الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وندب إعداد ثوب ، ومكثه ليلة العيد ، ودخوله قبل الغروب . [ ص: 179 ] وصح إن دخل قبل الفجر ، واعتكاف عشرة ، [ ص: 180 ] وبآخر المسجد وبرمضان ، وبالعشر الأخير لليلة القدر الغالبة به ، وفي كونها بالعام أو برمضان [ ص: 181 ] خلاف ، وانتقلت ، [ ص: 182 ] والمراد بكسابعة ما بقي ، [ ص: 183 ] وبنى بزوال إغماء ، أو جنون : كأن منع من الصوم : لمرض ، أو حيض أو عيد وخرج [ ص: 184 ] وعليه حرمته وإن أخره : بطل ، إلا ليلة العيد ويومه ، [ ص: 185 ] وإن اشترط سقوط القضاء لم يعده . .

التالي السابق


( وندب ) بضم فكسر للمعتكف ( إعداد ثوب ) آخر غير الذي هو لابسه يلبسه إذا أصابته نجاسة من احتلام أو غيره وليس المراد إعداد ثوب للاعتكاف كثوب صلاة نحو المرضع فيها أحب إلي أن يعد ثوبا آخر يأخذه إذا أصابته جنابة انتهى .

( و ) ندب ( مكثه ) بضم الميم أي : إقامة المعتكف في المسجد ( ليلة العيد ) إن كانت عقب اعتكافه . فإن كانت أثناءه فظاهرها وجوبه ويحتمل ندبه أيضا لعدم صحة صوم صبيحتها ، وأشعر قوله ليلة العيد أنه إن اعتكف العشر الأول أو الوسطى من رمضان مثلا فلا يندب له مبيت الليلة التي تلي اعتكافه ، وهو كذلك ، فيخرج عقب غروب الشمس ، آخر يوم إن شاء . وشمل العيد الفطر والأضحى ، وهو مقتضى التعليل بمضيه من المعتكف للمصلى متزينا بالثياب التي تأتيه من أهله ، ثم يذهب من المصلى لأهله ولكن ظاهر كلامهم قصر الندب على عيد الفطر ; لأنه فعله عليه الصلاة والسلام ; لأنه إنما اعتكف العشر الأخير من رمضان ولم يعتكف عشر ذي الحجة .

( و ) ندب ( دخوله ) أي : المعتكف المسجد الذي أراد الاعتكاف فيه ( قبل الغروب ) لليلة التي أراد ابتداء اعتكافه منها إذا كان الاعتكاف منويا ولو يوما فقط أو ليلة فقط ، فإن كان منذورا وجب دخوله قبل الغروب أو معه أو عقبه للزوم اعتكافه الليل كله قاله جد عج وتبعه أحمد . [ ص: 179 ] وصح ) الاعتكاف ( إن دخل ) المعتكف المسجد ( قبل الفجر ) من الليلة التي ابتدأ اعتكافه منها سواء كان اعتكافه منويا أو منذورا مع مخالفة المندوب في الأول والواجب في الثاني . ابن الحاجب من دخل قبل الغروب اعتد بيومه وبعد الفجر لا يعتد به وفيما بينهما قولان : التوضيح اختلف إذا دخل بينهما والمشهور الاعتداد . وقال سحنون لا يعتد ، وحمل قوله سحنون على التطوع والمشهور على المنذور . ابن رشد الظاهر أنه خلاف ابن هارون ظاهر كلامه أن الخلاف فيمن دخل عقب غروب الشمس وظاهر الرواية أنه لا يدخله وإنما محله فيمن دخل قبل الفجر انتهى .

وفي كلام ابن رشد عكس الحمل الذي في التوضيح كما نقله ابن عرفة ونصه ابن رشد وحمل قولي سحنون والمدونة على الخلاف أظهر من حمل بعضهم الأول على النذر والثاني على النفل انتهى . فما في التوضيح سبق قلم وتبعه عليه ابن فرحون قاله طفي ، فالصواب إبقاء كلام المصنف على إطلاقه لاستظهار ابن رشد أن بين القولين خلافا . وقول التوضيح المشهور الاعتداد وعزاه ابن عرفة للمعونة ، ورواية المبسوط وهو على أصلهم أن من نذر اعتكاف يوم لا يلزمه ليلة لكنه خلاف ما قدمه المصنف من لزومها وهو مذهب المدونة ، وعليه من الدخول قبل الغرب كما صرحت به وإلا لم يصح . ودرج هنا على الصحة لقول التوضيح تبعا لابن عبد السلام هو المشهور ; لأن إعادته اتباع المشهور حيث وجده ولم يتنبه إلى أنه خلاف ما قدمه الذي هو مذهب المدونة قاله طفي .

( و ) ندب ( اعتكاف عشرة ) من الأيام ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقص عنها وهو أول مراتب الكمال ونهايته شهر ، ويكره ما زاد عليه كما نقص عن العشرة . ابن عرفة ابن رشد في كون أقل مستحبه يوما وليلة أو عشرة قولا ابن حبيب وغيره . ابن حبيب وأعلاه عشرة ابن رشد وعلى أنها أي : العشرة أقله أكثره شهر . ويكره ما زاد عليه ، ثم قال ابن عرفة اللخمي ما دون العشر كرهه فيها . وقال في غيرها لا بأس به .

واعلم أنه اختلف في أقل ما يتحقق به الاعتكاف فقيل يوم وليلة وقيل يوم فقط . [ ص: 180 ] واختلف أيضا في أقله كمالا بحيث يكره نقص عنه أو يخالف الأولى فقيل يوم وليلة وأكثره كمالا بحيث يكره ما زاد عليه عشرة . وقيل : أقله كمالا ثلاثة أيام وأكمله عشرة . وقيل أقله كمالا بحيث يكره ما زاد عليه عشرة . وقيل أقله كمالا ثلاثة أيام وأكمله عشرة . وقيل أقله كمالا عشرة وأكثره شهر ، وهذا مذهب المدونة والرسالة . فمن نذر اعتكافا ودخل فيه ولم يعين قدره لزمه أقل ما يتحقق به وهو يوم وليلة على المعتمد ويوم فقط على مقابله ومن نذر أقله كما لا يلزمه أقله على الخلاف المذكور من الأقوال الثلاثة .

( و ) ندب كون الاعتكاف ( بآخر المسجد ) لقلة الناس به فإن كثر الناس به وقلوا بصدره ندب بصدره ، وأجاز فيها ضرب خباء للمعتكف في رحابه الداخلة فيه التي يعتكف فيها أي : لا لغير معتكف ولا له داخلا عن رحابه ( و ) ندب الاعتكاف ( برمضان ) لكونه سيد الشهور ( و ) تأكد ( بالعشر الأخير ) منه رجاء مصادفة ( لليلة القدر الغالبة ) الوجود ( به ) أي : العشر الأخير ولمواظبته صلى الله عليه وسلم على اعتكافه لليلة القدر فقد جاء { أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول منه فأتاه جبريل فقال له إن الذي تريد أو تطلب أمامك فاعتكف العشر الأوسط فأتاه جبريل فقال له : إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأواخر } .

( وفي كونها ) أي : ليلة القدر ( دائرة ب ) ليالي ( العام ) كله هذا قول مالك والشافعي وأكثر أهل العلم رضي الله تعالى عنهم ، وصححه ابن رشد في المقدمات ( أو ) دائرة ( ب ) ليالي ( رمضان ) كله خاصة وشهره ابن غلاب وشهر في التوضيح أنها في العشر الأخير ، وقال : إنه المذهب عند الجمهور وإنها تدور فيه ; لأن الأحاديث في هذا الباب صحيحة ، [ ص: 181 ] ولا يمكن الجمع بينها إلا على ذلك ( خلاف ) في التشهير ( وانتقلت ) في ليالي العام على الأول وفي ليالي رمضان كله على الثاني . وحكى ابن عرفة فيها تسعة عشر قولا فانظره . [ ص: 182 ] والمراد بكسابعة ) أدخلت الكاف الخامسة والتاسعة في حديث التمسوها أي : ليلة القدر في التاسعة أو السابعة أو الخامسة وخبر المراد ( ما ) أي : العدد الذي ( بقي ) من العشر الأخير لا ما مضى منه ، بدليل الحديث الآخر الذي فيه لتاسعة تبقى ولسابعة تبقى ولخامسة تبقى ، فحمل الإمام مالك رضي الله تعالى عنه الحديث الذي أطلق فيه التاسعة والسابعة والخامسة على الحديث الآخر الذي قيدها فيه بالتي تبقى . وخير ما فسرته بالوارد . ولو قال بكالسابعة بالتعريف لكان أحسن ; لأن الحمل إنما وقع فيما فيه التعريف والمفسر له ما لا تعريف فيه . وهل يعتبر الشهر ناقصا وهو ما عليه ابن رشد ; لأن يوم الثلاثين غير متيقن كونه منه ولموافقته لخبر طلب التماسها في الأفراد أو كاملا وعليه الشاذلي على الرسالة . وظاهر كلامه أنه الراجح وعليه الأنصار ; إذ قالوا معنى قوله اطلبوها في تاسعة تبقى هي ليلة اثنين وعشرين ونحن أعلم بالعدد منكم أي : فتكون في الأشفاع ، ; لأنه إذا اعتبر الشهر من آخره كانت أشفاعه أوتارا وأوتاره أشفاعا انتهى .

عب البناني قوله وعليه ابن رشد كونه ناقصا هو مذهب مالك رضي الله عنه في المدونة ; إذ قال : أرى والله أعلم أن التاسعة ليلة إحدى وعشرين ، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين . في التوضيح قول مالك يأتي على أن الشهر ناقص وكأنه اعتبر المحقق وألغى المشكوك الثعالبي في شرح ابن الحاجب ، والذي أطبق الناس عليه في زمننا هذا العمل على ليلة سبع وعشرين وهو حديث أبي بن كعب وهو صحيح أخرجه مسلم ، ونصه عن { أبي بن كعب رضي الله عنه وقد قيل له إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال من قام السنة أصاب ليلة القدر فقال أبي والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان ، والله إني لأعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها هي ليلة صبيحة سبع وعشرين ، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يوم بيضاء لا شعاع لها } . أسند هذه الأمارة في طريق أخرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم . [ ص: 183 ] و ) إن نذر اعتكاف أيام غير معينة أو معينة من رمضان أو من غيره وشرع فيه فاعتذر في أثنائه وزال ( بنى ) المعتكف على ما اعتكفه قبل طروء العذر بناء متصلا ( بزوال إغماء أو جنون ) أو حيض أو نفاس أو مرض شديد لا يجوز معه المكث في المسجد . والمراد بالبناء تكميل ما نذره سواء كان قضاء عما فاته اعتكافه كما يأتي به بعد انقضاء زمنه المعين من رمضان أو غيره ، أو لم يكن قضاء كما يكمل به نذرا مبهما . فإن حصلت هذه الأعذار في التطوع فلا يقضي ، وإن حصلت قبل دخوله أو قارنته بنى في المطلق والمعين من رمضان لا في معين من غيره ولا في تطوع . ابن عرفة ما مرض فيه من نذر مبهم أو معين من رمضان قضاء ومن غيره ففي قضائه ثالثها إن مرض بعد دخوله انتهى . وفي التوضيح إن كان الاعتكاف تطوعا وأفطر فيه لمرض أو حيض فلا قضاء عليه انتهى ، لكن إن بقي شيء من المنوي بعد زوال المانع بنى قاله ابن عاشر .

وشبه في وجوب البناء فقال ( كأن منع ) بضم فكسر أي : المعتكف ( من الصوم ) دون المسجد ( لمرض ) خفيف ( أو ) زوال ( حيض ) نهارا ( أو ) دخول يوم ( عيد ) أو فطر نسيانا فيجب عليه البناء على ما فعله سابقا ولفظ المدونة إذا عجز عن الصوم لمرض خرج فإذا صح بنى . ثم قال فيها ولا يلبث يوم الفطر في معتكفه ; إذ لا اعتكاف إلا بصيام ، ويوم الفطر لا يصام فإذا مضى يوم الفطر عاد لمعتكفه فيبني على ما مضى انتهى . وناقض عياض والتونسي هذه المسألة بمسألتي المريض يصح والحائض تطهر نهارا فيجب عليهما الرجوع على المشهور مع تعذر الصوم منهما أيضا . وأجيب بأن اليوم الذي طهرت فيه الحائض وصح فيه المريض يصح صومه لغيرهما بخلاف يوم الفطر فإنه لا يصح صومه لأحد .

( وخرج ) من المسجد وجوبا معتكف طرأ عليه عذر مانع من المسجد والصوم كحيض [ ص: 184 ] ومرض شديد أو من المسجد فقط كسلس ( وعليه ) أي المعتكف الذي خرج من المسجد لمانع منه سواء منع الصوم أيضا أم لا ( حرمته ) أي : الاعتكاف فلا يفعل ما لا يفعله المعتكف من جماع أو مقدماته ، فإن زال عذره رجع فورا للبناء .

( وإن أخره ) بفتحات مثقلا أي : الرجوع ولو ناسيا أو مكرها ( بطل ) اعتكافه واستأنفه وجوبا ( إلا ) تأخيره الرجوع ( ليلة العيد ويومه ) فلا يبطل اعتكافه لعدم صحة صومه لكل أحد بخلاف يوم الصحة من المرض والطهر من الحيض فتأخير الرجوع فيه يبطل الاعتكاف لصحة صومه من غير المريض والحائض ومن طرأ عليه مانع من الصوم دون المسجد فيه قولان ، روى في المجموعة يخرج . وقال عبد الوهاب لا يخرج حكاه ابن عرفة وابن ناجي وغيرهما . في التوضيح والخروج مذهب المدونة وعزاه اللخمي لها أيضا .

ولفظ ابن الحاجب ولو طرأ ما يمنع الصوم فقط دون المسجد كالمريض إن قدر والحائض تخرج ثم تطهر ، ففي لزوم المسجد ثالثها المشهور يخرجان فإذا صح وطهرت رجعا تلك الساعة وإلا ابتداء . ابن عبد السلام هذا مشكل غاية لإيهامه أن الخلاف في لزوم الحائض المسجد كالمريض ، وإنما الخلاف في لزوم المريض المسجد وعود الحائض للمسجد لا لزومها له وإطلاق اللزوم على العود مجاز بعيد ، ويلزمه استعمال اللفظ في حقيقته . ومجازه ورده ابن عرفة بنفي البعد ولزوم الجمع بينهما ; لأنها لإجراء أحكام المعتكف عليها وهي خارجة ملازمة له حكما وبأن ظاهر كلامه وضوح تصور الأقوال الثلاثة بعد ارتكاب ما ذكر ولا يتضح فإن الثالث هو الأول .

ويمكن تصويره باعتبار تعميم قوله ما يمنع الصوم فقط في خفيف المرض ابتداء وما خف بعد شدته ومنعه لمسجد ، وتقريرها الأول بقاء ذي الخفيف ابتداء ورجوع ذي الخفيف بعد شدته والحائض لاشتراك الكل في منع مفارقة المسجد وهو معنى [ ص: 185 ] اللزوم . والثاني : خروج الأول وعدم رجوع الأخيرين . الثالث : خروج الأول ورجوع الأخيرين .

( وإن اشترط ) المعتكف لنفسه قبل دخوله أو حاله ( سقوط القضاء ) عنه إن حصل له عذر مبطل لاعتكافه ( لم يعده ) شرطه واعتكافه صحيح ويلزمه إتمامه والعمل على مقتضى المشروع . وكذا اشتراطه عدم الصوم أو اعتكاف النهار دون الليل أو مباشرة النساء ، فشرطه باطل وتلزمه شروطه الشرعية قال في الرسالة : ولا شرط في الاعتكاف أي : مخالف لما أوجبه الشرع ابن عرفة شرط منافيه لغو عبد الحق عن بعض البغداديين لو نذره كذلك لم يلزمه إلا بدخوله فيبطل شرطه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث