الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة عدة الأمة المتزوجة من الطلاق والوفاة

جزء التالي صفحة
السابق

2004 - مسألة : وعدة الأمة المتزوجة من الطلاق والوفاة كعدة الحرة سواء سواء ولا فرق ، لأن الله عز وجل علمنا العدد في الكتاب فقال { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } . [ ص: 116 ]

وقال تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } .

وقال تعالى : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } .

قال أبو محمد : وقد علم الله عز وجل إذ أباح لنا زواج الإماء أنه يكون عليهن العدد المذكورات فما فرق عز وجل بين حرة ولا أمة في ذلك { وما كان ربك نسيا } .

ونعوذ بالله تعالى من الاستدراك على الله عز وجل ، والقول عليه بما لم يقل ، ومن أن نشرع في الدين ما لم يأذن به الله .

وقد اختلف في هذا - : فروينا من طريق الحجاج بن المنهال أنا حماد بن زيد عن عمرو بن أوس الثقفي أن عمر بن الخطاب قال : لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفا لفعلت ؟ فقال له رجل : يا أمير المؤمنين فاجعلها شهرا ونصفا .

ومن طريق عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : جعل لها عمر حيضتين - يعني الأمة المطلقة - .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر بن الخطاب قال : ينكح العبد اثنتين ، ويطلق تطليقتين ، وتعتد الأمة حيضتين فإن لم تحض فشهرين - وقال : فشهرا ونصفا .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن المغيرة عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود قال : يكون عليها نصف العذاب ولا يكون لها نصف الرخصة .

ومن طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : الحر يطلق الأمة تطليقتين ، وتعتد حيضتين .

ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب أخبرني قبيصة بن ذؤيب أنه سمع زيد بن ثابت يقول : عدة الأمة حيضتان . [ ص: 117 ]

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال : ينكح العبد اثنتين ، وعدة الأمة حيضتان - قال معمر : وهو قول الزهري .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب عدة الأمة حيضتان - قال معمر : وهو قول الزهري .

ومن طريق عبد الرزاق عن داود بن قيس قال : سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن عدة الأمة قال : حيضتان ، وإن كانت لا تحيض فشهر ونصف .

ومن طريق ابن وهب عن أسامة بن زيد عن زيد بن أسلم : عدة الأمة حيضتان .

ومن طريق ابن وهب أخبرني رجال من أهل العلم أن نافعا ، وابن قسيط ويحيى بن سعيد ، وربيعة ، وغير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين : عدة الأمة حيضتان .

ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان ، وقتادة ، وداود بن أبي هند قال حماد : عن إبراهيم النخعي ، وقال قتادة عن الحسن ، وقال داود : عن الشعبي ، قالوا كلهم : عدة الأمة حيضتان .

ومن طريق ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال : عدة الأمة حيضتان : قال القاسم : مع أن هذا ليس في كتاب الله عز وجل ، ولا نعلمه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن قد مضى أمر الناس على هذا .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء في عدة الأمة صغيرة أو قاعدا .

قال : عمر بن الخطاب : شهر ونصف .

ومن طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب ، وأبي قلابة أنهما قالا جميعا : الأمة إذا طلقت - وهي لا تحيض - تعتد شهرا ونصفا .

ومن طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال : [ ص: 118 ] عدة الأمة التي طلقت إن شاءت شهرا ونصفا ، وإن شاءت شهرين ، وإن شاءت ثلاثة أشهر .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري : عدة الأمة شهران لكل حيضة شهر .

ومن طريق الحجاج بن المنهال أنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قيل له : إن ابن جريج يقول عن عطاء في عدة الأمة التي لا تحيض خمس وأربعون ليلة ، فقال عمرو : أشهد على عطاء أنه قال : عدتها شهران إذا كانت لا تحيض .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، وسفيان الثوري ، والحسن بن حي ، والشافعي ، وأصحابه : عدة الأمة المطلقة التي لا تحيض : شهر ونصف - وقالوا كلهم : عدتها حيضتان إلا الشافعي فإنه قال : طهران ، فإذا رأت الدم من الحيضة الثانية فهو خروجها من العدة .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الكريم البصري عن مجاهد قال : عدة الأمة التي لا تحيض ثلاثة أشهر .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يونس بن عبيد قال : قال الحسن : عدة الأمة التي لا تحيض ثلاثة أشهر .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن صدقة بن يسار قال : خاصمت إلى عمر بن عبد العزيز في أمة لم تحض فجعل عدتها ثلاثة أشهر .

ومن طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة قال في الأمة حاضت أو لم تحض أو قعدت : ينتظر بها ثلاثة أشهر لا نعلم براءتها إلا براءة الحرة هاهنا ؟ قال ابن وهب : وأخبرني رجال من أهل العلم عن عمر بن الخطاب ، وابن شهاب ، وبكير بن الأشج ، وغيرهم : أن عدة الأمة التي يئست من المحيض والتي لم تبلغ ثلاثة أشهر .

- وهو قول مالك ، وأصحابه ، والليث بن سعد .

قال أبو محمد : وروي عن ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد ، وابن قسيط من طرق ساقطة عدة الأمة من الوفاة شهران [ ص: 119 ] وخمس ليال - وصح ذلك عن عطاء ، وقتادة ، والزهري وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، ومالك ، وأصحابهم .

وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين قال : ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة إلا أن تكون مضت في ذلك سنة ، فالسنة أحق أن تتبع .

وذكر عن أحمد بن حنبل : أن قول مكحول إن عدة الأمة في كل شيء كعدة الحرة - وهو قول أبي سليمان ، وجميع أصحابنا .

قال أبو محمد : احتج من رأى أن عدتها حيضتان بما روينا من طريق أبي داود - هو السجستاني - أنا محمد بن مسعود أنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { طلاق الأمة تطليقتان ، وقرؤها حيضتان } .

وبما ناه حمام بن أحمد أنا يحيى بن مالك بن عائذ أنا عبد الله بن أبي غسان أنا أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي أنا محمد بن إسماعيل بن سمرة أنا عمر بن شبيب المسلي أنا عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال { طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان } .

قال أبو محمد : ما تعلقوا من الآثار إلا بهذا - وهذان الخبران لا يسوغ للمالكيين ، ولا للشافعيين الاحتجاج بهما ; لأنهما مبطلان لمذهبهما ; لأن الطلاق عندهما للرجال ، والأقراء : الأطهار ، فإن صححوهما لزمهما ترك مذهبهما في ذلك ، وإن أبطلوهما فقد كفونا مؤنتهم في هذين الخبرين .

وأما الحنفيون - فإنهم احتجوا بهما - وهما ساقطان - لأن أحدهما من طريق مظاهر ابن أسلم - وهو في غاية الضعف والسقوط - .

والعجب - أن الحنفيين من أصولهم أن الراوي إذا خالف خبرا رواه أو ذكر له فلم يعرفه فإنه دليل على سقوط ذلك الخبر - : احتجوا بذلك - : في خبر اليمين مع الشاهد . [ ص: 120 ]

وبالخبر الثابت { من مات وعليه صيام صام عنه وليه } .

وفي الخبر الثابت { أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل } ، وفي الخبر الثابت في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه .

وفي الخبر الثابت في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا .

ثم يتعلقون بهذا الخبر الساقط الذي لا خير فيه ، وقد صح عن القاسم بن محمد كما ذكرنا آنفا أن الحكم بأن عدة الأمة حيضتان لم يأت به سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ويردون الأخبار بأنها زائدة على ما في القرآن - : كما فعلوا في الخبر الثابت بالمسح على العمامة ثم يحتجون بهذين الخبرين الساقطين - وهما مخالفان لما في القرآن حقا ، فاعجبوا لعظيم تناقض هؤلاء القوم ؟ .

والخبر الثاني - من طريق عمر بن شبيب المسلي ، وعطية وهما متفق على ضعفهما فلا يحل الأخذ بهما - ولو صحا لما سبقونا إلى القول بهما وقالوا : وهو قول جمهور السلف الصالح من الصحابة ، والتابعين .

قال أبو محمد : وهذا أيضا لا يمكن المالكيين ، ولا الشافعيين الاحتجاج بهذا ; لأنهم مخالفون لكل من جاء عنه في ذلك قول من الصحابة - رضي الله عنهم - ; لأن الثابت عن عمر بن الخطاب ، وابنه ، وزيد بن ثابت ، والمأثور عن ابن مسعود : أن عدة الأمة حيضتان - وهذا خلاف قول المالكيين ، والشافعين ، وإذا جاز عندهم أن يخطئ الصحابة في مئية الأقراء من الأمة فلا ننكر على من قال بذلك في كمية عدتها .

وأما الحنفيون - فإنما صح ذلك عن عمر ، وابنه ، وزيد ، فقط .

وأيضا - فإن عمر قد بين أنه رأي منه ، ولا حجة في رأي - وقد صح عن عمر ، وابنه ، وزيد : التحذير من الرأي - ولا حجة في رأي أحد ، وعمر يقول : لو استطعت أن أجعل عدتها حيضة ونصفا لفعلت . [ ص: 121 ]

وما ندري كيف هذا ؟ وأي امتناع في أن يقول : إذا رأت جمهور الحيضة وفورها قد أخذ في الانحطاط فقد حلت ; لأنه بلا شك قد مضى نصف الحيضة ؟ .

وقد قلنا : لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وقد ذكرنا فيما خلا من المسائل في كتابنا هذا قبل هذه المسألة ما قالوه مما خالفوا فيه بآرائهم جمهور الصحابة - رضي الله عنهم - بل كل من روي عنه في ذلك قول مما لا يعرف أن أحدا قاله قبلهم كثير جدا - :

كقولهم فيما يحل به وطء الحائض إذا رأت الطهر .

وكقولهم في صفة الإحداد وغير ذلك كثير جدا ؟ وقد قلنا : لا حجة في قول أحد دون القرآن والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

واحتجوا بأنه لما كان حد الأمة نصف حد الحرة وجب أن تكون عدتها نصف عدة الحرة .

قال أبو محمد : وهذا قياس والقياس كله باطل ، ثم لو صح القياس لكان هذا منه أفسد قياس وأشد بطلانا لما نبينه عليه - إن شاء الله تعالى .

والعجب فيما روي - ولم يصح - عن ابن مسعود أيجعلون عليها نصف العذاب ولا يجعلون لها نصف الرخصة وإن هذا لبعيد عن رجل من عرض الناس ؟ فكيف عن مثل ابن مسعود - رضي الله عنه - لأنه يقال لقائل هذا القول ومصوبه : ما نحن جعلنا عليها نصف العذاب ، ولا نحن نجعل لها نصف الرخصة ، بل الله تعالى جعل عليها نصف العذاب حيث شاء ، ولم يجعل لها نصف الرخصة { وما كان ربك نسيا } .

ثم هبك لو جعلنا نحن عليها نصف العذاب - وكان ذلك مباحا لنا أن نجعله - فمن أين وجب علينا أن نجعل لها نصف الرخصة ؟ إن هذا لعجب لا نظير له ؟ .

وأما فساد هذا القياس - فإن قياس هذه العدة على حد الزنى فاسد ; لأنه لا شبه بين الزنى الموجب للحد وبين موت الزوج وطلاقه ، والقياس عندهم باطل إلا على شبه [ ص: 122 ] بين المقيس والمقيس عليه - فصح على أصولهم بطلان هذا القياس ، فكيف عند من لا يجيز القياس أصلا - والحمد لله رب العالمين .

ثم فساد آخر - وهو أنهم أوجبوا القياس على نصف الحد في الأمة وهم لا يختلفون في أن حد الأمة في قطع السرقة كحد الحرة ، فمن أين وجب أن تقاس العدة عندهم على حد الزنى دون أن يقيسوه على السرقة ؟

ثم هلا قاسوا عدة الأمة من الطلاق والوفاة بالأقراء وبالشهور على ما لا يختلفون فيه من أن عدتها من كل ذلك - إن كانت حاملا - كعدة الحرة ، فلئن صح القياس يوما فإن قياس العدة من الوفاة والطلاق على العدة من الوفاة والطلاق لا شك عند من عنده أدنى فهم أولى من قياس العدة على حد الزنى فلاح فساد قياسهم في ذلك ، كظهور الشمس يوم صحو - والحمد لله رب العالمين .

ثم العجب كله من قياس مالك عدة الأمة من الوفاة على عدتها عنده بالأقراء ، ثم لم يقس عدة الأمة بالشهور من الطلاق على عدتها بالشهور من الوفاة ، بل جعل عدة الأمة بالشهور من الطلاق كعدة الحرة ولا فرق - وهذه مناقضات ، وأقوال فاسدة ، لا تخفى على ذي حظ من فهم .

ثم عجب آخر - وهو أنهم جعلوا عدة الأمة من الوفاة نصف عدة الحرة من الوفاة - شق الأنملة - ثم اختلفوا فجعل أبو حنيفة ، والشافعي عدة الأمة بالشهور من الطلاق نصف عدة الحرة بالشهور من الطلاق ، وجعل مالك عدة الأمة من الطلاق بالشهور كعدة الحرة من الطلاق بالشهور سواء سواء .

ثم جعلوا ثلاثتهم عدة الأمة بالأقراء ثلثي عدة الحرة بالأقراء ، فهل في التلاعب أكثر من هذا ؟ مرة نصف عدة الحرة ، ومرة مثل عدة الحرة ، ومرة ثلثي عدة الحرة - كل هذا بلا قرآن ، ولا سنة ولا قياس يعقل .

وكل هذا قد اختلف فيه السلف ، وقبل وبعد فعلى أي شيء قاسوا قولهم في عدتها بالأقراء ثلثي عدة الحرة - وحسبنا الله ونعم الوكيل ، والحمد لله كثيرا على توفيقه إيانا للحق وتيسيره للصواب .

ولقد كان يلزمهم - إذ قاسوا عدة الأمة على حدها - أن لا يوجبوا عليها إلا نصف [ ص: 123 ] الطهارة ، ونصف الصلاة ، ونصف الصيام : قياسا على حدها ، والذي يلزمهم أكثر مما ذكرنا - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث