الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب نكاح الإماء والعبيد

( قال : ) ولا يحل للعبد أن يتزوج مولاته ولا امرأة لها في رقبته شقص عندنا ، وعلى قول نفاة القياس رضي الله عنهم يجوز ، وكذلك الحر إذا تزوج أمته أو أمة له فيها شقص فهو على هذا الخلاف ، واستدلوا بظاهر قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } وبقوله : { فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } وحجتنا في ذلك قوله تعالى : { وأنكحوا الأيامى منكم } الآية ، فإنما خاطب الله تعالى الموالي بإنكاح الإماء لا بنكاحهن ، ولأن العبد إذا تزوج بمولاته فهي تستوجب عليه النفقة بالنكاح وهو يستوجب عليها النفقة بملك اليمين فيتقاصان ويموتان جوعا ، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى ، والحر إذا تزوج أمته ، فهذا العقد غير مفيد ; لأن موجب النكاح ملك الحل ، ومحل الحل ثابت له تبعا لملك الرقبة ، ولأن النكاح إنما شرع في الأصل لضرورة الحاجة إليه ، وعند ملكه رقبتها لا حاجة فلم يكن [ ص: 130 ] مشروعا أصلا ، ثم قيام الملك في شقص منها ينزل منزلة قيام الملك في جميعها في حرمة النكاح احتياطا ، وإن كان لا ينزل منزلة ذلك في حل الوطء ، وعلى هذا لو تزوج مكاتبته فالنكاح باطل لقيام الملك له في رقبتها ، وإن كان هو ممنوعا من وطئها بسبب الكتابة ، فإن وطئها كان لها المهر بمنزلة ما لو وطئها قبل النكاح ، وهذا لأن الحد يسقط للشبهة فيجب المهر ، وهي بعقد الكتابة صارت أحق بنفسها ومكاسبها ، والمستوفى بالوطء في حكم جزء من عينها ، ولو قطع المولى يدها كان الأرش لها فكذلك إذا وطئها .

ألا ترى أن الواطئ لو كان غير المولى كان المهر لها ، فإن عتقت بعد هذا النكاح لم يجز ذلك النكاح ; لأنه تعين فيه جهة البطلان لملكه رقبتها ، فلا ينقلب صحيحا ، وإن زال ذلك الملك ، وكذلك إن تزوج المكاتب مولاته ودخل بها فعليه المهر لسقوط الحد بشبهة النكاح ، ولا يجوز النكاح ، وإن عتق لما قلنا ، وإن تزوج المكاتب أو العبد بنت مولاه بإذنه جاز النكاح ; لأنه لا ملك لها في رقبته ، ولا حق ملك ما دام الأب حيا ، فإن مات المولى فسد نكاح العبد لأنها ملكت رقبة زوجها إرثا ، وملكها رقبة الزوج لو اقترن بالنكاح منع صحة النكاح ، فإذا طرأ على النكاح يرفع النكاح أيضا ; لأن المنافي يؤثر سواء كان طارئا أو مقارنا ، فأما نكاح المكاتب لا يفسد بموت المولى عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى يفسد وهو بناء على أن رقبة المكاتب لا تورث عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى تورث ، وأصل المسألة أن المشغول بحاجة المورث لا يملكه الوارث عندنا كالتركة المستغرقة بالدين ، والمكاتب أيضا مشغول بحاجته ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى كل ما كان مملوكا للمورث ، فإذا لم يخرج بموته من أن يكون مملوكا للمورث يصير مملوكا لوارثه ، وحجته على سبيل الابتداء في هذه المسألة أنها لو تزوجت به ابتداء بعد موت المولى لا يصح النكاح ، فكذا لا يبقى النكاح كما في العبد ، وتقريره أن الوارث خلافة ، ورقبة المكاتب كانت مملوكة للمولى فيخلفه وارثه فيه بعد الموت .

ألا ترى أنه لو عجز كان مملوكا للوارث وعجزه ليس بموجب ملك الرقبة للوارث ابتداء ، فعرفنا أنه كان مالكا قبل ذلك ، وحجتنا في ذلك أن المكاتب لا يملك بسائر أسباب الملك فكذلك لا يملك بالإرث كالمدبر ، والدليل عليه أنه لو أدى بدل الكتابة كان ولاؤه للمولى ، وإنما يثبت الولاء لمن يعتق على ملكه ، فتبين بهذا أنه باق على ملك المولى لحاجته إلى ذلك واستحقاقه ولاءه بعقد الكتابة ، ولهذا يملك بعد العجز ; لأن المانع حق المولى وقد زال فيكون ذلك السبب عاملا في إيجاب الملك بعد زوال المانع ، وأما إذا تزوجت [ ص: 131 ] به ابتداء بعد موت المولى إنما لا يجوز ; لأنه ثبت لها حق أن تتملك رقبته عند زوال المانع ، وحق الملك يمنع ابتداء النكاح ، ولا يمنع بقاءه ، ولهذا لو اشترى المكاتب امرأة مولاه لا يفسد النكاح ، ولو تزوج أمة مكاتبه لا يجوز ، وكذلك لو اشترى المكاتب امرأة نفسه لا يفسد النكاح ، ولو تزوجها ابتداء لم يصح ، وكذلك لو كفل رجل عن المكاتب بمال لابن مولاه فهو جائز ، فإن مات أبوه كانت الكفالة على حالها ، ولو كفل له بمال مستقبل عنه بعد موت أبيه لم يجز ، ومن غير هذا الباب العدة تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع البقاء ، والإباق يمنع ابتداء البيع ولا يمنع البقاء ، فالقياس في هذا كثير ، وإذا ثبت بقاء النكاح قلنا : إن أعتق المكاتب فهي امرأته ; لأنه بالعتق ازداد بعدا عنها ، وإن عجز ورد في الرق بطل النكاح ، ولا مهر لها إن لم يكن دخل بها ; لأن بطلان النكاح يقرر المنافي ، وذلك إذا وجد قبل الدخول أبطل النكاح من الأصل ، فلا يوجب شيئا من المهر كالمحرمية ، وإن كان قد دخل بها فلها المهر في رقبته يبطل منه بقدر حصتها ; لأنها ملكت بعض رقبته ، والمولى لا يستوجب على مملوكه دينا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث