الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


و " السالمية " حلولية في الذات والصفات والقائلون بأن الحروف والأصوات القديمة حلت في الناس : حلولية في الصفات دون الذات . [ ص: 311 ] ومن هؤلاء من يقول أيضا : إن صفة العبد التي هي إيمانه قديم ; ومن هؤلاء من عدى ذلك إلى أقواله دون أفعاله ومنهم من قال : بل وأفعاله المأمور بها قديمة دون المنهي عنها ومنهم من توقف في المنهي عنها ومنهم من قال : بل جميع أفعال العباد قديمة : الخير والشر ; لأن ذلك شرع وقدر والشرع والقدر قديم ; ولم يفرق بين شرع الرب ومشروعه وبين قدره ومقدوره وهؤلاء يقولون : أفعال العباد قديمة ليست هي الحركات بل هي ما تنتجه الحركات ; كالذي يأتي يوم القيامة وهو ثواب أعمالهم . وقد صرح الأئمة - أحمد بن حنبل وغيره - : بأن ذلك كله مخلوق فهؤلاء أسرفوا في القول بقدم الأفعال لطرد قولهم في الإيمان . و " طائفة أخرى " قالوا : إذا كانت هذه الحروف التي هي أصوات مسموعة من العبد قديمة فكل الحروف المسموعة قديمة ; فقالوا : كلام الآدميين كله قديم إلا التأليف ومنهم من قال : والأصوات كلها قديمة حتى أصوات البهائم وحتى ما يخرج من بني آدم .

وقالوا أيضا : حركات اللسان بالقرآن قديمة وحركة البنان بكتابة القرآن قديمة . ومن هؤلاء من قال : " المداد " مخلوق ولكن شكل الحروف قديم ومنهم من توقف في المداد وقال : نسكت عنه وإن كان مخلوقا لكن لا يقال : إنه مخلوق ومنهم من قال : بل المداد قديم . ومن هؤلاء وغيرهم من قال بأن " أرواح العباد قديمة " فصاروا يقولون : [ ص: 312 ] روح العبد محدثة وكلامه قديم وصفاته القائمة به من إيمانه قديمة وإخوانهم يصرحون بأن أفعاله قديمة وهذا أعظم مما يوصف به الرب ; فإنه سبحانه قديم أزلي : وأما أفعاله فحادثة شيئا بعد شيء وكذلك كلامه لم يزل متكلما بمشيئته شيئا بعد شيء . وهؤلاء يقولون بقدم روح العبد وبقدم النور - نور الشمس والقمر ونور السراج ; وكل نور - فهؤلاء قولهم : بقدم أرواح العباد والأنوار : ضاهوا فيه قول المجوس " والفلاسفة الصابئين " الذين يشبهون المجوس ; فإن من الصابئين من يشبه المجوس كذلك قال الحسن البصري وغيره قالوا عن الصابئين : إنهم مثل المجوس . وهؤلاء صنف من الصابئين المشركين ليسوا في الصابئين الممدوحين في القرآن . والمقصود أن قول هؤلاء بقدم أرواح العباد و " نفوسهم " التي تفارق أبدانهم . من جنس قول الذين قالوا بقدم النفس كما تقدم لكن هؤلاء يجعلونها من الله ; إذ كان لا قديم عندهم إلا الله وصفاته وقولهم بقدم النور من جنس قول المجوس .

لكن النور أيضا عندهم من صفات الله . وهذه الأقوال بقدم روح العبد ; أو أقواله ; أو أفعاله ; أو أصواته ; أو قدم نور الشمس والقمر ونحو ذلك . كلها فروع على ذلك الأصل فإن " السلف " قالوا : القرآن كلام الله غير مخلوق . وظن طائفة أن مقصودهم أنه قديم لم يزل والقرآن حروف وأصوات فيكون قديما ; وهذا المسموع هو القرآن [ ص: 313 ] وليس إلا أصوات العباد بالقرآن فتكون قديمة ثم احتاجوا عند البحث إلى طرد أقوالهم . وكذلك في " الإيمان " لم يقل قط أحد من السلف - لا أحمد بن حنبل ولا غيره - إن شيئا من صفات العباد غير مخلوق ولا قديم ولا قالوا عن القرآن : قديم لكن أنكروا على من أطلق القول على " لفظ القرآن أو الإيمان " بأنه مخلوق ; فجاء هؤلاء ففهموا من كونه غير مخلوق أنه قديم وظنوا أنه إذا أنكر على من أطلق القول بأنه مخلوق يجيز أن يقال : إنه غير مخلوق وإنه قديم فقالوا : لفظ العبد وصوته قديم وإيمانه قديم .

ثم طردوا أقوالهم إلى ما ذكرناه وهذه الأمور قد بسط القول فيها في مواضع في عدة مسائل ; سأل عنها السائلون وأجيبوا في ذلك بأجوبة مبسوطة ليس هذا موضعها ; إذ المقصود : التنبيه على ما يحدث عن الأصل المبتدع . وأصل هذا كله حجة الجهمية على حدوث الأجسام : بأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فما يقوم به الكلام باختياره أو بمشيئته ولم يزل كذلك يجب أن يكون حادثا ; فلزمهم نفي كلام الرب وفعله بل وتعطيل ذاته ثم آل الأمر إلى جعل المخلوق قديما وتعطيل صفات الرب القديمة ; بل وذاته والله أعلم . وأصحاب هذا الأصل القائلون " بالجوهر الفرد " يقولون : إن نفس الأعيان التي في بدن الإنسان وغيره هي متقدمة الوجود لا يعلم حدوثها [ ص: 314 ] إلا بالدليل وهو الدليل على حدوث الأجسام وأنها لم تخل من الأعراض ويقولون : المعلوم بالمشاهدة حدوث التأليف فقط كما يقوله أولئك في كلام العبد وأن المحدث هو تأليف الحروف فقط .

والقائلون " بوحدة الوجود " يقولون نفس وجود العبد هو نفس وجود الرب وكل هذه الأقوال قد باشرت أصحابها - وهم من أعيان الناس - وجرى بيني وبينهم في ذلك ما يطول وصفه وهدى الله ما شاء الله من الخلق فانظر كيف اضطرب الناس في أنفسهم التي قيل لهم : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } . والمتفلسفة يقولون : مادة بدن الإنسان وسائر المواد قديمة أزلية وهذه الأقوال فيها مضاهاة لقول فرعون من بعض الوجوه وأصحاب " الوحدة " يصرحون بتعظيم فرعون وأنه صدق في قوله : { أنا ربكم الأعلى } ففي تثنية الله لقصة فرعون في القرآن عبرة ; فإن الناس محتاجون إلى الاعتبار بها كما قال : { فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث