض ، ومنهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس ، والأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف في الشرع المسمى بذلك ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد من الزكاة طاعة الله تعالى والإخلاص ، وكذا في قوله : ( وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ) [مريم : 55] وقوله : ( ما زكا منكم من أحد ) [النور : 21] وقوله : ( تطهرهم وتزكيهم بها ) [التوبة : 103] وهذا ضعيف لما تقدم ، ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء ، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال .

المسألة الثانية عشرة : أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر الله والطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال : ( يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته . واختلفوا في المراد بتقلب القلوب والأبصار على أقوال :

فالقول الأول أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله : ( وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ) [الأحزاب : 10] .

الثاني : أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها لا تفقه ، وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر ، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن ، ومن الظن إلى اليقين ، ومن اليقين إلى المعاينة ، لقوله : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) [الزمر : 47] وقوله : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ) [ ق : 22 ] .

الثالث : أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعا في النجاة وحذرا من الهلاك ، والأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم ، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل ؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل ، فإنهم قالوا : إن أهل الثواب لا خوف عليهم البتة في ذلك اليوم ، وأهل العقاب لا يرجون العفو ، لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة .

الرابع : أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر ، والأبصار تصير زرقا ، قال الضحاك : يحشر الكافر وبصره حديد وتزرق عيناه ثم يعمى ، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصا حتى يقع في الحنجرة فهو قوله : ( إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ) [غافر : 18] .

الخامس : قال الجبائي : المراد بتقلب القلوب والأبصار تغير هيئاتها بسبب [ ص: 7 ] ما ينالها من العذاب ، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ، ومرة بهيئة ما احترق ، قال : ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم ، وهو معنى قوله تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) [الأنعام : 110] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث