الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة شرط المسح على العمامة والخف

فصل :

يكره أن يلبس الخف وهو حاقن كما يكره أن يصلى بهذه الطهارة ، وطرد ذلك مس المصحف والطواف بها لأن الحدث القريب إذا لم يكن كالحاصل في المنع فلا أقل من الكراهة ، وإذا قلنا : إن سؤر البغل والحمار مشكوك فيه فتطهر منه ثم لبس ثم أحدث ثم توضأ منه وتيمم وصلى صحت صلاته ؛ لأن الماء إذا كان طاهرا فقد صلى بطهارة وضوء صحيح ، وإن كان نجسا فقد صلى بالتيمم وفي هذه لبس على طهارة لا تجوز الصلاة بها والطهارة أربعة أنواع : غسل ، ومسح ، وتيمم ، وطهارة المستحاضة ، فإذا لبسه على طهارة غسل فلا شبهة فيه وإذا لبسه على طهارة مسح فهو على ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يلبس خفا على طهارة مسح الخف مثل أن يلبس خفا أو جوربا فيمسح عليه ، ثم يلبس فوقه خفا أو جرموقا فلا يجوز المسح عليه ؛ لأن هذه الطهارة لا يمسح بها ثلاثة أيام ؛ لأن ما مضى محسوب من المدة ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أباح المسح على طهر مسح ثلاث ؛ ولأن الخف التحتاني بدل عن الرجل والبدل لا يكون له بدل ، بخلاف ما إذا لبس الفوقاني قبل أن " يحدث " فإنه لم يتعلق به حكم البدل فجاز أن يمسح [ ص: 282 ] ويجوز أيضا أن يمسح التحتاني ويدعه ، كما يجوز أن يغسل الرجل في الخف ، وإذا مسح الفوقاني ثم نزعه فهو كما لو بدت رجله في أشهر الروايتين ؛ لأن المسح تعلق بالفوقاني وحده فصار التحتاني " كاللفافة " بخلاف ما إذا نزعه قبل المسح أحدث أو لم يحدث ، فإن المسح عليه جائز ولبس الفوقاني لم يضره شيء ، وفي الأخرى لا يلزمه نزع التحتاني بل يتطهر عليه إما بمجرد مسحه أو تكميل الطهارة كما لا يلزمه نزع التحتاني كما لو كان هو الممسوح دون الفوقاني ، ولو لبس الفوقاني بعد أن أحدث وقبل أن يمسح على التحتاني فهو أحرى أن لا يجوز لأنه لبسه " على غير طهارة " .

ولا يشبه بهذا أن يخيط على الخف جلدة ؛ لأن هنا خفين منفصلين وهذا كله إذا كان الخفان صحيحين ، فإن كان التحتاني مخرقا والفوقاني صحيحا مسح عليه كما لو لبسه على لفافة ، وإن كان التحتاني صحيحا والفوقاني مخرقا فالمنصوص من الوجهين جواز المسح عليه ؛ لأن خروقه مستورة .

والثاني : لا يجوز كما لو كان تحته لفافة ، وعنه أنه كالجوارب مع النعل فإن ثبت الصحيح بالمخروق جاز المسح عليهما كما تقدم في الجورب مع النعل ، وإن ثبت الصحيح بنفسه مسح عليه خاصة ، ولو كانا مخرقين ، وقلنا يمسح على المخرق فوق الصحيح فهنا وجهان :

أحدهما : يمسح أيضا كالجورب الثابت بنعل .

والثاني : لا يمسح كالمخرق فوق اللفافة .

القسم الثاني : أن يلبس خفا أو عمامة على طهارة مسح الجبيرة فهذا يجوز له المسح ؛ لأن هذه الطهارة تقوم مقام الغسل من كل وجه حتى في الحدث الأكبر ؛ لأنه لا يقدر إلا عليها والجبيرة بمنزلة جلده .

[ ص: 283 ] الثالث : أن يلبس خفا على طهارة مسح العمامة أو بالعكس ، أو يشد جبيرة على طهارة مسح أحدهما ، ونقول باشتراط الطهارة في الجبيرة ففيه وجهان :

أحدهما : لا يجوز له المسح ؛ لأنه لبس على طهارة ناقصة من غير ضرورة أشبه ما لو لبس الخف على خف ممسوح أو لبس العمامة على قلنسوة ممسوحة ، وجوزنا المسح عليها .

والثاني : الجواز بناء على أن طهارة المسح ترفع الحدث كما تقدم ، والنص يتناول ذلك بعمومه وإنما امتنع في الملبوس مع الممسوح ؛ لأنه بدل البدل ، ولبعض المدة المعتبرة شرعا كما تقدم ، وأما إذا لبسه على طهارة تيمم لم يكن له المسح عليه ؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث بعد لبسه مع بقاء الحدث ؛ ولأنه إذا وجد الماء ظهر حكم الحدث السابق قبل لبسه فيكون في التقدير قد لبس وهو محدث ؛ لأنه إنما جعلناه متطهرا في ما لا يستمر حكمه كالصلاة والطواف ومس المصحف للضرورة ولا إلى المسح بعد وجود الماء ؛ لأنه يتمكن من غسل رجليه ولبس الخف حينئذ ، وهذا إنما يكون فيمن يتيمم لعدم الماء ، وأما من تيمم خوف الضرر باستعماله لجرح أو قرح فإنه إذا لبس الخف على هذه الطهارة ينبغي أن يكون كالمستحاضة ، وتعليل أصحابنا يقتضي ذلك ، وأما الطهر الذي معه حدث دائم كالمستحاضة ونحوها فإنها إذا لبست الخف على طهارتها تمسح يوما وليلة في الحضر وثلاثة أيام ولياليهن في السفر ، نص عليه ولا تتقيد بالوقت الذي يجوز لها أن تصلي فيه بتلك الطهارة كطهارة ذي الحدث المنقطع ؛ لأن هذه الطهارة كاملة في حقها ، وإنما وجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة ؛ لأن الطهارة فرض لكل صلاة وهي قادرة على ذلك بخلاف اللبس فإنه إنما تشترط له الطهارة حين ابتدأه وقد كانت طهارته حكما ، والفرق بينهما وبين التيمم أنه لما وجد الماء زالت ضرورته فظهر حكم الحدث السابق ، ومظنة ذلك أن ينقطع دمها في ابتداء المدة الانقطاع المعتبر فإن ضرورتها قد زالت فكذلك قلنا هنا تبطل طهارتها من أصلها حتى يلزمها استئناف الوضوء ؛ لأن الحدث السابق ظهر عمله كما يلزم المتيمم إذا وجد الماء .

[ ص: 284 ] وقال القاضي في الجامع : " إنما تمسح على الخف ما دامت في الوقت فتنتفع بذلك لو أحدثت بغير الحدث الدائم ، فأما بعد خروج الوقت فلا تستبيح المسح كما لا تستبيح الصلاة " .

والأول أصح قال أحمد : " المستحاضة تمسح على خفها " وقال أيضا : " الذي به الرعاف إذا لم ينقطع وهو يتوضأ لكل صلاة أرجو أن يجزئه أن يمسح على خفيه " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث