الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 314 ] وحجامة بلا عذر ، وغمس رأس [ ص: 315 ] أو تجفيفه ، بشدة ، ونظر بمرآة ، ولبس امرأة قباء مطلقا ، وعليهما دهن اللحية والرأس وإن صلعا وإبانة ظفر أو شعر أو [ ص: 316 ] وسخ إلا غسل يديه بمزيله ، وتساقط شعر لوضوء أو ركوب ، ودهن الجسد ككف ورجل بمطيب أو لغير علة ، ولها قولان ، اختصرت عليهما ، [ ص: 317 ] وتطيب بكورس وإن ذهب ريحه ، أو لضرورة كحل ولو في طعام [ ص: 318 ] أو لم يعلق ; إلا قارورة سدت ، ومطبوخا ، وباقيا مما قبل إحرامه ، [ ص: 319 ] ومصيبا من إلقاء ريح أو غيره ، أو خلوق كعبة ، وخير في نزع يسيره وإلا افتدى إن تراخى : [ ص: 320 - 321 ] كتغطية رأسه نائما .

التالي السابق


( و ) كره ( حجامة بلا عذر ) خيفة قتل الدواب فإن تحقق نفيها فلا تكره بلا عذر وتقيد الكراهة أيضا بما إذا لم يزل بسببها شعر وإلا حرمت بلا عذر وافتدى كانت لعذر أم لا انتهى عب . البناني فيه نظر والذي في الحط أن الحجامة بلا عذر تكره مطلقا خشي قتل الدواب أم لا زال بسببها شعر أم لا . هذا هو المشهور ، وأما لعذر فتجوز مطلقا هذا هو الحكم ابتداء . وأما الفدية فتجب إن أزال شعرا أو قتل قملا كثيرا والقليل فيه الإطعام ، وسواء احتجم لعذر أم لا إلا أن لزوم الفدية إذا احتجم لغير عذر وزال الشعر ، فالكراهة حينئذ مشكلة والله أعلم .

( و ) كره ( غمس رأس ) في الماء خيفة قتل الدواب فإن فعل أطعم شيئا من طعام قاله في المدونة . واعترض ابن عرفة على ابن الحاجب إسقاطه لكلامها ومثله على المصنف [ ص: 315 ] وانظر هل الإطعام واجب أو مستحب ; لأن فعله مكروه ، ولم يذكروا الإطعام في الحجامة ولا في تجفيف الرأس بشدة ، مع أن العلة فيهما خيفة قتل الدواب ، وقيد اللخمي الكراهة بما إذا كانت له وفرة وإلا فلا كراهة . وأشعر قوله وغمس بأن صب الماء عليه لا يكره وهو كذلك في المدونة انتهى .

عب قولها فإن فعل أطعم إلخ استدل به طفي على أن الكراهة فيها للتحريم ، قال إذ لا إطعام في كراهة التنزيه . والظاهر أنه واجب ، وقول صاحب الطراز بالاستحباب خلافها انتهى البناني . قلت لعل المصنف حمل الإطعام فيها على الاستحباب تبعا للطراز وحينئذ فلا دليل فيه على التحريم . قوله وانظر هل الإطعام إلخ قد علمت أن سندا حمله على الاستحباب ( أو تجفيفه ) أي : الرأس بخرقة بعد غمسه في الماء ( بشدة ) خيفة قتل الدواب ، قال مالك " رضي الله عنه " ولكن يحركه بيده .

( و ) كره ( نظر بمرآة ) بكسر الميم ممدودا أي : الآلة التي يرى بها الوجه خيفة أن يرى شعثا فيزيله ( و ) كره ( لبس امرأة قباء مطلقا ) عن التقييد بكونها محرمة أو حرة مظنة أن يصف عورتها .

( و ) حرم ( عليهما ) أي : المرأة والرجل ( دهن اللحية و ) شعر ( الرأس ) أي تسريحهما بالدهن لما فيه من الزينة إن كان الرأس تام الشعر بل ( وإن ) كان الرأس ( صلعا ) بفتح الصاد المهملة واللام أي ذا صلع أي : خلو مقدم الرأس من الشعر أو بسكون اللام ممدودا ، وصح الإخبار به وهو مؤنث عن الرأس وهو مذكر بتأويله بالهامة بتخفيف الميم .

( و ) حرم عليهما ( إبانة ) أي إزالة ( ظفر ) لغير عذر فهذا مفهوم قوله آنفا انكسر ( أو ) إزالة ( شعر ) ولو قل بنتف أو حلق أو نورة أو قرض بأسنان ( أو ) [ ص: 316 ] إزالة ( وسخ ) إلا ما تحت الظفر ولا فدية رواه ابن نافع عن مالك رضي الله تعالى عنهما ( إلا غسل يديه ) من وسخ ( بمزيله ) أي : الوسخ ولا يحرم عليهما من صابون غيره مطيب أو طفل أو خطمي أي : بزر خبيزى أو حرضي بضم الحاء المهملة والراء أو سكونها وإعجام الضاد أي : إشنان بضم الهمز وكسره لغة ، وقال سند الحرض هو الغاسول .

( و ) إلا ( تساقط شعر ) ولو كثر من رأسه أو من لحيته أو أنفه ( لوضوء ) أو غسل واجبين أو مندوبين أو غسل مسنون ولا شيء فيما قتله في واجب ، وكذا في مسنون أو مندوب على الظاهر ولو كثر ، ويجوز الوضوء والغسل لتبرد ولو تساقط فيه شعر ، فإن قتل فيه كثيرا افتدى وإن قل ففيه قبصة بصاد مهملة وهو الأخذ بأطراف الأنامل من طعام ( أو ) تساقط شعر من ساقه ل ( ركوب ) فحلفه الإكاف أو السرج .

( و ) حرم عليهما ( دهن الجسد ) أي : ما عدا بطن الكف والرجل بدليل قوله مشبها في المنع ( ك ) دهن بطن ( كف ورجل ) وظاهرهما دخل في الجسد ، ونص عليهما لدفع توهم الترخيص في دهنهما ( بطيب ) راجع للجسد وما بعده ، ومتعلقه محذوف أي وافتدى في دهنهما ( بمطيب ) راجع للجسد وما بعده ، ومتعلقه محذوف ، أي : وافتدى في دهنهما بمطيب مطلقا عن التقييد بعدم العذر ( أو ) بغير مطيب ( لغير علة ) بل للتزين في الجسد وبطن الكف والقدم ( و ) في دهن الجسد بغير مطيب ( لها ) أي : العلة والضرورة من شقوق أو مرض أو قوة عمل ( قولان ) بالفدية وعدمها لم يطلع المصنف على أرجحية أحدهما ( اختصرت ) بضم التاء وكسر الصاد وسكون تاء التأنيث المدونة ( عليهما ) أي : القولين .

قال في التهذيب : وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه ، وإن دهنهما لغير علة أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا لعلة افتدى فأفاد بقوله لا لعلة إن دهن الذراعين [ ص: 317 ] والساقين لعلة لا فدية فيه ، واختصرها ابن أبي زمنين على الوجوب مطلقا في الذراعين والساقين فقال ليحسنهما أو من علة افتدى ، وقد علمت أن محل الخلاف الذراعان والساقان وكأنهم فهموا أن لا فرق بينهما وبين بقية الجسد سوى بطن الكف والرجل ، وأما دهن بطن الكف والرجل بغير مطيب لعلة فلا فدية فيه اتفاقا ، فتحصل أن الدهن بمطيب فيه الفدية كان لعلة أم لا بالجسد أو بطن كف أو رجل ، فهذه أربعة ، وأن الدهن بغير مطيب لغير علة فيه الفدية في الجسد أو بطن كف أو رجل ، ولعلة لا شيء فيه ببطن كف أو رجل ، وفي الجسد فيه قولان فهذه أربعة أخرى .

والحاصل أن كلام المصنف هنا وفي المناسك يفيد أن المخالفة بين اختصار البرادعي وابن أبي زمنين في دهن اليد والرجل بغير مطيب لعلة وليس كذلك ، إنما الاختلاف بينهما في دهن الساقين والذراعين لا في اليدين والرجلين إذ لفظ الأم في ذلك صريح لا يقبل الاختلاف انظره في الحط .

( و ) حرم عليهما ( تطيب بكورس ) من كل طيب مؤنث وهو ما يظهر ريحه ويتعلق أثره بماسه والورس نبت كالسمسم طيب الرائحة صبغه بين الحمرة والصفرة يبقى نبته في الأرض عشرين سنة ، ودخل بالكاف زعفران ومسك وكافور وعنبر وعود . ومعنى تطيبه به إلصاقه بالبدن عضوا أو بعضه أو بالثوب ، فلو عبق الريح دون العين على جالس بحانوت عطار أو بيت تطيب أهله فلا فدية عليه . ويكره تماديه على ذلك قاله في الجواهر .

وبالغ على الحرمة بدون فدية بقوله ( وإن ذهب ريحه ) وعلى هذا قلنا شيء يحرم استعماله ولا فدية فيه وهو الطيب المؤنث ذاهب الريح وافتدى إن تطيب لغير ضرورة ( أو ) تطيب ( لضرورة كحل ) ففيه الفدية بلا إثم ، هذا مراده بهاتين المبالغتين ، وذلك أن قوله وتطيب بكورس تضمن حكمين الحرمة ووجوب الفدية فالمبالغة الأولى ناظرة للأول والثانية ناظرة للثاني ( أو ) وضع ( في طعام ) أو شراب من غير طبخ ففيه الفدية [ ص: 318 ] أو ) مسه و ( لم يعلق ) بفتح اللام أي : يتعلق أثره به ففيه الفدية ( إلا ) من مس أو حمل ( قارورة ) أو خريطة أو خرجا بها طيب ( سدت ) عليه سدا وثيقا محكما بحيث لم يظهر منها ريحه فلا فدية .

ابن الحاجب ولا فدية في حمل قارورة مصمتة الرأس ونحوها . ابن عبد السلام لعل مراده بنحو القارورة فارة المسك غير مشقوقة . ابن عرفة هذا غير ظاهر ; لأن الفأرة طيب . الحط فالأحسن أن مراده بنحوها الخريطة والخرج وشبههما كما في الطراز .

( و ) إلا طيبا ( مطبوخا ) في طعام بنار أماته الطبخ فلا فدية في أكله ولو صبغ الفم على المذهب فإن لم يمته ففيه الفدية قاله الحط . والظاهر أن المراد بإماتته استهلاكه في الطعام وذهاب عينه بحيث لا يظهر منه غير ريحه كمسك أو ولونه كزعفران بارز ا هـ . البناني ، هذا التفصيل للبساطي واعتمده الحط والمذهب خلافه . ابن بشير المذهب نفي الفدية أي : في المطبوخ ; لأنه أطلق في المدونة والموطإ والمختصر الجواز في المطبوخ وإبقاء الأبهري على ظاهره ، وقيده عبد الوهاب بغلبة الممازح وابن حبيب بغلبته وأن لا يعلق باليد ولا بالفم منه شيء .

ابن عرفة وما مسه نار في إباحته مطلقا أو إن استهلك ثالثها ولم يبق أثر صبغه بيد ولا فم الأول للباجي عن الأبهري ، والثاني للقاضي ، والثالث للشيخ عن رواية ابن حبيب . فقول الأبهري وهو الإباحة مطلقا استهلك أم لا هو المذهب عند ابن بشير ، وبه اعترض طفى على الحط .

( و ) إلا طيبا يسيرا ( باقيا ) أثره أو ريحه في ثوبه أو بدنه ( مما ) تطيب به ( قبل إحرامه ) فلا فدية فيه مع الكراهة بناء على أن الدوام ليس كالابتداء ا هـ عب . البناني المراد بالأثر اللون مع ذهاب الجرم ، وما ذكره هو مقتضى قول سند إذا قلنا لا فدية في الباقي مع كراهته فيؤمر بغسله ، فإن ذهب بصب الماء فحسن ، وإن لم يزل به غسله [ ص: 319 ] بيده ولا شيء عليه لفعله ما أمر به ا هـ . فأمر بغسله دليل على أن الباقي مما يغسل ، لكن لما شمل كلامه الجرم أخرجه بقوله إلا أن يكون بحيث يبقى بعده ما تجب الفدية بإتلافه فتجب بذلك الفدية وهو بين ا هـ . إذ الذي تجب الفدية بإتلافه هو جرمه قل أو كثر .

ونقل ابن حجر عن مالك " رضي الله عنه " سقوط الفدية في بقاء لونه ورائحته ، قال وفي رواية عنه تجب والظاهر من كلام الباجي وابن الحاجب وابن عرفة ، أنها لا تسقط إلا في بقاء الرائحة دون الأثر ، ونص ابن الحاجب ولا يتطيب قبله بما تبقى بعده رائحته طفي . الباجي إن تطيب لإحرامه فلا فدية عليه ; لأنها إنما تجب بإتلاف الطيب بعد الإحرام ، وهذا أتلفه قبله وإنما يبقى منه بعده الرائحة ، ثم قال ; لأن الفدية إنما تجب بإتلاف الطيب أو لمسه . وأما الانتفاع بريحه فلا تجب فيه فدية وإن كان ممنوعا ا هـ . ابن عرفة .

ولا يتطيب قبل إحرامه بما يبقى ريحه بعده . الباجي إن فعل فلا فدية ; لأنها إنما تجب بإتلافه بعده إلا أن يكثر بحيث يبقى بعده ما يوجبها . وقول بعض القرويين ما يبقى بعده ريحه كفعله بعده إن أراد في المنع فقط فصحيح ، وإن أراد في الفدية فلا .

( و ) إلا ( مصيبا من إلقاء ريح أو ) شخص ( غيره ) أي : المحرم على ثوبه أو بدنه نائما أو يقظان فلا فدية عليه ( أو ) مصيبا من ( خلوق ) بفتح الخاء المعجمة أي طيب ( كعبة ) فلا فدية عليه ولو كثر لطلب القرب منها .

( وخير ) بضم الخاء المعجمة وكسر المثناة تحت مثقلة ( في نزع يسيره ) أي الخلوق والباقي مما قبل إحرامه فقط ، وأما المصيب من إلقاء ريح أو غيره فيجب نزع يسيره فورا ككثيره فإن تراخى افتدى فلا يدخلان تحت قوله ( وإلا ) يكن الخلوق والباقي مما قبل إحرامه يسيرا ( افتدى إن تراخى ) في نزع خلوق الكعبة فقط ، وأما الباقي مما قبل إحرامه فيفتدي في كثيره وإن لم يتراخ في نزعه على المعتمد كما في عج والحط ، فيخص قوله في نزع [ ص: 320 ] يسيره بشيئين ويخص التراخي بأحدهما ، فإن لم يتراخ فلا فدية مع وجوب نزعه فورا للكثير قاله عبق .

البناني قوله أي الخلوق والباقي إلخ تبع فيه عج وأحمد وجعله سالم راجعا لجميع ما تقدم من قوله أو باقيا مما قبل إحرامه وما بعده وتبعه الخرشي ، وذلك كله غير ظاهر والصواب أنه خاص بالخلوق كما قال الحط وتت وارتضاه ابن عاشر وطفى ; لأن المصيب من إلقاء الريح أو الغير يجب نزعه فورا قل أو كثر ، وإن تراخى افتدى كما يؤخذ من ابن الحاجب وغيره وصرح به الحط ، والباقي مما قبل الإحرام إن كان لونا أو رائحة لم يتأت نزعه ، وتقدم أنه لا شيء فيه .

وإن كان مما تجب الفدية بإتلافه وهو جرم الطيب ففيه الفدية مطلقا قل أو كثر تراخى في نزعه أو لا كما أخذ من كلام الباجي وغيره المتقدم ، وقوله وإلا افتدى إن تراخى هذا أيضا خاص بالخلوق كما في الحط لما تقدم أن الباقي من جرم الطيب مما قبل الإحرام يجب نزعه قل أو كثر تراخى في نزعه أم لا ، نعم تقدم في مسألة إلقاء الريح أو الغير أنه إن تراخى في نزعه افتدى وإن قل ، ولو أمكن أن يرجع قوله وإلا افتدى لهما كان حسنا لكن يأباه كلامه ، وقد تكلف ابن عاشر رجوعه لهما وهو بعيد ، وما ذكره المصنف من لزوم الفدية إن تراخى في نزع كثير الخلوق قد تعقبه عليه طفي بأنه لم يره لغير المصنف هنا ، وفي التوضيح قال وذلك ; لأن في المدونة ولا شيء عليه فيما لصق به من خلوق الكعبة إذ لا يكاد يسلم منه .

وفي كتاب محمد وليغسل ما أصابه من خلوق الكعبة بيده ولا شيء عليه وله تركه إن كان يسيرا . ابن عبد السلام اجتمع مما فيها وكتاب محمد إنه لا فدية عليه فيما أصابه من خلوق الكعبة ، وزاد محمد غسل الكثير وصرح بعده بأن الغسل على وجه الأحبية فلم يذكر فيها ولا في كتاب محمد الفدية في الكثير ، وإنما يؤمر بغسله فقط ، ولا قائل بالفدية إلا ما يؤخذ من ظاهر كلام ابن وهب ، وكذا لم يذكرها ابن الحاجب ولا صاحب الجواهر ، ثم قال وكأن المصنف فهم وجوبها من الأمر بالغسل وفيه نظر فتأمله . [ ص: 321 ] وشبه في وجوب الفدية مع التراخي فقال ( كتغطية رأسه ) أي : المحرم بفعله أو فعل غيره به حال كونه ( نائما ) فإن تراخى في نزعه بعد انتباهه افتدى ، وإن نزعه عاجلا فلا شيء عليه وإن كانت فعل غيره ونزعه عاجلا فالظاهر أنها تلزم المغطى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث