الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( كل شراب أسكر كثيره ) من خمر أو غيرها ومنه المتخذ من لبن الرمكة فإنه مسكر مائع كما مر بيانه في النجاسات ( حرم قليله ) وكثيره لخبر الصحيحين { كل شراب أسكر فهو حرام } وصح خبر { أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره } وخبر { ما أسكر كثيره قليله حرام } وخبر { الخمر من هاتين العنبة والنخلة } وروى مسلم { كل مسكر خمر وكل خمر حرام } وفي أحاديث ضعيفة ما يخالف ذلك فلا يعول عليه كتأويل بعض تلك الأحاديث بما ينبو عنه ظاهرها من غير دليل ( وحد شاربه ) وإن لم يسكر أي متعاطيه لما يأتي أن الحد لا يتوقف على الشرب وإن اعتقد إباحته لضعف أدلته ولأن العبرة في الحدود بمذهب القاضي لا المتداعيين

وقول الزركشي فيمن لا يسكر بشرب الخمر أن الحرمة من حيث النجاسة لا الإسكار ففي الحد عليه نظر لانتفاء العلة وهي الإسكار عجيب وغفلة عن وجوب الحد في القليل الذي لا يتصور منه إسكار فمعنى كونه علة أنه مظنة له [ ص: 168 ] وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات فلا حد فيها وإن حرمت وأسكرت على ما مر أول النجاسة بل التعزير لانتفاء الشدة المطربة عنها ككثير البتح والزعفران والعنبر والجوزة والحشيشة المعروفة ، وحدوثها كان أوائل المائة السابعة حين ظهرت دولة التتار التي لم تقع في العالم فتنة أفظع ولا أذهب للنفوس منها ، ولا حد بمذابها الذي ليس فيه شدة مطربة بخلاف جامد الخمر نظرا لأصلهما بل التعزير الزاجر له عن هذه المعصية الدنيئة

ومما يتأكد المبالغة في الزجر عنه وإذاعة أنه من الكبائر بل من أقبحها ما حدث الآن من استعمال كثير من السفهاء له من نبت يسمى القبيسي يوجد بنحو جبال مكة فإنه أسوأ المخدرات ؛ لأن قليله يؤدي إلى مسخ البدن والعقل وزواله عن جميع اعتدالاته وكثيره قاتل فورا فهو أبلغ من الأفيون في السمية ، وقبل الآن من مركب يسمى البرش ونحوه وهو أيضا ماسخ للبدن والعقل ولا حجة لمستعملي ذلك في قولهم إن تركنا له يؤدي للقتل فصار واجبا علينا ؛ لأنه يجب عليهم التدرج في تنقيصه شيئا فشيئا ؛ لأنه مذهب لشغف الكبد به شيئا فشيئا إلى أن لا يضره فقده كما أجمع عليه من رأيناهم من أفاضل الأطباء فمتى لم يسعوا في ذلك التدريج فهم فسقة آثمون لا عذر لهم ولا لأحد في إطعامهم إلا قدر ما يحيي نفوسهم لو فرض فوتها بفقده وحينئذ يجب على من رأى فاقده وخشي عليه ذلك إطعامه ما يحيا به لا غير كإساغة اللقمة بالخمر الآتية ويحرم شرب ما ذكر ويحد شاربه ( إلا صبيا ومجنونا ) لرفع القلم عنهما لكن ينبغي تعزير المميز على قياس ما مر ( وحربيا ) أو معاهدا لعدم التزامه ( وذميا ) ؛ لأنه لم يلتزم بالذمة مما لا يعتقده إلا ما يتعلق بالآدميين ( وموجرا ) مسكرا مقهرا إذ لا صنع له ( وكذا مكره على شربها على المذهب ) لرفع القلم عنه ويلزمه ككل آكل أو شارب حرام تقيؤه إن أطاقه كما في المجموع وغيره ولا نظر إلى عذره وإن لزمه التناول ؛ لأن استدامته في الباطن انتفاع به وهو محرم وإن حل ابتداؤه ولزوال سببه فاندفع استبعاد الأذرعي لذلك وأخذ غيره بمقتضى استبعاده ، وعلى نحو السكران إذا شرب مسكرا حد واحد ما لم يحد قبل شربه فيحد ثانيا .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله وإن اعتقد إباحته ) قد يشكل بعدم حد الجاهل بالحرمة الآتي بجامع أن هذا معذور باعتقاده الحل تقليدا لمن يجوز تقليده كما أن ذاك معذور بجهله وضعف أدلة هذا لا يقصر عن انتفاء أدلة ذاك رأسا إلا أن يفرق بأن الجاهل غافل عن المعارض لاعتقاده وهو القول بالتحريم وأدلته فهو أبعد عن المخالفة وصورة المعاندة ( قوله وقول الزركشي فيمن لا يسكر بشرب الخمر أن الحرمة من حيث النجاسة لا الإسكار ففي الحد عليه نظر لانتفاء العلة وهي الإسكار عجيب وغفلة إلخ ) قد يقول الزركشي الإسكار [ ص: 168 ] ولو باعتبار المظنة منتف عن هذا وقد يورد عليه حينئذ أنه يكفي في المظنة ملاحظة جنس الشارب أو المشروب .



حاشية الشرواني

( قوله من خمر ) إلى قوله كما مر في النهاية ( قوله أو غيرها ) من نقيع التمر والزبيب وغيرهما ا هـ مغني ( قوله ومنه ) أي من الغير ( قوله من لبن الرمكة ) أي الفرس في أول نتاجها ا هـ ع ش ( قوله وكثيره ) إلى قوله كتأويل في المغني إلا الحديث الرابع ( قوله وروى مسلم { كل مسكر خمر } إلخ ) هذا قياس منطقي إذا حذف منه الحد الأوسط وهو المكرر الذي هو الخمر الواقع محمولا للصغرى وموضوعا للكبرى أنتج كل مسكر حرام ا هـ رشيدي ( قوله وفي أحاديث إلخ ) عبارة المغني وخالف أبو حنيفة في القدر الذي لا يسكر من نقيع التمر والزبيب وغيره واستند بأحاديث معلولة بين الحفاظ وأيضا أحاديث التحريم متأخرة فوجب العمل بها ا هـ .

( قوله وإن لم يسكر ) إلى قوله ولأن العبرة في المغني إلا قوله لما يأتي إلى وإن اعتقد وإلى قوله ومما تتأكد في النهاية إلا قوله لما يأتي إلى وإن اعتقد وقوله وإن حرمت إلى بل التعزير وقوله وحدوثها إلى ولا حد .

( قوله وإن لم يسكر ) أي : حسما لمادة الفساد كما حرم تقبيل الأجنبية والخلوة بها لإفضائه إلى الوطء المحرم ولحديث رواه الحاكم { من شرب الخمر فاجلدوه } وقيس به شرب النبيذ ا هـ مغني ( قوله لم يسكر ) ببناء الفاعل من السكر ( قوله أي : متعاطيه ) تفسير لشاربه عبارة المغني والمراد بالشارب المتعاطي شربا كان أو غيره وسواء فيه المتفق على تحريمه والمختلف فيه وسواء جامده ومائعه مطبوخه ونيئه وسواء تناوله معتقدا تحريمه أم إباحته على المذهب ا هـ .

( قوله لما يأتي إلخ ) أي : بقوله الآتي آنفا بخلاف جامد الخمر وبقوله الآتي في شرح ويحد بدردي إلخ وكذا بثخينها إذا أكله ( قوله وإن اعتقد إلخ ) عطف على وإن لم يسكر ( قوله وقول الزركشي إلخ ) عبارة المغني ولو فرض شخص لا يسكره شرب الخمر حرم شربه للنجاسة لا للإسكار ويحد أيضا كما قاله الدميري وغيره حسما للباب ا هـ .

( قوله عجيب إلخ ) قد يقول [ ص: 168 ] الزركشي الإسكار ولو باعتبار المظنة منتف عن هذا وقد يورد عليه حينئذ أنه يكفي في المظنة ملاحظة جنس الشارب أو المشروب سم على حج ا هـ ع ش ( قوله وخرج ) إلى قوله ومما تتأكد في المغني ( قوله وخرج بالشراب ما حرم إلخ ) أي : وبأسكر غير المسكر ولكن يكره من غير المسكر المنتصف وهو ما يعمل من تمر ورطب والخليط وهو ما يعمل من بسر ورطب ؛ لأن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس بمسكر ويكون مسكرا مغني وأسنى ( قوله ككثير البنج إلخ ) المراد بالكثير منها ما يغيب العقل بالنظر لغالب الناس وإن لم يؤثر في المتناول له لاعتياد تناوله ا هـ ع ش ( قوله والحشيشة إلخ ) ولا تبطل بحملها الصلاة ا هـ مغني ( قوله أوائل المائة السابعة ) عبارة المغني وقال ابن تيمية إن الحشيشة أول ما ظهرت آخر المائة السادسة من الهجرة ا هـ .

( قوله ولا حد بمذابها ) أي : المذكورات محله ما لم تشتد بحيث تقذف بالزبد وتطرب وإلا صارت كالخمر في النجاسة والحد كالخبز إذا أذيب وصار كذلك بل أولى أي : الخبز وفاقا للطبلاوي وللرملي ثانيا سم على المنهج ا هـ ع ش ( قوله لأصلهما ) أي : جامد الخمر ومذاب المذكورات .

( قوله بل التعزير ) أي : بل فيها التعزير ما لم يصر إلى حالة تلجئه إلى استعمال ذلك بحيث لو تركه أصابه ما يبيح التيمم ، نعم يجب عليه السعي في إزالة الاحتياج إليه إما باستعمال ضده أو تقليله إلى أن يصير لا يضره تركه ا هـ ع ش ( قوله وإذاعة إلخ ) عطف على المبالغة ( قوله الآن ) الأسبك ذكره قبيل منه نبت إلخ وقوله من استعمال إلخ من فيه زائدة واستعمال فاعل حدث ( قوله وزواله ) عطف تفسير على مسخ والضمير لكل من البدن والعقل ( قوله وكثيره قاتل ) عطف على اسم إن وخبره ( قوله ونحوه ) عطف على مركب ( قوله وهو ) أي المركب المسمى بالبرش ( قوله لمستعملي ذلك ) راجع لكثير البنج والزعفران إلخ أيضا ( قوله تركنا ) اسم إن ( قوله فصار ) أي : استعمال ذلك ( قوله ؛ لأنه يجب إلخ ) علة لعدم الحجة ( قوله ؛ لأنه مذهب إلخ ) أي : التدرج في ذلك ( قوله كما أجمع عليه ) أي : إذهاب التدرج لذلك ( قوله ولا لأحد إلخ ) عطف على لهم ( قوله إلا قدر ما يحيي إلخ ) أي : من المحذورات المذكورة ( قوله ذلك ) أي فوت نفسه .

( قوله إطعامه ) فاعل يجب ( قوله ويحرم ) إلى قول المتن ومن غص في النهاية إلا قوله لكن ينبغي إلى المتن ( قوله ويحرم شرب إلخ ) إشارة إلى أن قول المصنف إلا صبيا إلخ مستثنى من التحريم ووجوب الحد عبارة المغني وظاهر قوله إلا صبيا إلخ أنه مستثنى من التحريم ووجوب الحد لكن الأصحاب إنما ذكروه في الحد ا هـ ( قوله على قياس ما مر ) أي في السارق ( قوله أو معاهدا ) أي : أو مؤمنا كما فهم بالأولى ا هـ ع ش ( قوله ؛ لأنه لا يلتزم ) إلى قوله كما في المجموع في المغني إلا قوله ككل آكل أو شارب حرام ( قوله مسكرا قهرا ) عبارة المغني أي : مصبوبا في حلقه قهرا ا هـ .

( قول المتن على شربها ) وفي النهاية والمغني على شربه ا هـ أي : المسكر ( قوله ويلزمه ) أي : المكره كل آكل بلا تنوين ( قوله ولا نظر إلى عذره ) الأسبك تأخيره عن الغاية ( قوله وإن لزمه التناول ) أي : كالمضطر ا هـ ع ش ( قوله لذلك ) أي : لزوم التقيؤ ( قوله وعلى نحو السكران إلخ ) عبارة المغني ومن حد ثم شرب المسكر حال سكره في الشرب الأول حد ثانيا ا هـ .

( قوله فيحد ثانيا ) أي : حال صحوه أخذا مما يأتي أنه لا يحد حال سكره ا هـ بجيرمي عن ع ش . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث