الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 116 ] ( ويحد الرقيق ) للزنا وغيره كقطع أو قتل أو حد خمر أو قذف ( سيده ) ولو أنثى إن علم شروطه وكيفيته ، وإن لم يأذن له الإمام لخبر مسلم { إذا زنت أمة أحدكم فليحدها } وخبر أبي داود والنسائي { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } نعم المحجور يقيمه وليه ولو قيما وبحث ابن عبد السلام أنه لو كان بين السيد وقنه عداوة ظاهرة لم يقمه عليه ويؤيده ما مر أن المجبر لا يزوج حينئذ مع عظيم شفقته فالسيد أولى واستشكله الزركشي بأن له حده إذا قذفه وقد يجاب بأن مجرد القذف قد لا يولد عداوة ظاهرة ويسن له بيع أمة زنت ثالثة لخبر فيه ولو زنى ذمي ثم حارب وأرق لم يحده إلا الإمام ؛ لأنه لم يكن مملوكا يوم زناه وبه يفرق بينه وبين من زنى ثم بيع فإن للمشتري حده ؛ لأنه كان مملوكا حال الزنا فحل المشتري محل البائع كما يحل محله في تحليله من إحرامه وعدمه بخلاف الأول لما زنى كان حرا فلم يتول حده إلا الإمام فاندفع استشكال الزركشي تلك بهذه ثم رأيت بعضهم أشار لنحو ما ذكرته وبهذا يتضح الفرق بين ما مر في المبعض .

وحد الشركاء للمشترك على قدر ملكهم ويستنيبون في المنكسر وذلك ؛ لأن السيد ثم لو توزع هو والإمام وقع حده في جزء الحرية وهو ممتنع بخلاف توزع الشركاء هنا فإن حد كل يقع في جزئه الرق وغيره المماثل له وقضية إطلاقهم جواز استقلال أحدهم بحده حصته ، وإن لم تأذن البقية وعليه فهل يضمنه لو تلف بذلك ؛ لأنه مشروط بسلامة العاقبة كالمعزر أولا لأنه مقدر مأذون فيه كل محتمل ومقتضى فرقهم الآتي قريبا بين حد الإمام وختانه بالنص والاجتهاد الضمان هنا لأن اقتصار كل على حصته أمر مجتهد فيه ( أو الإمام ) لعموم ولايته ومع ذلك الأولى السيد لثبوت الخبر فيه فلم يراع مخالفه ( فإن تنازعا ) فيمن يتولاه ( فالأصح الإمام ) لعموم ولايته ( و ) الأصح ( أن السيد يغربه ) كما يجلده ؛ لأن التغريب من جملة الحد المذكور في الخبر ( و ) الأصح ( أن المكاتب ) كتابة صحيحة ( كحر ) فلا يحده إلا الإمام وإن عجز أخذا مما تقرر في ذمي زنى ثم حارب وأرق اعتبارا بحال الزنا ( و ) الأصح ( أن ) السيد ( الكافر والفاسق والمكاتب ) والجاهل العارف بما مر ( يحدون عبيدهم ) لعموم الخبر الثاني والأصح أن إقامته من السيد إنما هي بطريق الملك لغرض الاستصلاح كالفصد والحجامة ومن ثم حده بعلمه بخلاف القاضي .

[ ص: 117 ] والمسلم المملوك لكافر يحده الإمام كما مر دون سيده كما نقلاه وأقراه خلافا للأذرعي ؛ لأنه لا يقر ملكه عليه فلا استصلاح منه ونازع كثيرون في المكاتب وبنوا عليه أن من ملك قنا ببعضه الحر لا يحده لأنه ليس حرا كله والمعتمد ما ذكره في المكاتب والمبعض أولى منه ؛ لأن ملكه تام تجب فيه الزكاة وغيرها بخلاف ملك المكاتب ( و ) الأصح ( أن السيد يعزره ) لحق الله تعالى كما يحده وكون التعزير غير مضبوط بخلاف الحد لا يؤثر ؛ لأنه مجتهد فيه كالقاضي إما لحق نفسه فيجوز قطعا ( و ) أنه ( يسمع البينة ) وتزكيتها ( بالعقوبة ) المقتضية للحد أو التعزير أي بموجبها لملكه الغاية فالوسيلة أولى وقضيته أنه لا فرق هنا أيضا بين الكافر والمكاتب وغيرهما لكن بحث جمع اختصاص سماعها بالحر العدل العارف بصفات الشهود وشروطهم وأحكام العقوبة زاد بعضهم الذكورة وفيه نظر

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : ويحد الرقيق سيده ) قال الأستاذ البكري في الكنز ولو أنثى ، وهو أولى ؛ لأنه أستر ومنه يعلم أنه في غير الرجم فهو ظاهر انتهى وفيه دلالة على رجم الرقيق إذا زنى حال الرق فلينظر مع ما تقدم قبيل ، وأن الكامل الزاني إلا أن يبنى هذا على مخالفة ما تقدم أو يصور بما إذا زنى حال الكمال أيضا ثم حارب واسترق قبل الحد لكن هذا يخالف قول الشارح ولو زنى ذمي إلخ .

( قوله : ؛ لأنه لم يكن مملوكا يوم زناه وقوله الآتي ؛ لأنه كان مملوكا حال الزنا ) قد يؤخذ من ذلك أنه لو عتق الرقيق قبل الاستيفاء كان للسيد استيفاؤه فليراجع ( قوله : وغيره المماثل له ) قد يقال لكنه ملكه غيره ( قوله : [ ص: 117 ] لحق الله تعالى ) قال في شرح المنهج ولحق غيره



حاشية الشرواني

[ ص: 116 ] قوله : كقطع ) أي للسرقة أو قتل أي للردة والمحاربة ا هـ مغني ( قول المتن : سيده ) أي بنفسه أو نائبه ويستثنى من إطلاقه السفيه فلا يقيم الحد على رقيقه كما قاله الزركشي لخروجه عن أهلية الاستصلاح والولاية ا هـ مغني ( قول المتن : سيده ) ظاهره وإن كان الرقيق أصله أو فرعه بأن اشترى المكاتب أصله أو فرعه ع ش وحلبي ( قوله : ولو أنثى ) أي السيد .

( قوله : إن علم ) أي السيد شروطه وكيفيته أي وإن كان جاهلا بغيرها ا هـ نهاية ( قوله : فليحدها ) عبارة المغني فليجلدها ولعله رواية أخرى ( قوله : نعم المحجور ) أي من طفل أو سفيه أو مجنون ا هـ مغني ( قوله : واستشكله ) أي البحث ( قوله : ويسن له إلخ ) ويجب عليه أن يبين ذلك لمشتريها ا هـ .

( قوله : ثالثة ) أي مرة ثالثة ا هـ ع ش ( قوله : ثم أبيع ) الأولى حذف الهمزة إذ الإباعة كما في القاموس التعريض للبيع لا البيع بالفعل المراد هنا ( قوله : في تحليله من إحرامه ) أي إذا كان بلا إذن السيد وعدمه أي إذا كان بإذنه ( قوله : بخلاف الأول ) أي الذمي وقوله تلك أي مسألة الذمي وقوله بهذه أي مسألة العبد ا هـ ع ش ( قوله : وبهذا يتضح الفرق إلخ ) فيه توقف ( قوله : وحد الشركاء إلخ ) عطف على ما مر ( قوله : ويستنيبون إلخ ) أي أحدهم أو غيرهم ا هـ مغني ( قوله : وغيره المماثل له ) قد يقال لكنه ملك غيره ا هـ سم ( قوله : جواز استقلال إلخ ) خبر " وقضيته إلخ " ( قوله : بالنص والاجتهاد ) نشر على ترتيب اللف ( قوله : الضمان إلخ ) خبر " ومقتضى فرقهم " ( قوله : لعموم ولايته ) إلى قوله كما مر في المغني إلا قوله فلم يراع مخالفه ( قوله : ومع ذلك الأولى السيد ) كذا في النهاية وقال الرشيدي أي إذا لم ينازعه الإمام بقرينة ما بعده وصرح به في الروضة ا هـ .

( قوله : لثبوت الخبر فيه ) ؛ ولأنه أستر مغني وسم ( قول المتن : فإن تنازعا ) أي الإمام والسيد ا هـ مغني ( قوله : فيمن يتولاه ) أي حد الرقيق ( قول المتن : الإمام ) أي يحده الإمام الأعظم أو نائبه ا هـ مغني ( قول المتن : وأن السيد يغربه إلخ ) لا يخفى ما في عطفه على الإمام المفيد لتفرع تصحيحه على التنازع ( قوله : كما يجلده ) إلى قوله كما نقلاه في النهاية إلا قوله وإن عجز إلى المتن ( قوله : في الخبر ) أي خبر { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } .

( تنبيه ) : مؤنة تغريب الرقيق في بيت المال فإن فقد فعلى السيد وعليه مؤنته في زمن التغريب وقيل في بيت المال ا هـ مغني ( قوله : فلا يحده إلا الإمام ) أي لخروجه عن قبضة السيد بالكتابة الصحيحة أما المكاتب كتابة فاسدة فكالقن ا هـ مغني ( قوله : وإن عجز ) أي فرق قبل استيفاء الحد ا هـ مغني ( قول المتن : والمكاتب ) بفتح المثناة أي كتابة صحيحة أخذا مما قبله ا هـ ع ش ( قوله : بما مر ) أي من شروط الحد وكيفيته ( قول المتن : يحدون عبيدهم ) أي إذا لم ينازعهم الإمام وإلا فالإمام أولى ا هـ منهج ( قوله : لعموم الخبر الثاني ) أي { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } وقد يقال : إن الخبر الأول عام أيضا بالنسبة إلى المالك فلم قيد الخبر [ ص: 117 ] بالثاني ( قوله : والمسلم المملوك إلخ ) استثناء معنى من قول المصنف ، وأن الكافر إلخ ا هـ ع ش ( قوله : كما مر ) أي في شرح ويستوفيه الإمام إلخ

( قوله : كما نقلاه إلخ ) أي دون سيده ( قوله : خلافا للأذرعي ) راجع لقوله كما نقلاه وأقراه لا لما قبله عبارة المغني ومحل الخلاف في الكافر إذا كان عبده كافرا أما إذا كان مسلما فليس له إقامة الحد عليه بحال كما صرح به ابن كج وقال الأذرعي : إنه الأصح المختار ا هـ وبذلك ينحل توقف السيد عمر حيث قال بعد ذكر عبارة المغني ما نصه : قوله : وقال الأذرعي إلخ هذا يخالف ما في التحفة فليحرر فلعل في العبارة سقطا أو اختلف كلام الأذرعي ا هـ فإنه مبني على إرجاع قول الشارح خلافا إلخ إلى ما قبل قوله كما نقلاه إلخ ( قوله : لأنه لا يقر إلخ ) علة لقوله دون سيده ( قوله : في المكاتب ) أي في حده لمملوكه ( قوله : وبنوا عليه ) أي على النزاع ( قوله : ما ذكره ) أي المصنف في المكاتب من حده لمملوكه والمبعض أولى منه أي من المكاتب في حده لمملوكه ( قوله : لحق الله ) إلى قوله لكن بحث في النهاية والمغني ( قوله : لحق الله ) قال في شرح المنهج ولحق غيره ا هـ سم عبارة ع ش وبقي حق غيره كأن سب شخصا أو ضربه ضربا لا يوجب ضمانا وينبغي إلحاقه بحق الله تعالى فيعزره السيد على الأصح ا هـ ولعله لم يطلع على ما في المغني عبارته : " تنبيه " : محل الخلاف في حقوق الله تعالى أما حقوق نفسه وكذا حقوق غيره فيستوفيها قطعا ا هـ .

( قوله : لا يؤثر فيه ) أي في قياس التعزير على الحد ( قوله : لأنه ) أي السيد يجتهد فيه أي في التعزير ( قوله : وأنه يسمع البينة وتزكيتها إلخ ) ولا بد كما في الروضة وأصلها من علمه بصفات الشهود وأحكام الحدود ، وإن كان جاهلا بغيرها فلو سمع البينة بزناه عالما بأحكامها أو قضى بما شاهد من زناه جاز وخرج بكونه عالما بأحكام البينة ما لو لم يكن عالما بها فلا يسمعها لعدم أهليته لسماعها ا هـ مغني وروض مع شرحه ( قوله : المقتضية ) بكسر الضاد ( قوله : أي بموجبها ) بكسر الجيم أي ما يوجب الحد والتعزير والمراد بالغاية هنا الحد والتعزير ا هـ كردي والأولى أي ما يوجب العقوبة إلخ ( قوله : فالوسيلة ) أي البينة ع ش ومغني ( قوله : وقضيته إلخ ) عبارة المغني وقال الزركشي إطلاق المصنف السيد بعد ذكره الكافر والمكاتب يوهم طرد ذلك فيهم ، وهو ممنوع وقد صرح الرافعي وغيره باعتبار الأهلية في سماع البينة وعلى هذا فيخرج الفاسق والمكاتب ا هـ . وقال شيخي : المراد بأن يكون فيه أهلية سماع البينة أن يعرف أحكام الحدود وصفات الشهود وعلى هذا فيسمعها الفاسق وغيره ، وهو ظاهر كلام الشيخين ا هـ .

( قوله : وقضيته ) أي كلام المصنف ( قوله : أنه لا فرق إلخ ) ، وهو المعتمد ا هـ نهاية وتقدم عن المغني مثله ( قوله : هنا ) أي في سماع البينة أيضا أي كالحد ( قوله : وفيه نظر ) أي في البحث المذكور .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث