الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 230 ] وقد استدل " أئمة السنة " كأحمد وغيره على أن " كلام الله غير مخلوق " بأنه استعاذ به فقال : " { من نزل منزلا فقال : أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل منه } . " فكذلك معافاته ورضاه غير مخلوقة لأنه استعاذ بهما والعافية القائمة ببدن العبد مخلوقة فإنها نتيجة معافاته . وإذا كان " الخلق فعله " والمخلوق مفعوله " وقد خلق الخلق بمشيئته دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته ويمتنع قيامه بغيره فدل على أن أفعاله قائمة بذاته مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته . وقد حكى البخاري إجماع العلماء على الفرق بين الخلق والمخلوق وعلى هذا يدل " صريح المعقول " .

                فإنه قد ثبت بالأدلة " العقلية والسمعية " أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وأن الله انفرد بالقدم والأزلية ; وقد قال تعالى : { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام } فهو حين خلق السموات ابتداء ; إما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقا للسموات والأرض وإما أن لا يحصل منه فعل ; بل وجدت المخلوقات بلا فعل ومعلوم أنه إذا كان الخالق قبل خلقها ومع خلقها سواء وبعده سواء لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت بلا سبب يوجب التخصيص . و " أيضا " فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع في بداية العقل وإذا قيل : الإرادة والقدرة خصصت . قيل : نسبة الإرادة القديمة إلى جميع الأوقات سواء ; وأيضا فلا تعقل إرادة تخصيص أحد المتماثلين إلا بسبب يوجب [ ص: 231 ] التخصيص ; " وأيضا " فلا بد عند وجود المراد من سبب يقتضي حدوثه وإلا فلو كان مجرد ما تقدم من الإرادة والقدرة كافيا ; للزم وجوده قبل ذلك لأنه مع الإرادة التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور .

                وقد احتج من قال : " الخلق " هو المخلوق - كأبي الحسن ومن اتبعه مثل ابن عقيل - بأن قالوا : لو كان غيره لكان إما قديما وإما حادثا فإن كان قديما لزم قدم المخلوق لأنهما متضايفان ; وإن كان حادثا لزم أن تقوم به الحوادث ثم ذلك المخلوق يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل . فأجابهم " الجمهور " - وكل طائفة على أصلها - فطائفة قالت : الخلق قديم وإن كان المخلوق حادثا كما يقول ذلك كثير من أهل المذاهب الأربعة وعليه أكثر الحنفية ; قال هؤلاء : أنتم تسلمون لنا أن الإرادة قديمة أزلية ; والمراد محدث فنحن نقول في الخلق ما قلتم في الإرادة . وقالت " طائفة " : بل الخلق حادث في ذاته ولا يفتقر إلى خلق آخر ; بل يحدث بقدرته . وأنتم تقولون : إن المخلوق يحصل بقدرته بعد أن لم يكن فإن كان المنفصل يحصل بمجرد القدرة فالمتصل به أولى وهذا جواب كثير من الكرامية والهشامية وغيرهم . و " طائفة " يقولون : هب أنه يفتقر إلى فعل قبله فلم قلتم : إن ذلك ممتنع ؟ وقولكم : هذا تسلسل .

                فيقال : ليس هذا تسلسلا في الفاعلين والعلل [ ص: 232 ] الفاعلة ; فإن هذا ممتنع باتفاق العقلاء ; بل هو تسلسل في الآثار والأفعال وهو حصول شيء بعد شيء وهذا محل النزاع . " فالسلف " يقولون : لم يزل متكلما إذا شاء ; وقد قال تعالى : { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا } . فكلمات الله لا نهاية لها وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل فإن نعيم الجنة دائم لا نفاد له فما من شيء إلا وبعده شيء لا نهاية له .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية