الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 282 ] وحل به ما بقي ، وإن حلق ، وإن وطئ قبله فدم بخلاف الصيد : كتأخير الحلق لبلده ، أو الإضافة للمحرم ، [ ص: 283 ] ورمي كل حصاة أو الجميع لليل ، وإن لصغير لا يحسن الرمي أو عاجز ، ويستنيب فيتحرى وقت الرمي ; ويكبر ، وأعاد إن صح قبل الفوات بالغروب [ ص: 284 ] من الرابع ، وقضاء كل إليه ، والليل قضاء ، وحمل مطيق ، ورمى ، ولا يرمي في كف غيره وتقديم الحلق أو الإفاضة على الرمي [ ص: 285 ] لا إن خالف في غير .

التالي السابق


( وحل به ) أي : طواف الإفاضة ( ما بقي ) أي : النساء والصيد والطيب ( إن ) كان ( حلق ) أو قصر وكان قدم السعي عقب طواف القدوم وقد تم حجه وإلا فلا يحل ما بقي إلا بسعيه بعد الإفاضة وتركه المصنف لظهوره وذكر إن حلق مع علمه من قوله ثم حلق ثم يفيض ; لأنه لم يجعل الترتيب واجبا فلو لم ينبه على توقف الحل على تقدم الحلق لشمل تأخره عن الإفاضة .

( وإن ) طاف للإفاضة و ( وطئ قبله ) أي الحلق ( ف ) عليه ( دم بخلاف الصيد ) في الحل قبل الحلق وبعد الإفاضة فلا دم فيه وأولى الطيب وإن وطئ بعد الإفاضة وقبل السعي فعليه دم ، وإن اصطاد كذلك فعليه الجزاء وكذا إن وطئ واصطاد قبل الإفاضة .

وشبه في وجوب الدم فقال ( كتأخير الحلق ) عمدا أو نسيانا أو جهلا ( لبلده ) ولو قربت ولو فعله بذي الحجة وكذا تأخيره طويلا بأن أخره عن أيام منى الثلاثة كما تفيده المدونة قاله عج . البناني فيه نظر بل المدونة تفيد خلافه ، ونص التهذيب والحلاق يوما النحر بمنى أحب إلي وأفضل وإن حلق بمكة أيام التشريق أو بعدها أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه ، وإن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده جاهلا أو ناسيا حلق أو قصر وأهدى ا هـ . التونسي قوله إن أخره حتى بلغ بلده فعليه دم يريد أو طال ذلك وقيل : إن خرجت أيام منى ولم يحلق فعليه دم قاله في التوضيح ، فعلم أن قوله وقيل إن خرجت مقابل لمذهب المدونة فلو حذف قوله بأن يحلق بعد أيام منى واقتصر على ما قبله كالخرشي لأفاد مذهب المدونة وتقييد التونسي .

( أو ) تأخير طواف ( الإفاضة ) وحده أو مع السعي أو السعي وحده ( للمحرم ) فيفيض في الأولى ويفيض ويسعى في الآخرين ويهدي هديا واحدا في الجميع قاله سند في تأخيرهما ، فأحرى في تأخير أحدهما ومفهوم للمحرم أنه لو أفاض قبيل غروب آخر يوم من الحجة وصلى الركعتين بعد غروبه فلا دم عليه . [ ص: 283 ] و ) كتأخير ( رمي كل حصاة ) واحدة من العقبة أو غيرها والأولى حذف كل ; لأنه يصير الصورة الأولى عين ما بعدها . وأجيب بأن كل بمعنى أي ( أو ) تأخير جميع حصيات جمرة واحدة أو جميع حصيات الجمار ( الجميع ) عن وقت الأداء وهو النهار ( لليل ) وهو وقت القضاء فأولى تأخيره عن وقت القضاء أيضا فدم واحد لتأخير حصاة أو أكثر إن كان التأخير لبالغ عاقل قادر بل ( وإن ) كان التأخير ( ل ) رمي شخص ( صغير ) يحسن الرمي ولم يرم أو ( لا يحسن الرمي ) أو مجنون أخر وليهما الرمي عنهما والدم على من أحجهم ، وإن رمى عنهما في وقت الأداء فلا دم .

( أو ) تأخير رمي ( عاجز ) بنفسه لكبر أو مرض أو لإغماء طرأ ولم يجد من يحمله والدم في ماله ( ويستنيب ) العاجز من يرمي عنه في وقت الأداء وعليه دم ، وفائدة الاستنابة عدم الإثم ، والفرق بينه وبين الصغير ومن ألحق به الذين رمى عنهم وليهم في وقت الأداء أن العاجز هو المخاطب بسائر المناسك والصغير ومن ألحق به لم يخاطبا بها والمخاطب بها هو الولي وقد رمى في وقت الأداء قاله الباجي ، وإن أخر نائب العاجز لوقت القضاء لزمه دمان واحد للنيابة وواحد للتأخير إن كان لعذر وإلا فدم التأخير على النائب .

( فيتحرى ) العاجز ( وقت الرمي ) عنه ( ويكبر ) العاجز كل حصاة يرميها نائبه تكبيرة ، ويتحرى أيضا وقت وقوف نائبه للدعاء عقب الجمرتين الأوليين ويدعو قاله فيها .

( وأعاد ) العاجز الرمي وجوبا فيما قاله الحط ( إن ) صح العاجز من مرضه أو إغمائه ( قبل الفوات ) لوقت الرمي ( بالغروب ) من اليوم الرابع ، فإن أعاد قبل غروب اليوم الأول فلا دم عليه للنيابة ; لأنها جزء علة والآخر عدم حصوله من وقت أدائه وإن صح [ ص: 284 ] ليلة الثاني أو ما بعدها أعاد وعليه دم التأخير . ( وقضاء ) رمي ( كل ) من الجمرات من غروب شمس كل يوم ينتهي ( إليه ) أي : غروب الرابع ولا قضاء لرمي الرابع لخروج وقت الرمي بغروبه ووجب الدم ( والليل ) عقب كل يوم ( قضاء ) لذلك اليوم ولما قبله لا يقال هذا مستغنى عنه بقوله وقضاء كل إليه لدخول الليل فيه ; لأنا نقول لما كان النهار وقتا لأداء الرمي فقد يتوهم أنه لا يقضى إلا في النهار فنبه على أنه يقضى في الليل أو ذكره للرد على من قال الليل أداء ، ودل قوله والليل قضاء على أن اليوم الذي يليه قضاء إلى غروب الرابع .

( وحمل ) بضم فكسر مريض عاجز عن المشي للجمرة ( مطيق ) للرمي على دابة أو آدمي ( ورمى ) بنفسه وجوبا ( ولا يرم ) الحصاة ( في كف غيره ) ليرميها عنه ولا يجزئ عنه إن وقع ( و ) ك ( تقديم الحلق ) على رمي جمرة العقبة ففيه فدية لوقوعه قبل التحلل لا هدي كما يفهمه كلامه ; لأن الدم إنما ينصرف له فإذا رمى العقبة أمر الموسى على رأسه ; لأن حلقه الأول وقع قبل محله أو تقديم الإفاضة على الرمي ففيه هدي ، فلو قدمهما معا على الرمي ففيه فدية وهدي ولا يصدق قوله أو الإفاضة بتقديمها على يوم النحر ; لأنها قبله كعدمها ; لأنها قبل وقتها كما أفاده قوله ثم يفيض وظاهر قوله أو الإفاضة على الرمي وجوب الدم ولو أعادها بعده . واستظهره الحط قال ويدل عليه كلام الطراز ولم أر فيه نصا صريحا . عج ظاهر الشارح أنه لا يطلب بإعادتها على ما مشى عليه المصنف لجعله قول أصبغ بإعادتها مقابلا له وفي ( ق ) مذهب المدونة إعادتها بعده ولا دم وإنها قبله كعدمها لكونها قبل محلها ، وفهم عج أن قول الحط ما مشى عليه المصنف رواه ابن القاسم عن مالك رضي الله تعالى عنهما معناه في غيرها فلا يقدم على ما في ( ق ) عنها مع أن في الحط بعد ذلك أن ما رواه [ ص: 285 ] ابن القاسم هو مذهبها ا هـ عب الرماصي وما ذكره قول مالك وابن القاسم رضي الله تعالى عنهما ولمالك رضي الله تعالى عنه عدم إجزائها قبله أيضا .

وتورك المواق على المصنف ; إذ نسب عدم الإجزاء لها . ونقل عج كلامه مقلدا له وبنى على ذلك ما لا فائدة فيه وما نسبه لها غير صحيح ، واللفظ الذي نقله ليس لفظها ولم أر أحدا نسب لها عدم الإجزاء ، وكيف يصح وقد قالت ولو وطئ في يوم النحر أو بعده قبل الرمي وبعد الإفاضة فإنما عليه هدي وحجه تام ، وقد جعل الحط عدم الإجزاء مخالفا لها . ا هـ . وأقره البناني ( لا ) يلزمه دم ( إن خالف ) الترتيب السابق ( في غير ) الصورتين المتقدمتين وهما تقديم الحلق أو الإفاضة على الرمي كحلقه قبل النحر ونحره قبل الرمي وإفاضته قبل النحر أو الحلق أو قبلهما معا فلا دم عليه في صورة من هذه الخمس على الأصح لخبر حجة الوداع { جعلوا يسألونه فقال رجل لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال : اذبح ولا حرج ، وقال آخر : لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال : ارم ولا حرج ، فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال صلى الله عليه وسلم افعل ولا حرج }

وقوله صلى الله عليه وسلم اذبح وارم أي : اعتد بفعلك ، فصيغة افعل هنا بمعنى اعتد بفعلك ; لأن الفرض أن السائل فعل الأمرين اللذين قدم ثانيهما على أولهما . ووجه الدلالة على عدم الدم في الصور الخمس المذكورة من الخبر مع أن ما مر خاص بالأوليين من الخمس أن قول الصحابي فما سئل عن شيء إلخ في حكم المرفوع ، فيشمل غير ما يشمله من السؤالين لكنه يشمل الصورتين اللتين فيهما الدم ، ولذا قال ابن حجر عن الطبري فيه رد على مالك رضي الله تعالى عنه في حمله نفي الحرج على نفي الإثم مع لزوم الدم فيهما وعلى نفي الدم والإثم فيما عداهما ، مع أن قوله ولا حرج ظاهر في نفي الإثم والدم ; إذ الحرج يشملهما ، والتخصيص يحتاج لدليل ولم يبينه عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت مع الحاجة إليه .

وأجاب الأبي عن مالك رضي الله تعالى عنه بأن الدم أي الفدية في الأولى تخصص عموم الخبر المار لقاعدة أخرى وهي أن في تقديم الحلق على الرمي إلقاء التفث عن المحرم . [ ص: 286 ] وأجاب القسطلاني عن الصورتين بأن أبا حنيفة ومالكا رضي الله تعالى عنهما تأولا الحديث على نفي الإثم لعذرهم بجهلهم ونسيانهم بدليل قول السائل لم أشعر ، ويؤيده أن في حديث علي رضي الله تعالى عنه عند الطحاوي بإسناد صحيح بلفظ رميت وحلقت ونسيت أن أنحر ، وأما الدم فأخذا وجوبه مما رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال من قدم شيئا في حجه أو أخره فليهرق لذلك دما ا هـ . لكن قال ابن حجر في السند إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ضعيف وهو إبراهيم بن مهاجر

قال وعلى تقدير الصحة يلزم من أخذ برواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن يوجب الدم في كل شيء من الأربعة المذكورة ولا يخصه بالحلق أو الإفاضة قبل الرمي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث