الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
. قال ( ثم إذا استوى قائما كبر وسجد ) أما التكبير والسجود فلما بينا ، وأما الاستواء قائما فليس بفرض ، وكذا الجلسة بين السجدتين والطمأنينة في الركوع والسجود ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله .

قال أبو يوسف رحمه الله : يفترض ذلك كله وهو قول الشافعي رحمه الله لقوله عليه الصلاة والسلام { قم فصل فإنك لم تصل } قاله لأعرابي حين أخف الصلاة .

[ ص: 301 ] ولهما أن الركوع هو الانحناء والسجود هو الانخفاض لغة ، فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما ، وكذا في الانتقال إذ هو غير مقصود .

وفي آخر ما روي تسميته إياه صلاة حيث قال : وما نقصت من هذا شيئا فقد نقصت من صلاتك ، ثم القومة والجلسة [ ص: 302 ] سنة عندهما ، وكذا الطمأنينة في تخريج الجرجاني .

وفي تخريج الكرخي واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها ساهيا عنده

التالي السابق


( قوله لقوله صلى الله عليه وسلم قم فصل إلخ ) في الصحيحين { أن أعرابيا دخل المسجد فصلى ركعتين ، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ارجع فصل فإنك لم تصل ، فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : ارجع فصل فإنك لم تصل ، فقال له في الثالثة : والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى [ ص: 301 ] تطمئن جالسا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها حتى تقضيها } واسم الأعرابي خلاد بن رافع رضي الله عنه ( قوله ولهما أن الركوع ) يعني الركوع هو المطلوب بالنص جزءا للصلاة ، وكذا السجود بقوله تعالى { اركعوا واسجدوا } .

ولا إجمال فيهما ليفتقر إلى البيان ، ومسماهما يتحقق بمجرد الانحناء ووضع بعض الوجه مما لا يعد سخرية مع الاستقبال فخرج الذقن والخد ، والطمأنينة دوام على الفعل لا نفسه فهو غير المطلوب به ، فوجب أن لا تتوقف الصحة عليها بخبر الواحد وإلا كان نسخا لإطلاق القاطع به ، وهو ممنوع عندنا مع أن الخبر يفيد عدم توقف الصحة عليه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم { وما انتقصت من هذا شيئا فقد انتقصت من صلاتك } .

أخرج هذه الزيادة أبو داود والترمذي والنسائي في حديث المسيء صلاته ، فأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه والترمذي عن رفاعة بن رافع قال فيه { فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك ، وإن انتقصت شيئا انتقصت من صلاتك } وقال حديث حسن .

وجه الاستدلال على رأي المصنف تسميتها صلاة والباطلة ليست صلاة ، وعلى رأي غيره وصفها بالنقص ، والباطلة إنما توصف بالانعدام ، فعلم أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمره بإعادتها ليوقعها على غير كراهة لا للفساد ، ومما يدل عليه لو لم تكن هذه الزيادة تركه صلى الله عليه وسلم إياه بعد أول ركعة حتى أتم ، ولو كان عدمها مفسدا لفسدت بأول ركعة ، وبعد الفساد لا يحل المضي في الصلاة ، وتقريره عليه الصلاة والسلام من الأدلة الشرعية ، وحينئذ وجب حمل قوله عليه الصلاة والسلام { فإنك لم تصل } على الصلاة الخالية عن الإثم على قول الكرخي ، أو المسنونة على قول الجرجاني ، والأول أولى لأن المجاز في قوله لم تصل يكون أقرب إلى الحقيقة ، ولأن المواظبة دليل الوجوب .

وقد سئل محمد عن تركها فقال : إني أخاف أن لا تجوز الصلاة .

وعن السرخسي : من ترك الاعتدال تلزمه الإعادة ، ومن المشايخ من قال : تلزمه ويكون الفرض هو الثاني ، ولا إشكال في وجوب الإعادة إذ هو الحكم في كل صلاة أديت مع كراهة التحريم ويكون جابرا للأول لأن الفرض لا يتكرر ، وجعله الثاني يقتضي عدم سقوطه بالأول وهو لازم ترك الركن لا الواجب ، إلا أن يقال : المراد أن ذلك امتنان من الله تعالى إذ يحتسب الكامل وإن تأخر عن الفرض لما علم سبحانه أنه سيوقعه ( قوله ثم القومة والجلسة ) [ ص: 302 ] أي بين السجدتين سنة عندهما : أي باتفاق للمشايخ ، بخلاف الطمأنينة على ما سمعت من الخلاف .

وعند أبي يوسف هذه الفرائض للمواظبة الواقعة بيانا وأنت علمت حال الطمأنينة ، وينبغي أن تكون القومة والجلسة واجبتين للمواظبة .

ولما روى أصحاب السنن الأربعة والدارقطني والبيهقي من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم { لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود } قال الترمذي حديث حسن صحيح ، ولعله كذلك عندهما ، ويدل عليه إيجاب سجود السهو فيه فيما ذكر في فتاوى قاضي خان في فصل ما يوجب السهو ، قال : المصلي إذا ركع ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدا ساهيا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وعليه سجود السهو ، ويحمل قول أبي يوسف رحمه الله إنها فرائض على الفرائض العملية وهي الواجبة فيرتفع الخلاف .

ثم وجه تخريج الجرجاني كون الزائد على مسمى الركن لا يتناوله الأمر فيكتفى فيه بالاستنان .

ووجه تفصيل الكرخي إظهار التفاوت بين مكمل الركن المقصود لنفسه ومكمل ما هو مقصود لغيره : أعني الانتقال وذلك بوجوب الأول واستنان الثاني ، وأنت علمت أن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة والقومة والجلسة الوجوب




الخدمات العلمية