الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

وفي الوضوء من ألبانها - إذا قلنا : يتوضأ من لحمها روايتان :

إحداهما : ينقض الوضوء ، لما روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " توضأ من ألبان الإبل ، ولا توضأ من ألبان الغنم " وعن أسيد بن حضير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ألبان الإبل فقال : " توضأ من ألبانها " وسئل عن ألبان الغنم فقال : " لا تتوضأ من ألبانها " رواهما أحمد ، وابن ماجه .

وعن البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " توضأ من لحوم الإبل وألبانها " رواه الشالنجي بإسناد جيد .

وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يتوضأ من لحوم الإبل وألبانها " وفيه جهالة .

[ ص: 336 ] والثانية : لا ينقض اختارها كثير من أصحابنا ؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " تمضمضوا من اللبن ؛ فإن له دسما " رواه ابن ماجه . وهذا يفيد الاكتفاء بالمضمضة في كل لبن ، وأن الأمر بها استحباب .

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أتي بلبن من ألبان الإبل فشرب ، فقيل له : " ألا تتوضأ ؟ " فقال : " لا أباليه بالة اسمح يسمح لك " رواه سعيد .

وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعراب الذين قدموا المدينة أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها مع كونهم حديثي عهد بجاهلية ، ولم يأمرهم بالوضوء .

وحديث أسيد فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف .

وحديث عبد الله بن عمر ( فيه ) بقية ، وهو ضعيف . وقول أحمد وإسحاق : " فيه حديثان صحيحان " يدل على ضعف ما سواهما ، وليس فيهما اللبن . ويمكن الجواب عن هذا كله . أما المضمضة من اللبن ، فلا ينفي وجوب غيره ، وذلك لأن المضمضة مأمور بها عند الشرب لإزالة الدسم ، والوضوء إنما يجب عند القيام إلى الصلاة ، كالأمر بغسل اليد عند القيام من نوم الليل ، والأمر بالاستنشاق والسواك لا ينفي وجوب غسل اليد والمضمضة والاستنشاق في الوضوء ؛ لأن ذلك لسبب وهذا لسبب ؛ وهذا لأن اللبن كاللحم ، واللحم تغسل منه اليد والفم ، ولا ينفي ذلك وجوب الوضوء منها ، والنجاسة الخارجة يغسل موضعها ، ولا يمنع ذلك وجوب الوضوء منها . وأما حديث ابن عباس فهو - رضي الله عنه - لم تبلغه السنة في ذلك بلاغا تقوم عليه [ ص: 337 ] به الحجة ، كما لم يبلغ عليا خبر بروع بنت واشق ، ولم يبلغ ابن عمر - رضي الله عنهما - خبر الذي وقصته راحلته ، ولم يبلغ ابن عباس - رضي الله عنهما - أحاديث المتعة والصرف ، وأشباه ذلك كثيرة .

وأما حديث الأعرابي فقد كان في أول الهجرة ، وأحاديث الوضوء بعد ذلك ؛ لأن أكثر رواتها مثل عبد الله بن عمر وجابر بن سمرة لم يصحبا النبي - صلى الله عليه وسلم - ( إلا في آخر حياته ) . وقول أحمد وإسحاق إنما أرادا ( بقولهما ) حديثان صحيحان على طريق أهل الحديث واصطلاحهم . وأما الحسن فإنهم لا يسمونه صحيحا مع وجوب العمل به ، وهذا كثير في كلام أحمد ، يضعف الحديث ثم يعمل به ، يريد أنه ضعيف عن درجة الصحيح ، ومع هذا فراويه مقارب وليس معارض ، فيجب العمل به ، وهو الحسن ؛ ولهذا يضعف الحديث بأنه مرسل مع أنه يعمل بأكثر المراسيل . وأما بقية فثقة ، أخرج له مسلم ، وهو جليل ، إلا أنه يدلس عن رجال مجهولين ، والقياس يوافق هذه الرواية ، فإن اللبن متحلل من اللحم ، فوجب أن يعطى حكمه كما أعطي [ ص: 338 ] حكمه في التطهير والتنجيس ، ولو قيل : إن البول كذلك ، لم يستبعد ؛ لأن اللبن مأكول معتاد ، بخلاف البول ونحوه ، وإنما قال أصحابنا : إن البول والعرق والشعر لا ينقض ، ولو فرضنا أن العلة التي أوجبت النقض باللحم لم تخلص لنا ؛ فإنه لا بد له من سبب ، واللبن يشارك اللحم في عامة أحكامه .

وفي النقض بالأجزاء التي لا تسمى لحما كالكبد والطحال والسنام والكرش والمصير والجلد - وجهان ، وقيل فيها روايتان :

لكن الظاهر أنهما مخرجتان من أصحابنا ( فمنهم ) من يطلقهما ومنهم من يبنيهما على اللبن . إحداهما : لا تنقض وإن قلنا بالنقض في اللحم واللبن ؛ إذ لا نص فيه قوي ولا ضعيف ، والقياس لا يقتضيه .

والثانية : تنقض سواء إن قلنا ينقض اللبن أو لا ؛ لأن إطلاق اللحم في الحيوان يدخل في جميع أجزائه ، وإنما يذكر اللحم خاصة ؛ لأنه أغلب الأجزاء ، ولهذا دخلت في مطلق اسم الخنزير ، ولأنها أولى بالبعض من اللبن وقد جاء فيه الحديث ، ولأنه لما ذكر اللحم واللبن علم أنه أراد سائر الأجزاء ، ولأنها جزء من الجزور فنقضت كاللحم ، وقياس الشبه لا يفتقر إلى هاتين العلتين في الأصل ، فإن المشابهة بين اللحم والكبد والسنام من أبين الأشباه ؛ ولهذا اشتركا في التحليل والتحريم والطهارة والنجاسة والدسومة والزهومة ، وقولهم : الحكم بعيد إن أريد به هنا مجرد امتحان وابتلاء ، فلا يصح بعد إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التعليل ، وإن أريد به أنا نحن لم نعتقد العلة ، فهذا مسلم لمن ادعاه لنفسه ، لكن لا يمنع صحة قياس الشبه مع أننا أومأنا إلى التعليل فيما تقدم بما فهمناه من إيماء الشارع ، حيث ذكر أن الإبل حين خلقت من جن وأنها شياطين ، فأكل لحمها يورث ضربا من طباعها ونوعا من أحوالها ، والوضوء يزيل ذلك الأثر ، وهذا يشترك فيه اللحم وغيره من الأجزاء ، ولعله - [ ص: 339 ] والله أعلم - كان قد شرع الوضوء مما مست النار إما إيجابا وإما استحبابا بالماء ؛ لما تكتسبه من تأثير النار التي خلقت منها الشياطين ، لكن أثر النار عارض يزول ولا يبقى مع الإنسان ، بخلاف اللحم ، فإن تأثيره عن طبيعة وخليقة فيه ، فيحتاج إلى شيء يزيله ، فكذلك صار هنا واجبا دون ذلك .

وفي انتقاض الوضوء باللحوم المحرمة روايتان :

إحداهما : " تنقض " نص عليها في لحم الخنزير ، وخص أبو بكر النقض به لتغليظ تحريمه ، وعمم غيره في جميع اللحوم والمحرمات ؛ لأنه أولى بالنقض من لحوم الإبل .

والثانية : لا تنقض ، حكاها جماعة من أصحابنا ، واختارها كثير منهم ؛ إذ لا نص فيه ، وليس القياس بالبين حتى تقاس على المنصوص ، وكذلك لا ينقص بما يحرم من غير اللحوم ، وأما الوضوء من سائر المطاعم مباحا ، ومحرمها فليس بواجب ولا مستحب ، لكن يستحب غسل اليد والفم من الطعام كما يذكر إن شاء الله في موضعه إلا ما مسته النار ، ففي استحباب الوضوء منه وجهان :

أحدهما : يستحب لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول : " توضئوا مما مست النار " رواه الجماعة إلا البخاري ، ورواه مسلم من حديث عائشة وزيد بن ثابت ، ثم نسخ الوجوب منه أو صرف عن الوجوب ؛ لما روى ابن عباس ، وعمرو بن أبي [ ص: 340 ] أمية وميمونة رضي الله عنهم " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ " متفق عليها ، وقوله : " ولا تتوضئوا من لحوم الغنم " .

وعن سويد بن النعمان قال : " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء - وهي من أدنى خيبر - صلى بنا العصر ، ثم دعا بالأطعمة ، فلم يؤت إلا بسويق ، فأكلنا وشربنا ، ثم قام إلى المغرب ، فمضمض ومضمضنا ، ثم صلى بنا المغرب ولم يتوضأ " رواه أحمد والبخاري . ويدل على أن ذلك هو الناسخ ( فعل ) الخلفاء الراشدين ، فإنهم كانوا لا يتوضئون مما غيرت النار ، وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون ، فإنهم أعلم بتأويلها وناسخها ، وإذا زال الوجوب بقي الاستحباب ، لا سيما وقد ذهب خلق من الصحابة والتابعين إلى وجوب الوضوء منها ، وقال رجال من التابعين : [ ص: 341 ] الوضوء منها هو الناسخ ، ففي الوضوء احتياط وخروج من الخلاف .

والوجه الثاني : لا يستحب ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يداوم على تركه أخيرا وهو لا يداوم على ترك الأفضل ، وأيضا فإن الوضوء منه قديما لم يكن واجبا ؛ لأن أبا هريرة سمع الأمر به ، وإنما صحبه بعد فتح خيبر ، وحديث سويد بن النعمان في تركه كان في مخرجه إلى خيبر ، فعلم أنه كان يأمر به استحبابا ويفعله ويتركه أحيانا ، ثم يترك بالكلية ، بدليل عمل الخلفاء الراشدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث