الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

والجزاء بقتله [ ص: 346 ] وإن لمخمصة وجهل ونسيان ، وتكرر كسهم مر بالحرم ، وكلب تعين طريقه ، [ ص: 347 ] أو قصر في ربطه ، أو أرسل بقربه فقتل خارجه ، [ ص: 348 ] وطرده من حرم ، ورمي منه أوله ، وتعريضه للتلف ، وجرحه ولم تتحقق سلامته ، ولو بنقص ، [ ص: 349 ] وكرر إن أخرج لشك ثم تحقق موته : ككل من المشتركين ، وبإرسال لسبع ، أو نصب شرك له .

التالي السابق


( والجزاء ) واجب ( بقتله ) أي : الحيوان البري الوحشي إن قتله لغير مخمصة بل [ ص: 346 ] وإن ) قتله ( لمخمصة ) أي شدة جوع عامة أو خاصة تبيح الميتة وتقدم الميتة عليه كما يأتي ، قاله عبد الوهاب القاضي . وهل يجوز الاصطياد حينئذ أو لا قولان .

( و ) يجب الجزاء وينتفي الإثم لأجل ( جهل ) لعين الصيد أو حكم قتله لحداثة إسلام ( ونسيان ) وسواء كان لاتحاد قتل الصيد أ ( وتكرر ) فيتكرر الجزاء بتكرر قتله ، ولو نوى التكرر أو كان في فور أو ظن الإباحة فليس كالفدية ففيها ومن قتل صيودا فعليه بعددها كفارات .

وشبه في لزوم الجزاء فقال ( كسهم ) رماه في حل على صيد في حل والحرم بينهما ف ( مر ) السهم ( بالحرم ) وأصاب الصيد في الحل فقتله فميتة وفيه الجزاء عند ابن القاسم ، وخالفه أشهب ( وكلب ) أرسله حل في حل على صيد في حل ومر الكلب بالحرم وقتل الصيد في الحل فميتة وفيه الجزاء إن ( تعين طريقه ) أي : الكلب إلى الصيد من الحرم [ ص: 347 ] فطريقه بالرفع فاعل ومفهوم تعين أنه إن لم يتعين طريقه من الحرم يؤكل ، ولا جزاء فيه ، وهو كذلك في ابن الحاجب . ابن غازي سوى اللخمي مسألتي السهم والكلب في الخلاف واختار فيهما جواز الأكل وعدم الجزاء والتقييد في الكلب تبع فيه ابن شاس وابن الحاجب .

( أو قصر ) بفتحات مثقلا أي : فرط المحرم أو من في الحرم ( في ربطه ) أي الحيوان الذي يصاد به من كلب أو باز فانفلت وقتل صيدا فعليه جزاؤه ، ولا يؤكل فإن لم يقصر فلا شيء عليه ( أو أرسل ) الصائد كلبه أو بازه على صيد في الحل ( بقربه ) أي الحرم بحيث يغلب على الظن أنه إنما يدركه في الحرم ( فقتل ) الجارح الصيد ( خارجه ) أي الحرم بعد إدخاله فيه فميتة لا يؤكل وفيه الجزاء وأولى إن قتله فيه ، فإن قتله خارجه ولم يدخله فيه فلا جزاء فيه ، ويؤكل حيث كان الصائد حلالا . ومفهوم بقربه أنه لو أرسله في بعيد من الحرم بحيث يغلب على الظن إدراكه قبل دخول الحرم فقتله فيه أو خارجه بعد إدخاله فيه فلا جزاء فيه ، وهو كذلك ، لكنه لا يؤكل في الوجهين .

أبو إبراهيم لو أجرى الشخص أو الكلب الصيد من الحل إلى الحرم وتركه حتى خرج من الحرم من غير أن يخرجه ثم قتله في الحل فينبغي أن يؤكل كعصير تخمر ثم تخلل .

واختلف في حكم الاصطياد قرب الحرم فقال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه إنه مباح إذا سلم من قتله في الحرم . قال في التوضيح والمشهور أنه منهي عنه إما منعا أو كراهة بحسب قوله صلى الله عليه وسلم { كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه } . الحطاب الظاهر الكراهة ، ثم إن قتله في الحرم أو بعد إخراجه منه ففيه الجزاء ، وإن قتله بقربه فالمشهور أنه لا جزاء فيه وهو قول مالك وابن القاسم رضي الله تعالى عنهما . التونسي ويؤكل ، وقال ابن عبد الحكم وابن حبيب عليه الجزاء والمتبادر من المصنف الصورة الأخيرة لكن لضعف القول بالجزاء فيها تعين حمله على الثانية . [ ص: 348 ] ( و ) يلزم الجزاء ب ( طرده ) أي : الصيد ( من حرم ) إلى حل فصاده صائد فيه أو هلك قبل عوده للحرم أو شك في اصطياده أو هلاكه ، وقيد ابن يونس هذا بما إذا كان الصيد لا ينجو بنفسه وإلا فلا جزاء على طارده . ولو تلف أو صيد ; لأن طرده حينئذ لا أثر له ، ومفهوم من حرم أن طرده عن الرحل والطعام لا بأس به إلا أنه إن هلك بسببه ففيه الجزاء .

( و ) في ( رمي منه ) أي : الحرم على صيد في الحل فقتله ففيه الجزاء ، ولا يؤكل عند ابن القاسم نظرا لابتداء الرمية . وقال أشهب وعبد الملك يؤكل ولا جزاء فيه نظرا لانتهائها ( أو ) رمي من الحل ( له ) أي : الحرم على صيد فيه فقتله فلا يؤكل وفيه الجزاء اتفاقا ، ومثل الرمي في الحالين إرسال الكلب ، ويفهم من المصنف أن من بالحرم إذا أراد صيدا بالحل فذهب له عازما على اصطياده فرآه في الحرم ولم يرمه ولم يرسل له كلبه ونحوه حتى خرج من الحرم فصاده في الحل فإنه لا شيء عليه وهو كذلك . وفي كلام سند ما يفيده انظر الحط .

وعطف على قتله من قوله والجزاء بقتله أيضا فقال ( وتعريضه ) أي : الصيد ( للتلف ) كنتف ريشه الذي لا يقدر على الطيران بدونه وإلا فلا جزاء ، كذا وقع التقييد به في المدونة وإن نتف ريشه وأمسكه عنده حتى نبت ريشه الذي يطير به وأطلقه فلا جزاء عليه ، وليس من تعريضه للتلف أخذه من مكة وإرساله بالأندلس حيث لا يخاف عليه ، نص عليه ابن عرفة قوله وإرساله أي : إطلاقه وتخلية سبيله .

( و ) يجب الجزاء في ( جرحه ) أي الصيد جرحا لم ينفذ مقتله وغاب مجروحا ( ولم تتحقق سلامته ) قيد في تعريضه وجرحه فإن تحققت سلامته أو غلبت على الظن بلا نقص بل ( ولو بنقص ) فلا جزاء فيه فهي مبالغة في مفهوم ولم يتحقق سلامته ، وأشار بولو لقول محمد إن سلم ناقصا لزمه ما بين قيمتيه مثلا قيمته سالما ثلاثة أمداد ، ومعيبا مدان فيلزمه مد وهذا ضعيف . [ ص: 349 ] وكرر ) الجزاء ( إن أخرج ) الجزاء ( لشك ) أي : مطلق تردد في سلامة الصيد في صورتي تعريضه للتلف وجرحه كما هو الواجب عليه ( ثم ) بعد إخراجه ( تحقق ) أو غلب على ظنه ( موته ) أي : الصيد بعد الإخراج . التلمساني ; لأنه أخرج قبل الوجوب أي : في الواقع ، ومفهوم تحقق موته أنه إن بقي على شكه لا يكرره وأولى إن تحقق موته قبله أو ظنه .

وشبه في تكرر الجزاء فقال ( ككل من المشتركين ) بفتح الكاف وكسرها في قتل صيد في الحرم سواء كانوا محرمين أم لا أو في الحل وهم محرمون فعلى كل واحد منهم جزاء كامل ، ومفهوم المشتركين أنه لو تمالأ جماعة على قتل صيد وقتله واحد منهم فعليه وحده جزاؤه . وظاهر كلام المصنف أنه لا ينظر في المشتركين في قتله لمن فعله أقوى في تسبب الموت عنه ، ويؤيده قوله أو أمسكه فقتله محرم إلخ . وأما لو تميزت جناياتهم وعلم موته من فعل معين فالظاهر أن الجزاء عليه وحده لاستقلاله بقتله إلا أن تكون ضربة غيره هي التي عاقته عن النجاة ، ولو اشترك حل ومحرم في قتل صيد في الحل فجزاؤه على المحرم وحده .

( و ) الجزاء ( بإرسال ) من محرم مطلقا أو من حل في الحرم لكلب أو باز ( لسبع ) أي : عليه في ظن الصائد وقتله الكلب أو أنفذ مقتله وتبين أنه بقر وحش مثلا ( أو نصب شرك له ) أي : السبع الذي يفترس غنمه أو طيره أو نفسه فعطب فيه حمار وحشي فالجزاء كمن حفر بئرا لسبع فوقع فيها غيره فيضمن ديته أو قيمته .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث