الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( ويحد بدردي خمر ) أو مسكر آخر وهو ما يبقى آخر إنائها لأنه منها وكذا بثخينها إذا أكله ( لا بخبز عجن دقيقه بها ) ؛ لأن عينها اضمحلت بالنار ولم يبق إلا أثرها وهو النجاسة ( ومعجون هي فيه ) وماء فيه بعضها والماء غالب بصفاته لاستهلاكها ( وكذا حقنة وسعوط ) بفتح السين لا يحد بهما ( في الأصح ) وإن حصل منهما إسكار ؛ لأن الحد للزجر ولا حاجة إليه هنا إذ لا تدعو إليه النفس وبه فارق إفطار الصائم بهما ؛ لأن المدار ثم على وصول عين للجوف ( ومن غص ) بفتح أوله المعجم كما بخطه ويجوز ضمه ( بلقمة ) وخاف الهلاك منها إن لم تنزل إلى الجوف ولم يمكنه إخراجها كما هو ظاهر وظاهر أيضا أن خصوص الهلاك شرط للوجوب الآتي لا لمجرد الإباحة أخذا من حصول الإكراه المبيح لها بنحو ضرب شديد على أنه قد يؤخذ مما يأتي في المضطر من إلحاق نحو الهلاك به في الوجوب ثم إلحاقه به فيه هنا ( أساغها ) وجوبا ( بخمر إن لم يجد غيرها ) إنقاذا للنفس من الهلاك ولا حد ، وللقطع بالسلامة بالإساغة [ ص: 170 ] فارقت عدم وجوب التداوي ( والأصح تحريمها ) صرفا ( لدواء ) لمكلف أو صبي أو مجنون لخبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم { قال لمن سأله أنه يصنعها للدواء أنه ليس بدواء ولكنه داء } وصح خبر { إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها } وما دل عليه القرآن أن فيها منافع إنما هو قبل تحريمها ، أما مستهلكة مع دواء آخر فيجوز التداوي بها كصرف بقية النجاسات إن عرف أو أخبره عدل طب بنفعها وتعينها بأن لا يغني عنها طاهر ويظهر في متنجس بخمر ونجس غيره أنه يجب تقديم هذا ولو احتيج في نحو قطع يد متآكلة إلى زوال عقله جاز بغير مسكر مائع ( و ) جوع و ( عطش ) لمن ذكر ولو لبهيمة ؛ لأنها لا تزيله بل تزيده حرا لحرارتها ويبوستها وظاهر كلامهم امتناعها للعطش وإن أشرف على التلف وهو بعيد ولا يبعد جوازها حينئذ للضرورة ثم رأيت الزركشي نقله عن الإمام عن إجماع الأصحاب ومع تحريمها للدواء والعطش لا حد بها وإن وجد غيرها على المعتمد للشبهة وإن قيل الأصح مذهبا الحد .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله إن خصوص الهلاك شرط للوجوب ) قضية هذا عدم الوجوب إذا خاف تلف عضو أو منفعة عضو فليراجع ثم رأيت العلاوة المذكورة ( قوله إن لم يجد غيرها ) ينبغي أن لا حد وإن [ ص: 170 ] وجد غيرها كما لا يحد بشربها للتداوي وإن وجد غيرها كما سيأتي بل أولى .

( قوله جاز بغير مسكر ) انظر لو لم يوجد إلا المسكر المائع ( قوله ولا يبعد جوازها حينئذ ) هو الوجه ويؤخذ منه أن الصغير لو شم رائحتها وخيف عليه منها إن لم يسق منها كأن أخبر طبيب مسلم عدل بذلك أنه يجوز أن يسقى منها ما يدفع عنه الضرر م ر ( قوله أيضا ولا يبعد جوازها حينئذ للضرورة ) عبارته في غير هذا الكتاب ما لم ينته الأمر إلى الهلاك [ ص: 171 ] وإلا وجب ، نقله الإمام عن إجماع الأصحاب .



حاشية الشرواني

( قول المتن لا بخبز عجن إلخ ) ولا بأكل لحم طبخ بها بخلاف مرقه إذا شربه أو غمس فيه أو ثرد به فإنه يحد لبقاء عينها مغني وروض مع شرحه ( قوله وماء فيه بعضها ) الظاهر أن الماء مثال فمثله سائر المائعات ا هـ ع ش ( قوله والماء غالب بصفاته ) أي : بأن لا يبقى للمسكر طعم ولا لون ولا ريح ا هـ حلبي ( قول المتن وكذا حقنة ) أي : بأن أدخلها دبره وسعوط أي بأن أدخلها أنفه ا هـ مغني ( قوله بفتح السين ) قياسه الضم كالقعود فإن المراد به المصدر ا هـ بجيرمي ( قوله ولا حاجة إليه ) أي الزجر هنا أي : في الحقنة والسعوط وقوله إذ لا تدعو إليه أي : المذكور من الحقنة والسعوط ( قوله وبه فارق إلخ ) أي بالتعليل المذكور .

( قوله بفتح أوله ) إلى قوله على أنه قد يؤخذ في النهاية ( قوله ويجوز ضمه ) أي : وهذا وإن كان أصله لازما لكنه لما عدي بحرف الجر جاز بناؤه للمفعول وفي المصباح غصصت بالطعام غصصا من باب تعب ومن باب قتل لغة ، والغصة بالضم ما غص به الإنسان من طعام ا هـ وهو صريح في أن الماضي غص بالفتح لا غير وأن في المضارع لغتين ا هـ ع ش عبارة المغني وحكي ضمها والفتح أجود قاله ابن الصلاح والمصنف في تهذيبه ا هـ وقوله وهو صريح في أن الماضي إلخ فيه نظر ظاهر فإن تعب من الباب الرابع فكلام المصباح يفيد أن في ماضيه لغتين أيضا ( قوله إن خصوص الهلاك شرط للوجوب ) قضية هذا عدم الوجوب إذا خاف تلف عضو أو منفعة عضو فليراجع ثم رأيت العلاوة المذكورة ا هـ سم ( قوله مما يأتي في المضطر ) أي : في كتاب الأطعمة ( قوله به ) أي بالهلاك .

( قوله ثم ) أي في المضطر ( قوله إلحاقه به فيه هنا ) أي : إلحاق نحو الهلاك بالهلاك في الوجوب في الغصص باللقمة ( قوله وجوبا ) إلى قوله ولا حد في النهاية وإلى قوله وللزركشي في المغني إلا قوله أو صبي أو مجنون وقوله ويظهر إلى ولو احتيج وقوله لمن ذكر وخاف الهلاك منها ( قوله إنقاذا للنفس إلخ ) وعلى هذا لو [ ص: 170 ] مات بشربه مات شهيدا لجواز تناوله له بل وجوبه بخلاف ما لو شربه تعديا وغص منه ومات فإنه يموت عاصيا لتعديه بشربه ا هـ ع ش ( قوله فارقت ) أي : الإساغة أي : وجوبها ( قوله صرفا ) أي : أما غير الصرف ففيه تفصيل ستأتي الإشارة إليه ا هـ رشيدي ( قوله أنه ) أي : المصنوع وهو الخمر ( قوله ليس بدواء إلخ ) والمغنى أن الله تعالى سلب الخمر منافعها عندما حرمها ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم لم يجعل شفاء أمتي إلخ وهو محمول على الخمر ا هـ مغني ( قوله إنما هو قبل تحريمها ) وإن سلم بقاء المنفعة فتحريمها مقطوع به وحصول الشفاء بها مظنون فلا يقوى على إزالة المقطوع ا هـ مغني ( قوله إنما هو إلخ ) قد يقال هذا ينافيه ظاهر الآية حيث قرنت المنافع فيها بالإثم الذي هو ثمرة التحريم ا هـ رشيدي ( قوله أما مستهلكة ) إلى قوله وإن قيل في النهاية إلا قوله ويظهر إلى ولو احتيج وقوله لمن ذكر .

( قوله فيجوز التداوي بها ) وإذا سكر مما شربه لتداو أو عطش أو إساغة لقمة قضى ما فاته من الصلوات كما صرح به الإرشاد ولأنه تعمد الشرب لمصلحة نفسه بخلاف الجاهل كونها خمرا فلا يلزمه قضاء الصلوات الفائتة مدة السكر كما صرح به الروض .

( فرع ) شم صغير رائحة الخمر وخيف عليه إذا لم يسق منها هل يجوز سقيه ما يدفع عنه الضرر قال م ر إن خيف عليه الهلاك أو مرض يفضي إلى الهلاك جاز وإلا لم يجز وإن خيف مرض لا يفضي إلى الهلاك ا هـ سم على المنهج ، أقول لو قيل يكفي مجرد مرض تحصل معه مشقة ولا سيما إن غلب امتداد بالطفل لم يكن بعيدا ا هـ ع ش ( قوله كصرف بقية النجاسات ) كلحم حية وبول ولو كان التداوي بذلك لتعجيل شفاء مغني وروض مع شرحه ( قوله إن عرف ) أي بالطب ولو فاسقا ا هـ ع ش عبارة المغني والروض بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك أو معرفته للتداوي به ا هـ والشروط المذكورة راجعة لكل من المشبه والمشبه به كما هو صريح صنيع الروض والمغني ( قوله وتعينها ) عطف على نفعها ( قوله تقديم هذا ) أي النجس الآخر ( قوله في نحو قطع يد متآكلة إلخ ) عبارة النهاية لقطع نحو سلعة ويد متآكلة إلخ قال ع ش وهل من ذلك ما يقع لمن أخذ بكرا وتعذر عليه افتضاضها إلا بإطعامها ما يغيب عقلها من نحو بنج أو حشيش فيه نظر ولا يبعد أنه مثله ؛ لأنه وسيلة إلى تمكن الزوج من الوصول إلى حقه ومعلوم أن محل جواز وطئها ما لم يحصل به لها أذى لا يحتمل مثله في إزالة البكارة ا هـ .

( قوله بغير مسكر إلخ ) انظر لو لم يجد إلا المسكر المائع سم على حج والظاهر عدم جوازه في هذه الحالة قياسا على ما لو تعينت الخمرة الصرفة للتداوي بها ا هـ ع ش عبارة السيد عمر قال المغني وينبغي أنه إن لم يجد غيره أو لم يزل عقله إلا به جوازه ويقدم النبيذ على الخمر ؛ لأنه مختلف في حرمته ا هـ وقوله وينبغي إلخ إن كان بإطلاقه يشكل بمنع التداوي بها وإن كان محله إذا أشرف على الهلاك لو لم يقطع المتآكلة فليس ببعيد أخذا مما يأتي في مسألة العطش ويمكن إبقاؤه على إطلاقه ويفرق بتحقق النفع هنا وهو زوال العقل بخلاف التداوي ا هـ ( قوله لمن ذكر ) أي المكلف والصبي والمجنون ( قوله بل تزيده حرا إلخ ) ولهذا يحرص شاربها على الماء البارد قال القاضي أبو الطيب سألت أهل المعرفة بها فقال تروي في الحال ثم تثير عطشا شديدا ا هـ مغني .

( قوله وظاهر كلامهم إلخ ) عبارة النهاية ولو أشرف على الهلاك من عطش جاز له شربها كما نقله الإمام إلخ وعبارة المغني ومحله في شاربها للعطش إذا لم ينته الأمر به إلى الهلاك وإن انتهى به إلى ذلك وجب عليه تناولها كتناول الميتة للمضطر كما نقله الإمام إلخ وفي سم عن الشارح في غير هذا الكتاب مثلها ( قوله ولا يبعد جوازها إلخ ) ظاهر صنيعهم أن الجوع كالعطش في الجواز في تلك الحالة فليراجع ثم رأيت : قال السيد عمر ما نصه ينبغي أنه لو أشرف على التلف لجوع ولم يجد غيرها أن تجوز أيضا بالأولى ؛ لأن نفعها في دفع الجوع والتغذية لا ينكر ا هـ .

( قوله للدواء والعطش ) أي : والجوع ( قوله للشبهة ) عبارة المغني [ ص: 171 ] لشبهة قصد التداوي ومثله شربها للعطش ا هـ أي : أو الجوع . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث