الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

والمراد بآداب التخلي ما ينبغي فعله حال الدخول والخروج وقضاء الحاجة وما يتعلق بذلك ( يسن أن يقول عند دخوله الخلاء ) بالمد أي المكان المعد لقضاء الحاجة ( بسم الله ) لحديث علي يرفعه { ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول : بسم الله } رواه ابن ماجه والترمذي ، وقال ليس : إسناده بالقوي ثم يقول ( اللهم إني أعوذ بك ) أي ألجأ إليك من ( الخبث ) بإسكان الباء ، قاله أبو عبيدة ونقل القاضي عياض أنه أكثر روايات الشيوخ وفسره بالشر ( والخبائث ) بالشياطين فكأنه استعاذ من الشر وأهله .

وقال الخطابي : هو بضم الباء فهو جمع خبيث ، والخبائث جمع خبيثة ، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم وقيل : الخبث الكفر ، والخبائث الشياطين .

ولم يزد في الغنية والمحرر والفروع على ما ذكره المصنف ، لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث } متفق عليه .

قال في الفروع روى البخاري { إذا أراد دخوله } وفي رواية لمسلم { أعوذ بالله } انتهى .

وروى أبو أمامة أن رسول الله قال { لا يعجز أحدكما إذا دخل مرفقه أن يقول : اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم } رواه ابن ماجه واقتصر عليه في الوجيز .

وجمع بين الخبرين في المستوعب والمقنع والبلغة والمنتهى ( ويكره دخوله ) أي الخلاء ( بما فيه ذكر الله بلا حاجة ) إلى ذلك ، لحديث أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا دخل الخلاء نزع خاتمه } رواه الخمسة [ ص: 59 ] إلا أحمد وصححه الترمذي ، وقد صح أن نقش خاتمه محمد رسول الله ; ولأن الخلاء موضع القاذورات ، فشرع تعظيم اسم الله وتنزيهه عنه فإن احتاج إلى دخوله به ، بأن لم يجد من يحفظه وخاف ضياعه فلا بأس .

قال في المبدع : حيث أخفاه ( لا دراهم ونحوها ) كدنانير عليها اسم الله ( فلا بأس به ) أي بدخوله بها ( نصا ) قال في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم : أرجو أن لا يكون به بأس .

وفي المستوعب : أن إزالة ذلك أفضل .

( ومثلها ) أي الدراهم ( حرز ) فلا بأس بالدخول بها قياسا على الدراهم .

قال صاحب النظم : وأولى ، وما ذكره المصنف من استثناء الدراهم ونحوها تبع فيه الفروع وقد جزم بذلك جماعة .

قال في تصحيح الفروع : ظاهر كلام كثير من الأصحاب أن حمل الدراهم ونحوها كغيرها في الكراهة ، ثم رأيت ابن رجب ذكر في كتاب الخواتيم أن أحمد نص على كراهة ذلك في رواية إسحاق بن هانئ ، وقال في الدراهم : إذا كان فيه اسم الله أو مكتوبا عليه { قل هو الله أحد } يكره أن يدخل اسم الله الخلاء ( لكن يجعل فص خاتم ) احتاج إلى دخول الخلاء به ( في باطن كفه اليمنى ) إذا كان مكتوبا عليه اسم الله ، لئلا يلاقي النجاسة أو يقابلها .

قال في المبدع : ويتوجه إلى اسم الرسول كذلك ، وإنه لا يختص بالبنيان ( ويحرم ) دخول الخلاء ( بمصحف إلا لحاجة ) .

قال في الإنصاف : لا شك في تحريمه قطعا ، ولا يتوقف في هذا عاقل قلت وبعض المصحف كالمصحف ( ويستحب أن ينتعل ) عند دخوله الخلاء لأنه صلى الله عليه وسلم { كان إذا دخل المرفق لبس حذاءه وغطى رأسه } رواه ابن سعد عن حبيب بن صالح مرسلا ( و ) يستحب أيضا أن ( يقدم رجله اليسرى دخولا ) أي في دخول الخلاء ، .

( و ) أن يقدم ( يمين ) رجليه ( خروجا ) منه لما روى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة من بدأ برجله اليمنى قبل يساره إذا دخل الخلاء ابتلي بالفقر ولأن اليسرى للأذى واليمنى لما سواه ، لأنها أحق بالتقديم إلى الأماكن الطيبة ، وأحق بالتأخير عن الأذى ومحله .

( و ) الذي يريد قضاء حاجته ( في غير البنيان ) أن ( يقدم يسراه ) أي يسرى رجليه ( إلى موضع جلوسه و ) يقدم ( يمناه عند منصرفه ) منه ( مع ) إتيانه ب ( ما تقدم ) عند دخوله الخلاء ، ; لأن [ ص: 60 ] موضع قضاء حاجته في الصحراء في معنى الموضع المعد لذلك في البنيان ( ومثله ) أي مثل الخلاء في تقديم اليسرى دخولا واليمنى خروجا ( حمام ومغتسل ونحوهما ) من أماكن الأذى كالمزبلة والمجزرة ، وكذا خلع نعل ونحوه ( عكس مسجد ومنزل ونعل ) أي انتعال ( ونحوه ) كخف وسرموزة ( وقميص ونحوه ) كقباء ، فيدخل يده اليمنى قبل اليسرى في اللبس ، ويقدم اليسرى في الخلع .

( ويسن أن يعتمد ) عند قضاء حاجته ( على رجله اليسرى وينصب ) رجله ( اليمنى ) بأن يضع أصابعها على الأرض ويرفع قدمها ، لحديث سراقة بن مالك قال { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتكئ على اليسرى ، وننصب اليمنى } رواه الطبراني والبيهقي ، ولأنه أسهل لخروج الخارج .

( و ) يسن أن ( يغطي رأسه ) لحديث عائشة { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء غطى رأسه وإذا أتى أهله غطى رأسه } رواه البيهقي من رواية محمد بن يونس الكديمي ، وكان يتهم بوضع الحديث ( ولا يرفعه إلى رأسه ) لأنه محل يحضره الشياطين فتعبث به ، فلذلك طلب منه أن يكون على أكمل الأحوال .

( ويسن ) لمن أراد قضاء الحاجة ( في فضاء : بعده ) لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد } رواه أبو داود .

( و ) يسن ( استتاره عن ناظر ) لخبر أبي هريرة مرفوعا { من أتى الغائط فليستتر ، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به ، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم ، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج } رواه أبو داود .

وروى عبد الله بن جعفر قال { كان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل } رواه مسلم وفسر بأنه جماعة النخل لا واحد له من لفظه .

( و ) يسن ( طلبه مكانا رخوا ) بتثليث الراء والكسر أشهر ، أي لينا هشا ( لبوله ) لخبر أبي موسى قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال ، ثم قال { إذا بال أحدكم فليرتد لبوله } رواه أحمد وأبو داود .

وفي التبصرة : ويقصد مكانا علوا ا هـ أي لينحدر عنه البول ( ولصق ذكره بصلب ) بضم الصاد أي شديد إن لم يجد مكانا رخوا ، لأنه يأمن بذلك من رشاش البول .

( و ) يسن ( أن يعد أحجار الاستجمار قبل جلوسه ) لقضاء حاجته [ ص: 61 ] لحديث { إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن ، فإنها تجزئ عنه } رواه أبو داود .

( ويكره رفع ثوبه إن بال قاعدا قبل دنوه من الأرض بلا حاجة ) إلى ذلك ، لما روى أبو داود من طريق رجل لم يسمه وقد سماه بعض الرواة : القاسم بن محمد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض } ; ولأن ذلك أستر له ، والمراد أنه يرفع ثوبه شيئا فشيئا ( فإذا قام أسبله عليه قبل انتصابه ) قال في المبدع : ولعله يجب إن كان ثم من ينظره .

( و ) يكره حال قضاء الحاجة ( استقبال شمس وقمر ) بلا حائل ، لما فيهما من نور الله تعالى .

وقد روي أن معهما ملائكة وأن أسماء الله تعالى مكتوبة عليها ( و ) يكره استقبال ( مهب ريح بلا حائل ) خشية أن يرد عليه البول فينجسه ( ومس فرجه بيمينه في كل حال ) سواء حال البول وغيره لخبر أبي قتادة يرفعه { لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو ببوله ، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه } متفق عليه .

وغير حال البول مثله وأولى ، لأن وقت البول يحتاج فيه إلى مس الذكر ، فإذا نهى عن إمساكه باليمين وقت الحاجة فغيره أولى ، وخصه بعضهم بحال البول لظاهر الخبر .

( وكذا ) يكره في كل حال ( مس فرج أبيح له مسه ) بيمينه ، كفرج زوجته وأمته ومن دون سبع ، قياسا على فرجه تشريفا لليمنى .

( و ) يكره أيضا ( استجماره ) بيمينه ( واستنجاؤه بها لغير ضرورة ) كما لو قطعت يساره أو شلت ( أو حاجة ) كجراحة بيساره ، لخبر أبي قتادة وتقدم ، وحديث سلمان قال { نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا ، وأن نستنجي باليمين } رواه مسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث