الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب نكاح أهل الحرب

وكذلك لو كان تحته أختان فأسلمن معه فإن [ ص: 54 ] تزوجهما في عقدة واحدة بطل نكاحهما ، ولو كان تزويجهما في عقدين جاز نكاح الأولى ، وبطل نكاح الثانية عندهما ، وقال محمد والشافعي رحمهما الله تعالى : يختار أيتهما شاء ويفارق الأخرى ، واستدل بحديث { غيلان بن سلمة أنه أسلم وتحته ثمان نسوة ، وأسلمن معه فقال : صلى الله عليه وسلم اختر منهن أربعا ، وفارق سائرهن وقيس بن حارثة رضي الله عنه أسلم ، وتحته عشر نسوة ، وأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعا منهن الضحاك بن فيروز الديلمي أسلم وتحته أختان فقال : صلى الله عليه وسلم اختر أيتهما شئت } ، والمعنى فيه : أن هذه حرمة اعترضت في بعض المنكوحات بعد صحة النكاح فتوجب التخيير دون التفرق كما لو طلق إحدى نسائه لا بعينها ثلاثا .

وبيان ذلك : أن الأنكحة وقعت صحيحة في الأصل ; لأن حرمة الجمع بخطاب الشرع ، وقد بينا أن حكم هذا الخطاب قاصر عنهم ; لاعتقادهم بخلاف ذلك ما لم يسلموا ، ألا ترى أنه لو ماتت واحدة منهن أو بانت ثم أسلم ، وليس عنده إلا أربع منهن جاز نكاحهن سواء ماتت الأولى أو الأخيرة ، وإذا ثبت أن الأنكحة صحيحة كان العقد الواحد ، والعقود المتفرقة فيه بمنزلة الحربي إذا كان تحته أربع نسوة فسبي وسبين معه فإن العقد الواحد ، والعقود المتفرقة فيه سواء بالاتفاق ، وإن اختلفنا في التفريق أو التخيير ، وفرق محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير بين أهل الحرب وأهل الذمة فقال : لو كانت هذه العقود فيما بين أهل الذمة كان الجواب كما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى ; لأن خطاب الشرع بحكم الشيوع في دار الإسلام يجعل ثباتا في حق أهل الذمة ، وإن كنا لا نتعرض لهم ما لم يسلموا ، وقد بينا هذا من أصلها والشافعي رحمه الله تعالى يسوي بين أهل الحرب ، وأهل الذمة فأما أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله استدلا بقوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الأختين } فالجمع بين الأختين نكاحا حرام بهذا النص ، وبنكاح الأولى ما حصل الجمع فوقع نكاحها بحكم الإسلام ، وبنكاح الثانية حصل الجمع فلم يكن نكاحها صحيحا بحكم الإسلام ، وإنما وجب الاعتراض بعد الإسلام بسبب الجمع إذ لا سبب هنا سوى الجمع فتعين الفساد في نكاح من حصل الجمع بنكاحها ، وكان نكاحها فاسدا بحكم الإسلام دون من لم يحصل بنكاحها الجمع ، وكان نكاحها صحيحا بحكم الإسلام ، وإن تزوجهما في عقدة واحدة فالجمع حصل بهما ، ولم يكن إبطال نكاح إحداهما بأولى من الأخرى ، فبطل نكاحهما بمنزلة الحربية تحت رجلين إذا أسلمت وأسلما معها ، وكذلك في نكاح الخمس الحرمة بسبب [ ص: 55 ] الجمع بين ما زاد على الأربع .

فإنما حصل ذلك بنكاح الخامسة ، فصرف الفساد إليها أولى ، وإن كان تزوجهن في عقد واحد فالجمع حصل بهن جميعا ، وهذا بخلاف ما لو ماتت إحداهن أو بانت ; لأن الاعتراض بسبب الجمع بعد الإسلام فلا بد من بقاء الجمع المحرم بعد الإسلام حتى يجب الاعتراض ، ولم يبق ذلك إذا ماتت إحداهما أو بانت ، وهو نظير ما لو تزوج رضيعتين فجاءت امرأة فأرضعتهما بانتا منه ، ولو أرضعت إحداهما فماتت ثم أرضعت الأخرى لم يبطل نكاح الثانية ; لأن الجمع إنما يتحقق عند إرضاع الثانية فإذا كانت الأولى في نكاحه تحقق الجمع بين الأختين ، وإن ماتت أو بانت لم يتحقق الجمع بين الأختين ، وهذا بخلاف المسبيات ، فإن نكاح الأربع هناك وقع صحيحا بحكم الإسلام على الإطلاق ; لأنه حين تزوجهن كان حرا ، وللحر أن يتزوج أربع نسوة ثم وجب الاعتراض بسبب الرق الحادث فيه ، وعند حدوث الرق هن مجتمعات مستويات ، فلهذا استوى العقد الواحد ، والعقود المتفرقة بمنزلة الرضيعتين إذا أرضعتهما امرأة بانتا منه ، وإن تزوجهما في عقدين ; لأن الاعتراض وجب بعد صحة النكاح بالأختية العارضة فيها ، وهما مستويان في ذلك بخلاف ما تقدم على ما بينا ، والأحاديث التي رويت فقد قال مكحول : إن تلك كانت قبل نزول الفرائض معناه : قبل نزول حرمة الجمع فوقعت الأنكحة صحيحة مطلقا ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باختيار الأربع ; لتجديد العقد عليهن ، أو لما كانت الأنكحة صحيحة في الأصل جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك مستثنى من تحريم الجمع ، ألا ترى أنه قال في بعض الروايات : وطلق سائرهن فهذا دليل على أنه لم يحكم بالفرقة بينه وبين ما زاد على الأربع

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث