الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة يستحب السواك في جميع الأوقات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة :

" ويسن السواك عند تغير الفم وعند القيام من النوم وعند الصلاة ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " ، ويستحب في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال " .

أما استحبابه في جميع الأوقات ، فلما روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " رواه أحمد . وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " . رواه أحمد والنسائي . وذكره [ ص: 217 ] البخاري تعليقا ؛ ولأن جميع الأوقات مظنة ما يطهر الفم منه من إدام وأكل ، وما يطهر له من كلام الله وكلام العباد ، ولذلك استحب مطلقا ويتأكد استحبابه لسببين أحدهما عند تغير الفم بمأكول أو خلوه من الطعام أو غير ذلك .

وكذلك عند القيام من الليل ، لما روى حذيفة قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك " . متفق عليه . يعني يغسله ويدلك . وفي لفظ : كنا نؤمر بالسواك إذا قمنا من الليل ؛ ولأن بالنوم ينطبق فمه فيحتبس فيه البخار المتصاعد من معدته فيغيره .

وكذلك إذا دخل منزله وقد قيل لعائشة : بأي شيء كان يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل منزله قالت : بالسواك . أخرجه مسلم .

وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان لا يرقد ليلا ولا نهارا ، فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ " . رواه أبو داود . وأما إذا تغير طعمه أو ريحه أو اصفر لون الأسنان من مطعوم أو خلو من الطعام أو غير [ ص: 218 ] ذلك فلما روى تمام بن العباس قال : أتوا النبي صلى الله عليه وسلم أو أتى فقال : " ما لي أراكم تأتوني قلحا ، استاكوا " رواه أحمد .

ولأن السواك إنما شرع لتطييب الفم وتطهيره وتنظيفه ؛ فإذا تغير فقد تحقق السبب المقتضي له فكان أولى منه عند النوم .

والسبب الثاني : إذا أراد الصلاة لما روى أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " . رواه الجماعة . وعن عائشة قالت : قال رسول الله عليه وسلم " فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير السواك سبعون صلاة " . رواه أحمد وليس بواجب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل ترك الأمر بالمشقة فلو كان أمر إيجاب لحصلت المشقة في وجوبه ، وفي وجوبه على النبي صلى الله عليه وسلم وجهان : أحدهما : كان واجبا عليه ، قال القاضي وابن عقيل .

[ ص: 219 ] لما روى عبد الله بن حنظلة - الغسيل - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه " أمر بالسواك لكل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث " . رواه أحمد وأبو داود وهو مأمور بالتوضؤ لكل صلاة أمر استحباب ؛ فعلم أن الموضوع وجوبه ، والسواك بدل عنه فيكون واجبا ، والثاني : لم يكن واجبا عليه قاله ابن حامد لما روى واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي " رواه أحمد .

وهذا معنى تفضيله على التحديد وهو مزية الأمر حتى كاد يصير مفروضا ، وهذا الوجه أشبه ، فإن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام . وإنما استحب للمصلي لأن القائم إلى الصلاة يقرأ القرآن ويذكر الله ويدعوه فاستحب له تطهير الفم ؛ لأنه مجرى القرآن ؛ ولئلا يؤذي الملائكة والآدميين بريح فمه ؛ ولأن [ ص: 220 ] الله يحب المتطهرين ، وكذلك يستحب لكل قارئ وذاكر وداع ، كما يستحب لهم الوضوء ، وأوكد وقد جاء : " طهروا أفواهكم بالسواك فإنها مجاري القرآن " وكذلك السواك عند الوضوء ؛ لأنه به وبالمضمضة تكمل نظافة الفم .

وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء " . رواه أحمد وذكره البخاري تعليقا ، قال : ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وأما الصائم بعد الزوال فيكره له في أظهر الروايتين ، وفي الأخرى لا [ ص: 221 ] يكره ، ولا يستحب على هذه الرواية أيضا ، وقيل : يستحب لما روي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من خير خصال الصائم السواك " . رواه ابن ماجه ، وقال عامر بن ربيعة : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم " . رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي وقال : حديث حسن ، وذكره البخاري تعليقا .

ولأنه أحد طرفي النهار فأشبه أوله ، والأولى ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " متفق عليه . وخلوف الصوم إنما يظهر غالبا بعد الزوال فتكره إزالته ؛ لأنه أثر عبادة ؛ مستطاب في الشرع فنهي عن إزالته كدم الشهيد ، وما قبل الزوال إنما يكون خلوفه من أثر النوم أو الأكل بالليل ، فلم تكره إزالته ، وعلى ذلك يحمل ما جاء من الحديث ، ويستحب أن يكون السواك عودا لينا يطيب الفم ولا يضره ، ولا يتفتت فيه كالأراك والزيتون والعرجون .

[ ص: 222 ] ويكره بعود الريحان والرمان والآس ؛ لأن ذلك يضر الفم ، يقال : إن الرمان يضر لحم الفم ، ويهيج الدم ، وعود الريحان يحرك عرق الجذام ، فأما اليابس فيجرح ، وأما الرطب فيتفتت ، وأما الندي فيحصل المقصود ، ويستحب غسله إذا اجتمع عليه ما يغسله ; لأن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " يعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه " . رواه أبو داود . ولا بأس أن يتسوك بسواك غيره وإن لم يغسله .

قالت عائشة : دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن فيه فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له : أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن فأعطانيه فقصمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم " فاستن به " رواه البخاري . فإن استاك بأصبعه أو بخرقة فقيل لا يصيب السنة ؛ لأن الشرع لم يرد به مع غلبة وجوده وتيسره ، وقيل : يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء ؛ لأنه ينظف الفم ويزيل تغيره أو تجففه كالعود ، وقيل : يجزئ الأصبع مع الماء في المضمضة ؛ لأن في حديث علي بن أبي طالب لما وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تمضمض ثلاثا فأدخل بعض أصابعه في فيه . رواه أحمد في المسند . وعن أنس أن رجلا من بني عمرو بن عوف قال : يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك فهل من دون ذلك من شيء ، فقال : " أصابعك سواك عند وضوئك ، أمرها على أسنانك إنه لا عمل [ ص: 223 ] لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له " . رواه أبو جعفر بن البحتري الرزاز . وسمع أبو هريرة رجلا يقول لم أتسوك منذ ثلاثة أيام ، فقال : " لو أمررت أصبعك على أسنانك في وضوئك كان بمنزلة السواك " . رواه حرب في مسائله .

والسنة أن يستاك على عرض الأسنان ؛ لما روى عطاء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا استكتم استاكوا عرضا وإذا شربتم فاشربوا مصا " . رواه سعيد في سننه وأبو داود في مراسيله وعن ربيعة بن أكثم [ ص: 224 ] قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " يستاك عرضا ويشرب مصا ويقول هذا أهنأ وأمرأ " . رواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات . وقال الخطابي : الشوص دلك الأسنان عرضا بالسواك ونحوه ؛ ولأن الاستياك على طول الأسنان من طرفها إلى عمودها ربما آذى اللثة وأفسد العمود ويستحب الاستياك على لسانه ؛ لأن أبا موسى قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يستاك على لسانه متفق عليه ، ويستحب التيامن في سواكه أن يبدأ بالجانب الأيمن ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يعجبه التيامن في طهوره وفي شأنه كله " وأن يستاك باليد اليسرى نص عليه [ ص: 225 ] لأنه إماطة أذى يفعل بإحدى اليدين فكان باليسرى كالاستنجاء مع استحباب الابتداء بالشق الأيمن فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث