الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة هل الحدود كفارة لمن أقيمت عليه أم لا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

2170 - مسألة : هل الحدود كفارة لمن أقيمت عليه أم لا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : كل من أصاب ذنبا فيه حد فأقيم عليه ما يجب في ذلك فقد سقط عنه ما أصاب من ذلك - تاب أو لم يتب - حاش المحاربة ، فإن إثمها باق عليه وإن أقيم عليه حدها ، ولا يسقطها عنه إلا التوبة لله تعالى فقط .

برهان ذلك : ما رويناه من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وإسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، كلهم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن { عبادة بن الصامت قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس ، فقال تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه } .

وبه - إلى مسلم حدثني إسماعيل بن سالم أنا هشيم أنا خالد - هو الحذاء - عن أبي قلابة عن أبي الأشعث - هو الصنعاني - عن { عبادة بن الصامت قال : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء : أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا يغتاب بعضنا بعضا - فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو عقابه ، ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله - إن شاء عذبه وإن شاء غفر له } .

وأما تخصيصنا المحاربة من جميع الحدود ، فلقول الله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } إلى قوله تعالى { عذاب عظيم } فنص الله تعالى نصا لا يحتمل تأويلا ، على أنهم مع إقامة هذا الحد عليهم ، وأنه لهم خزي في الدنيا ، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب عظيم . [ ص: 13 ]

قال أبو محمد رحمه الله : فوجب استعمال النصوص كلها كما جاءت ، وأن لا يترك شيء منها لشيء آخر وليس بعضها أولى بالطاعة من بعض ، وكلها حق من عند الله تعالى - ولا يجوز النسخ في شيء من ذلك : أما حديث عبادة - فإنه فضيلة لنا أن تكفر عنا الذنوب بالحد ، والفضائل لا تنسخ ، لأنها ليست أوامر ، ولا نواهي ، وإنما النسخ في الأوامر والنواهي - سواء وردت بلفظة الأمر والنهي - أو بلفظ الخبر ، ومعناه الأمر والنهي .

وأما الخبر المحقق فلا يدخل النسخ فيه ، ولو دخل لكان كذبا - وهذا لا يجوز أن يظن بشيء من أخبار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . وأما الآية في المحاربة - فإن وجوب العذاب في الآخرة مع الخزي في الدنيا بإقامة الحد عليهم : خبر مجرد من الله تعالى ، لا مدخل فيه للأمر والنهي فأمن دخول النسخ في شيء من ذلك - والحمد لله رب العالمين .

قال أبو محمد رحمه الله : فإن تعلق متعلق بما نا أحمد بن عمر العذري نا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي نا إبراهيم بن دحيم نا عبد بن حميد الكشي ثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما أدري أتبع كان نبيا أم لا ؟ وما أدري ذو القرنين أنبيا كان أم لا ؟ وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا ؟ } .

وبما ثناه أحمد بن عمر العذري نا محمد بن أبي سعيد بن سختويه الإسفراييني - في داره بمكة - ثنا عبد العزيز بن جعفر بن سعد أنا أحمد بن زنجويه بن موسى نا [ ص: 14 ] داود بن رشيد نا سيف بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال : { بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايعت النساء ، فمن مات منا ولم يأت بشيء منهن : ضمن له الجنة ، ومن مات منا وأتى بشيء فأقيم عليه الحد : فحسابه على الله تعالى }

قال أبو محمد رحمه الله : أما حديث أبي هريرة فصحيح السند ، وما نعلم له في وقتنا هذا علة ، إلا أن الذي لا نشك فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختلف قوله ، ولا يقول إلا الحق ، وقد قال صلى الله عليه وسلم بأصح سند مما أوردنا آنفا من طريق عبادة : { أن من أصاب من الزنى ، والسرقة ، والقتل ، والغصب : شيئا ، فأقيم عليه الحد ، فهو كفارة له } فمن المحال أن يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء قد قطع به ، وبشر أمته به ، وهو وحي من الله تعالى أوحى إليه به .

والقول عندنا فيه : أن أبا هريرة لم يقل أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام ، وقد سمعه أبو هريرة من أحد المهاجرين ، ممن سمعه ذلك الصاحب من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول البعث ، قبل أن يسمع عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { إن الحدود كفارة } فهذا صحيح بأنه عليه السلام لا يعلم إلا ما علمه الله تعالى ، ثم أعلمه بعد ذلك ما لم يكن يعلمه حينئذ ، وأخبر به الأنصار ، إذ بايعوه قبل الهجرة ، والحدود حينئذ لم تكن نزلت بعد ، لا حين بيعة عبادة ولا قبل ذلك ، وإنما نزلت بالمدينة بعد الهجرة ، لكن الله تعالى أعلم رسوله عليه السلام أنه سيكون لهذه الذنوب حدود ، وعقوبات - وإن كان لم يعلمه بها - لكنه أخبره أنها كفارات لأهلها - هذا هو الحق الذي لا يجوز غيره - إن صح حديث أبي هريرة ولم تكن فيه علة .

وأما حديث جابر - فساقط لأنه من رواية داود بن رشيد - وهو ضعيف .

ثم لو صح لكان القول فيه كالقول في حديث أبي هريرة الذي تكلمنا فيه آنفا ، والأمر كان حينئذ في حديث جابر أبين ، لأن إسلام جرير متأخر جدا بعد الفتح ، لم يدرك قط بيعة النساء التي كانت قبل القتال ، لأن إسلام جرير كان بعد نزول " المائدة " فصار حديث عبادة قاضيا على كل ذلك ، ومخبرا عن الله تعالى ما ليس في سائر الأخبار : من أن الحدود كفارة لأهلها ، حاش ما خصه الله تعالى منها

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث