الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

و لا يجزئ بغيره ، ولا زائد على مد لمسكين ; إلا أن يساوي سعره فتأويلان ، [ ص: 361 ] أو لكل مد صوم يوم وكمل لكسره فالنعامة بدنة ، والفيل بذات سنامين ، [ ص: 362 ] وحمار الوحش ، وبقره بقرة ، والضبع والثعلب : شاة [ ص: 363 ] كحمام مكة والحرم ويمامها بلا حكم ، [ ص: 364 ] وللحل وضب وأرنب ويربوع وجميع الطير القيمة طعاما ، والصغير والمريض والجميل كغيره ، [ ص: 365 ] وقوم لربه بذلك معها ، واجتهد ، وإن روي فيه فبه .

التالي السابق


( ولا يجزئ ) الإطعام ( بغيره ) أي : محل التلف أو قربه مع الإمكان به . سند جملة ذلك أنه إن أخرج الجزاء هديا اختص بالحرم أو صياما فحيث شاء أو طعاما اختصر بمحل التقويم ( ولا ) يجزئ ( زائد على مد ) من الطعام المقوم به الصيد أي : دفعه ( لمسكين ) وله نزعه إن بقي ، وبين ولا يجزئ ناقص عن مد إلا أن يكمل ، وهل إن بقي تأويلان .

واستثنى من قوله ولا يجزي بغيره فقال ( إلا أن يساوي سعره ) أي : الطعام في محل الإطعام سعره في محل التلف ( فتأويلان ) بالإجزاء وعدمه . قال في التوضيح تحصيل هذه المسألة أنه يطلب ابتداء أن يخرج الطعام بمحل التقويم ، فإن أخرجه في غيره فمذهب المدونة عدم الإجزاء . وقال ابن المواز إن أصاب صيدا بمصر وأطعم بالمدينة [ ص: 361 ] أجزأ ; لأن سعرها أغلى ، وإن أصابه بالمدينة وأطعم بمصر لم يجزه إلا أن يتفق سعراهما .

ابن عبد السلام اختلف الشيوخ في كلام ابن المواز فمنهم من جعله تفسيرا لها ومنهم من جعله خلافا لها وهو الذي اعتمده ابن الحاجب في قوله وفي مكانه أي : الإطعام ثلاثة لابن القاسم وأصبغ ومحمد ، حيث يقوم أو قريبا منه إن لم يكن مستحق ، ويجزئ حيث شاء إن أخرج على سعره ، ويجزئ إن تساوى السعران . وفي الموطإ يطعم حيث أحب .

ابن عبد السلام الفرق بين كلام محمد وأصبغ أن الذي شرطه محمد هو تساوي السعرين والذي شرطه أصبغ اعتبار سعر بلد التقويم لا بلد الإخراج سواء اتفق سعرهما أو اختلف . والحاصل أن محمدا شرط مساواة السعرين وأن أصبغ لم ينظر إلا إلى قيمة الصيد ، فإن اشترى بهما طعاما على سعر بلد الإخراج أجزأ وهو قريب من كلام ابن وهب ; لأنه قال : إن اختلف السعران أخرج قيمة الطعام الذي حكم عليه به عينا حيث أصاب الصيد فيشتري بمثل تلك القيمة طعاما حيث أحب أن يخرجه فيتصدق به غلا بتلك البلدة أو رخص فاعتبر قيمة الطعام ، واعتبر أصبغ قيمة الصيد ويشتري بها طعاما في بلد الإخراج من غير نظر إلى مساواة الطعامين ا هـ .

( أو ) صيام أيام بعدد الأمداد ( لكل مد صوم يوم ) وإن جاوز ذلك شهرين وثلاثة قاله فيها ( وكمل ) بشد الميم اليوم أو المد ( لكسره ) أي المد وجوبا في الصوم وندبا في المد قاله الباجي ( فالنعامة ) جزاؤها ( بدنة ) لمقاربتها لها في القدر والصورة ( والفيل ) جزاؤه بدنة ( بذات سنامين ) لقربها منه . ابن الحاجب لا نص في الفيل . ابن ميسر بدنة خراسانية ذات سنامين ، وقال القرويون القيمة . وقيل قدر وزنه لغلاء عظمه . قال بعضهم : وصفة وزنه أن يجعل في مركب وينظر إلى حيث ينزل في الماء ثم يزال منه ويجعل [ ص: 362 ] فيه طعام حتى ينزل ذلك في الماء . ابن راشد ويتوصل إلى وزنه بالقبان قيل الأولى حذف الباء أو ذات .

وأجيب بأن ذات صفة محذوف أي ببدنة ذات البدر قوله فالنعامة بدنة إلخ أي إن أراد إخراج المثل إذ له أن يطعم أو يصوم وكذا يقال فيما بعده عج فيه نظر إذ الذي يفيده النقل أنه يتعين في النعامة وما بعدها ما ذكره المصنف فقوله مثله من النعم إلخ ، فيما يرد فيه النص على شيء بعينه وأطال في ذلك ، وتبعه عب . طفي ما قاله عج خطأ فاحش خرج به عن أقوال المالكية كلهم وأطال في ذلك بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع ، وما أدري أين هذا النقل الذي يفيد ما زعمه . والصواب ما ذكره شيخه البدر إذ كتب المالكية مصرحة بأن البدنة التي في النعامة والبقرة التي في حمار الوحش والعنز الذي في الظبي وغير ذلك مما حكمت به الصحابة رضي الله تعالى عنهم بيان للمثل المذكور في الآية المخير فيها ، ولولا الإطالة لجلبنا من كلامهم ما يثلج له الصدر ولما ذكر الباجي ما في الموطإ أن عمر وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما حكما على رجل أصاب ظبيا بعنز ، قال يريد أنه اختار المثل ولذا حكما عليه بعنز ، ومن تصفح كلام الأئمة ظهر له ما قلناه { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } .

( وحمار الوحش ) ويقال له العير بفتح العين المهملة وسكون التحتية ولأنثاه حمارة وأتان ( وبقره ) أي : الوحش والإيل بكسر الهمز فمثناة تحتية مشددة قريب من البقر طويل العنق جزاء كل واحد منها ( بقرة ) بتاء الوحدة لا التأنيث فتشمل الذكر أيضا وجمعهما بقر وبقران وبقر بضمتين وهو مخير بينها وبين الإطعام والصيام كما تقدم ( والضبع ) الجوهري الضبع معروفة ولا يقال ضبعة ; لأن الذكر ضبعان ( والثعلب ) معروف . الكسائي الأنثى ثعلبة والذكر ثعلبان في كل ( شاة ) أي : واحدة من غنم فذكر وتؤنث ، وظاهره ولو خيف منهما ولا يندفعان إلا بقتلهما فما الفرق بينهما وبين الطير المخوف منه إلا بقتله . وفرق بسهولة التحرز منهما بصعود نخلة مثلا بخلاف الطير . البناني يتعين حمل [ ص: 363 ] كلام المصنف على غير المخوف منها إلا بقتلهما وإلا فلا جزاء صرح به القاضي في التلقين .

وشبه في الشاة فقال ( كحمام مكة ) أي : المصيد فيها وإن كان طارئا عليها من الحل ( والحرم ) عطف عام على خاص إلحاقا لغيرها منه بها عند مالك وأصبغ وعبد الملك رضي الله تعالى عنهما وهو المشهور ، ومذهب المدونة . وقال ابن القاسم فيه حكومة كحمام الحل الذي صاده محرم ( ويمامها ) أي المصيد في الحرم ومنه مكة وإن لم يولد به ، والدبسي والفاخت والقمري بضم القاف وذات الأطواق كلها حمام قاله القرطبي ، وفيها أنها ملحقة به وتجب الشاة في حمام ويمام الحرم ( بلا حكم ) كالاستثناء من قوله والجزاء بحكم عدلين فكأنه قال إلا حمام مكة فشاة بلا حكم لخروجه عن الاجتهاد لتقرره بالدليل .

ولا يخفى أن هذا جار في النعامة إلخ ، فلو فرق بأنه لما كان بين الجزاء والصيد بون عظيم في القدر والصورة لم ينظر إلى تفاوت أفراد الصيد وبأن تفاوت أفراد الحمام يسير فلم يعتبر لكان حسنا ، وقد خالف حمام مكة والحرم ويمامهما سائر الصيد في أنه ليس فيه مثل ، وأنه لا يحتاج لحكم ، وأنه لا إطعام فيه خلافا لأصبغ ، فإن عجز عن الشاة صام عشرة أيام وكان فيه شاة ; لأنه يألف الناس فشدد فيه لئلا يتسارع الناس إلى قتله ، فإن اصطاده حل في الحل ومات باصطياده أو ذكاه بعده خارج الحرم فلا شيء عليه ، وإن قتله محرم في الحل فعليه قيمته طعاما أفاده عبق .

البناني قوله ; لأنه من الديات التي تقررت بالدليل أي لتعينها وعدم التخيير فيها والحكم إنما يكون فيما فيه تخيير ، وهذا التوجيه ذكره الجزولي ، وقوله ولا يخفى أن هذا التعليل جار في النعامة ونحوها غير صحيح ; لأنها فيها التخيير كما تقدم فلم يتعين فيها شيء . وقوله فلو فرق بأنه لما كان إلخ يقتضي أنه لم يقله أحد قبله وفيه نظر إذ هو نص ابن المواز ، قال لا بد من الحكم في كل جزاء حتى جزاء الجراد إلا حمام مكة ; لأن ما اتفق [ ص: 364 ] عليه من الشاة فيه ليس بمثل والحكم إنما يحتاج إليه لتحقيق المثل . قوله فإن اصطاده حل في حل إلخ أي : فيجوز اصطياده أبو الحسن . ظاهر الكتاب جواز اصطياده وإن كان له فراخ في الحرم . ابن ناجي إن كان له فراخ في الحرم فالصواب تحريم صيده لتعذيب فراخه حتى يموتوا .

( و ) في الحمام ( للحل ) أي المصيد فيه وإن ولد بالحرم فاللام بمعنى في كقوله تعالى { لا يجليها لوقتها إلا هو } . وقوله جل شأنه { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } .

( و ) في ( ضب وأرنب ويربوع وجميع الطير ) المصيد في حل لمحرم أو حرم مطلقا ولو بمكة غير حمام الحرم ويمامه وغير ما ألحق بهما ، ولو قال وباقي كان أحسن ( القيمة ) معتبرة يوم الإتلاف ( طعاما ) أو عدلها صياما ، فإن الذي عليه أهل المذهب أن الصيد الذي لا مثل له لصغره يخير فيه بين الإطعام والصيام ، وما له مثل يخير فيه بين المثل والإطعام والصيام ولم يفصل فيما لا مثل له بين الطير وغيره ، قاله فيها لا بأس بصيد حمام مكة في الحل للحلال . ابن يونس هذا يدل على أنه إن صاده المحرم في الحل فإنما عليه قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما ، وإنما تكون فيه الشاة إذا صاده في الحرم .

( والصغير ) من الصيد فيما وجب من مثل أو طعام أو صيام بدلا عن الأمداد قلة وكثرة ( والمريض ) منه ( والجميل ) في صورته والأنثى والمعلم ولو منفعة شرعية ( كغيره ) من كبير وسليم وقبيح ، وذكروا ما ليس بمعلم فتساوي المذكورات مقابلاتها في الواجب كالديات ولم يقل والقبيح مع أنه المناسب لما قبله لاقتضائه خلاف المنصوص من أن الجميل يقوم على أنه قبيح لا العكس . القرافي الفراهة والجمال لا يعتد بهما في تقويم الصيد ; لأن تحريمه لأكله وإنما يؤكل اللحم فالمعيب عيبا لا يؤثر في اللحم كالسليم فيقوم ذات الصيد [ ص: 365 ] بقطع النظر عن ذكورته وأنوثته ، ولا تقوم الأنثى على أنها ذكر ولا الذكر على أنه أنثى . ابن عبد السلام ولم يعتبر أهل المذهب تلك الصفات في الجزاء إذا كان هديا فلما لم يعتبروها في أحد أنواع الجزاء إذا كان مثلا من النعم ألحقوا به بقية أنواعه هذا في القيمة الواجبة لحق الله تعالى .

( و ) لو كان الصيد الموصوف بشيء مما ذكر مملوكا لشخص بأن كان معلما منفعة شرعية أو صغيرا أو جميلا أو مريضا قوم لحق الله تعالى غير معتبر وصفه و ( قوم لربه ب ) اعتبار ( ذلك ) الوصف القائم به من التعلم أو الصغر أو الجمال أو المرض أو ضدها ( معها ) أي : القيمة الواجبة لحق الله تعالى أي : مع إخراجها فيعطي ربه قيمته على أنه معلم مثلا ويخرج قيمته أي : جزاءه للفقراء على أنه غير معلم فتلزمه قيمتان قيمة مجردة عن المنفعة وقيمة مع اعتبارها .

( واجتهدا ) أي : الحكمان وجوبا ( وإن روي ) بضم فكسر ( فيه ) أي : الصيد شيء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم بخصوصه كبدنة في نعامة وذات سنامين في فيل وصلة اجتهدا ( فيه ) أي الجزاء الذي يحكمان به إن لم يرو فيه شيء عن الصحابة ، بل وإن روي فيه شيء عنهم ففيه لف ونشر غير مرتب ولو حذف أحدهما كان أحسن وكان من التنازع . ومعنى اجتهادهما في المروي فيه شيء اجتهادهما في السمن والهزال والسن ، فمصب الرواية النوع ومصب الاجتهاد الصفات كالسمن والسن بأن يريا أن في هذه النعامة بدنة سمينة أو هزيلة مثلا لسمن النعامة أو هزالها وكأن يريا أن في هذه النعامة ناقة سنها خمس سنين لصغرها ، وفي هذه النعامة ناقة سنها سبع سنين لكبرها .

عبد الوهاب لم يكتف بحكم الصحابة لقوله تعالى { يحكم به ذوا عدل منكم } أفاده عب . الرماصي قوله واجتهدا إلخ أمر للحكمين بالاجتهاد إن كانا من أهله ; لأن هذا الكلام للإمام مالك رضي الله تعالى عنه وزمانه زمن اجتهاد ، قال فيها ولا يكتفيان في الجزاء بما روي وليبتدئا الاجتهاد ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى . ا هـ . ألا ترى أن عمر رضي الله تعالى عنه [ ص: 366 ] قضى في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة وهي دون العناق وخالفه مالك رضي الله تعالى عنه محتجا بأن الله تعالى قال { هديا بالغ الكعبة } ، فلا يصح أن يخرج ما ليس بهدي لصغره ، وهذا معنى قوله وإن روي فيه ونحوه قول ابن الحاجب فيحكمان عليه باجتهادهما لا بما روى ابن عبد السلام ، أي : عن السلف . وأما ما روي عن النبي فلا يصح العدول عنه كما في الضبع أنه قضى فيه بكبش .

فإن قلت تقرر في أصول الفقه أن مذهب مالك رضي الله تعالى عنه أن قول الصحابي حجة فلم لا يكتفي الحكمان بما روي عن الصحابة في هذا الباب . قلت لم يخرج مالك رضي الله تعالى عنه عن أصله إذ معنى قوله فيحكمان عليه باجتهادهما لا بما روي إذا وقع بين الصحابة أو من بعدهم خلاف .

وأما إذا اتفقوا على شيء فلا يحل العدول عنه في هذا الباب ولا في غيره ، ألا ترى إلى قولها ولا يكتفيان في الجزاء بما روي وليبتدئا الاجتهاد ولا يخرجان عن أثر من مضى ، وكذا في الموازية والعتبية من رواية أشهب لا يكتفي في الجراد ولا في غيره أو النعامة أو البقرة فما دونها بالذي جاء في ذلك حتى يأتنفا الحكم فيه ولا يخرجا عما مضى ا هـ .

كلام ابن عبد السلام وبه تعلم أن اجتهادهما في الواجب لا في سمنه وهزاله كما قال أبو الحسن إذ ظاهر كلامهم أنهما لا يتعرضان لذلك ، وإنما عليهما أن يأتيا بما يجزئ ضحية ، وهنا أمران أحدهما : الحكم لا بد منه حتى في المروي فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الذي اتفق السلف عليه ; لأن الله تعالى قال { يحكم به } فأتى بالمضارع الدال على الحال والاستقبال ، ووقع في الآية جواب الشرط فخلصه للاستقبال .

ثانيهما : إذا حكما لا بد من الاجتهاد في محله ، فقد قال الباجي في قول مالك رضي الله تعالى عنه في الموطإ لم أزل أسمع في النعامة إذا قتلها المحرم بدنة يريد أن ذلك شائع قديم تكرر حكم الأئمة به وفتوى العلماء به ، ومع ذلك فلا يجوز إخراجها إلا بعد الحكم [ ص: 367 ] بها وتكرر الاجتهاد في ذلك . أقول حيث كان الاجتهاد مشروطا بعدم الخروج عما روي عن السلف لم يبق متعلق إلا الصفات من السن والسمن والهزال كما قال أبو الحسن وهو الظاهر ، ويؤيده مخالفة مالك عمر رضي الله تعالى عنهما في العناق والجفرة والله سبحانه وتعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث