الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب مسح الخفين وسائر الحوائل

جزء التالي صفحة
السابق

( ومن شرطه ) أي : المسح على الخفين وسائر الحوائل ( أن يلبس الجميع بعد كمال الطهارة بالماء ) لما روى أبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم { رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوما وليلة ، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما } رواه الشافعي وابن خزيمة والطبراني وحسنه البخاري .

وقال هو صحيح الإسناد والطهر المطلق ينصرف إلى الكامل : وأيضا روى المغيرة بن شعبة قال { كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين } متفق عليه ، ولفظه للبخاري .

( ولو مسح فيها ) أي : الطهارة ( على خف ) بأن لبس خفا على طهارة ثم أحدث وتوضأ ومسح عليه ، ثم لبس عمامة أو جبيرة فله المسح عليها ( أو ) مسح في الطهارة على ( عمامة أو جبيرة ) أي : لو توضأ ثم لبس عمامة أو جبيرة ثم أحدث وتوضأ ومسح عليها ثم لبس خفا جاز له المسح عليه ; لأن ما تقدم طهارة كاملة ترفع الحدث أشبه ما لو غسل الكل .

( أو غسل صحيحا وتيمم لجرح ) ثم لبس حائلا ، جاز له المسح عليه ; لأنه تقدمه طهارة كاملة بالنسبة إليه ( فلا يمسح على خف ) ولا جرموق ولا جورب ولا عمامة ولا خمار ولا جبيرة ( لبسه على طهارة تيمم ) ; لأنه لا يرفع حدثا ( ولو غسل رجلا ثم أدخلها الخف ) قبل غسل الأخرى ( خلع ) الخف ( ثم لبس بعد غسل الأخرى ) لتكمل الطهارة .

( ولو لبس الأولى طاهرة ) قبل غسل الأخرى ( ثم غسل ) الرجل ( الأخرى وأدخلها ) خفها ( لم يمسح ) ; لأن لبسه للخفين لم يكن بعد كمال الطهارة ( فإن خلع الأولى ثم لبسها ) مع بقاء طهارته ( جاز ) له المسح ; لأن لبسهما بعد كمال الطهارة ( وإن تطهر ثم أحدث قبل لبسه ) الخف أو نحوه لم يمسح عليه ; لأنه لم يلبسه على طهارة ( أو ) تطهر ثم أحدث ( بعده ) أي : بعد لبسه الخف أو نحوه ; لأنه لم يلبسه على طهارة ( قبل أن تصل القدم إلى موضعها ) لم يجز المسح ; لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث .

( أو [ ص: 114 ] لبسه ) أي : الخف ونحوه ( محدثا ثم غسلهما ) أي : الرجلين ( فيه ) أي : في الخف ونحوه ، لم يجز المسح ( أو ) لبسه في أثناء الطهارة ( قبل كمال طهارته ثم غسلهما ) أي : الرجلين ( فيه ) أي : في الخف ونحوه ثم تمم طهارته لم يجز له المسح ( أو نوى جنب ونحوه ) كحائض ونفساء انقطع دمهما ( رفع حدثه ، ثم غسلهما ، وأدخلهما فيه ) أي : في الخف ونحوه ( ثم تمم طهارته لم يجز ) له ( المسح ) ; لأنه لم يلبسه بعد كمال الطهارة .

( وإن ) غسل وجهه ويديه و ( مسح رأسه ثم لبس العمامة ثم غسل رجليه خلع ) العمامة ( ثم ) لبسها ليوجد شرط المسح كالخف ( ولو شد الجبيرة على غير طهارة ) بالماء ( نزع ) الجبيرة إذا تطهر ليغسل ما تحتها بناء على أن تقدم الطهارة على شدها شرط وهو اختيار القاضي والشريف وأبي جعفر وأبي الخطاب وابن عبدوس .

وقدمها في الرعاية والفروع وغيرهم ; لأنه مسح على حائل أشبه الخف وعنه لا يشترط ، قدمها ابن تميم واختارها الخلال وابن عقيل وصاحب التلخيص فيه والموفق وجزم بها في الوجيز للأخبار وللمشقة ; لأن الجرح يقع فجأة أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه ، وعلى الأول ( فإن خاف ) من نزعها تلفا أو ضررا تيمم لغسل ما تحتها ; لأنه موضع يخاف الضرر ، باستعماله الماء فيه فجاز ( التيمم ) له ، كجرح غير مشدود ( فلو عمت ) الجبيرة ( محل الفرض ) في التيمم ، بأن عمت الوجه واليدين .

( كفى مسحها بالماء ) ; لأن كلا من التيمم والمسح بدل عن الغسل فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر ( ويمسح مقيم ، ولو عاصيا بإقامة ، كمن أمره سيده بسفر فأبى ) أن يسافر : يوما وليلة .

( و ) يمسح ( عاص بسفره ) بعيدا كان أو قريبا ( يوما وليلة ) وكذا مسافر دون المسافة ، ; لأنه في حكم المقيم .

( و ) يمسح ( مسافر سفر قصر ثلاثة أيام بلياليهن ) لما روى شريح بن هانئ قال سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت : سل عليا فإنه كان يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فسألته ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة } رواه مسلم .

قال أحمد في رواية الأثرم : هو صحيح مرفوع ويخلع عند انقضاء المدة فإن خاف أو تضرر رفيقه بانتظاره تيمم فلو مسح وصلى أعاد نص عليه ويمسح المدة المذكورة لابس الخفين ( ولو مستحاضة ونحوها ) كمن به سلس بول أو نحوه ، لعموم الأخبار وابتداء المدة ( من وقت حدث بعد لبس إلى مثله ) من الثاني أو الرابع لحديث صفوان بن عسال قال { أمرنا رسول [ ص: 115 ] الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفرا : أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط ونوم وبول } رواه أحمد والترمذي وصححه .

وقال الخطابي : هو صحيح الإسناد يدل بمفهومه : أنها تنزع لثلاث مضين من الغائط ولأنها عبادة مؤقتة فاعتبر لها أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة .

( فلو مضت المدة ) بأن مضى من الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إن كان مسافرا ( ولم يمسح فيها ) على الخف أو نحوه ( خلع ) لفراغ مدته ، وما لم يحدث فلا تحتسب المدة ، فلو بقي بعد لبسه يوما على طهارة اللبس ثم أحدث استباح بعد الحدث المدة وهذا التوقيت السابق مفصلا في غير الجبيرة ولذلك قال ( و ) يمسح على ( جبيرة إلى حلها ) ; لأن مسحها للضرورة فيقدر بقدرها والضرورة تدعو إلى مسحها إلى حلها فقدر بذلك دون غيره وبرؤها كحلها بل أولى .

( ومن مسح مسافرا ثم أقام أتم بقية مسح مقيم ، إن كانت ) أي : وجدت له بقية من اليوم والليلة ( وإلا ) بأن مضى بعد الحدث يوم وليلة فأكثر ثم أقام ( خلع ) الخف ونحوه لانقطاع السفر فلو تلبس بصلاة في سفينة فدخلت الإقامة في أثنائها بعد اليوم والليلة ، أبطلت قال في الرعاية : في الأشهر انتهى وكذا لو نوى الإقامة .

( وإن مسح مقيم أقل من يوم وليلة ثم سافر ) أتم مسح مقيم ، تغليبا للإقامة ; لأنها الأصل ( أو شك هل ابتدأ المسح حضرا أو سفرا أتم مسح مقيم ) ; لأن الأصل الغسل والمسح رخصة فإذا وقع الشك في شرطها رد إلى الأصل وسواء شك هل أول مسحه في الحضر أو السفر ، أو علم أول المدة ، أو شك هل كان مسحه حضرا أو سفرا .

( وإن شك ) الماسح ( في بقاء المدة لم يجز المسح ) مقيما كان أو مسافرا ، ما دام الشك ; لأن المسح رخصة جوزت بشرط ، فإن لم يتحقق بقاء شرطها رجع إلى الأصل ( فلو خالف وفعل ) أي : مسح مع الشك في بقاء المدة ( فبان بقاؤها صح وضوءه ) ولا يصلي به قبل أن يتبين له بقاؤها فإن صلى مع الشك أعاد .

( ومن أحدث ) في الحضر ( ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر ) ; لأنه ابتدأ المسح مسافرا ( ولا يصح المسح إلا على ما يستر محل الفرض ) وهو القدم كله ، وإلا فحكم ما استتر المسح ، وما ظهر الغسل ولا سبيل إلى الجمع بينهما فوجب الغسل ; لأنه الأصل .

( و ) من شرط المسح على الخف أيضا : أن ( يثبت بنفسه ) إذ الرخصة وردت في الخف المعتاد ، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه فلا يصح المسح على ما يسقط لفوات شرطه ( أو ) أن [ ص: 116 ] يثبت ( بنعلين ف ) لو ثبت الجوربان بالنعلين فإنه ( يصح ) المسح عليهما على ما سبق من المدة ( إلى خلعهما ) ويجب أن يمسح على الجوربين ، وسيور النعلين قدر الواجب ، قاله القاضي وقدمه في الرعاية الكبرى قال في الصغرى والحاويين : مسحهما ، وقيل : يجزي مسح الجورب وحده .

وقيل : أو النعل قال المجد في شرحه وابن عبيدان وصاحب مجمع البحرين : ظاهر كلام أحمد إجزاء المسح على أحدهما قدر الواجب قلت ينبغي أن يكون هذا المذهب قاله في الإنصاف .

و ( لا ) يصح المسح على خف يثبت ( بشده ) فقط ( نصا ) لما تقدم ( ولو ثبت ) الخف ونحوه ( بنفسه لكن ببدو بعضه لولا شده أو شرجه ) بالشين المعجمة والجيم بأن يكون له عرى ( كالزربول الذي له ساق ) ( فيدخل بعضها في بعض فيستتر بذلك محل الفرض ) ( ونحوه صح المسح عليه ) لأنه خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه أشبه غير ذي الشرج .

( ومن شرطه ) أي : المسح على الخف ونحوه ( أيضا إباحته ) ; لأن المسح رخصة ، فلا تستباح بالمعصية ( فلا يصح ) المسح ( على ) خف ( مغصوب ، و ) لا ( حرير ولو في ضرورة ، كمن هو في بلد ثلج ، وخاف سقوط أصابعه ) بخلع الخف المغصوب أو الحرير فلا يستبيح المسح عليه ، ; لأنه منهي عنه في الأصل وهذه ضرورة نادرة .

( فإن صلى ) وقد مسح عليه إذن ( أعاد الطهارة والصلاة ) لبطلانهما ( ويصح ) المسح ( على ) خف ونحوه ( حرير لأنثى فقط ) دون خنثى وذكر لإباحته لها دونهما ولو صغيرين ( ويشترط أيضا ) في مسح الخفين ونحوهما ( إمكان المشي فيه ) أي : الممسوح من خف ونحوه عرفا .

( ولو لم يكن معتادا فدخل في ذلك الجلود واللبود والخشب والزجاج والحديد ونحوها ) ; لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه أشبه الجلود ( و ) يشترط أيضا ( طهارة عينه ) لأن نجس العين منهي عنه ( فلا يصح ) المسح ( على نجس ولو في ضرورة ) لما تقدم في الحرير ( فيتيمم معها ) أي : الضرورة ( للرجلين ) أي : لا بد عن غسلهما .

وكذا لو كان النجس عمامة أو جبيرة وتضرر بنزعها يتيمم لما تحتها قال في المنتهى : ويتيمم معها لمستور ( ولا يمسح ) على النجس ( ويعيد ) ما صلى به ; لأنه حامل للنجاسة ( ولومسح على خف طاهر العين لكن بباطنه أو قدمه نجاسة لا يمكن إزالتها إلا بنزعه جاز المسح عليه ) لوجود شرطه .

( ويستبيح بذلك مس المصحف ويستبيح الصلاة إذا لم يجد ما يزيل ) به ( النجاسة وغير ذلك ) كالطواف ، بخلاف الوضوء قبل الاستنجاء وفرق المجد بينهما بأن نجاسة المحل [ ص: 117 ] هناك لما أوجبت الطهارتين جعلت إحداهما تابعة للأخرى وهذا معدوم هنا ( ويشترط ) في الخف ونحوه أيضا ( أن لا يصف القدم لصفائه كالزجاج الرقيق ) ; لأنه غير ساتر لمحل الفرض .

وكذا ما يصف البشرة لخفته فلا يصح المسح عليه ( فإن كان فيه ) أي : في الخف ونحوه ( خرق أو غيره يبدو منه بعض القدم ، ولو من موضع الخرز ، لم يمسح عليه ) لعدم ستره محل الفرض ( فإن انضم الخرق ونحوه بلبسه جاز المسح ) لحصول الشرط وهو ستر محل الفرض ويشترط أيضا أن لا يكون واسعا يرى منه محل الفرض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث