الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ولم يؤكل من نذر مساكين عين مطلقا عكس الجميع فله إطعام الغني والقريب وكره لذمي [ ص: 385 ] إلا نذرا لم يعين ، والفدية والجزاء بعد المحل ، وهدي تطوع إن عطب قبل محله فتلقى قلادته بدمه ويخلى للناس : [ ص: 386 ] كرسوله ، وضمن في غير الرسول بأمره ، بأخذ شيء : كأكله من ممنوع بدله ، [ ص: 387 ] وهل إلا نذر مساكين عين ، فقد أكله ؟ خلاف ، والخطام والجلال : كاللحم .

التالي السابق


( ولم يؤكل ) بضم المثناة وفتح الكاف أي : يحرم على المهدي أن يأكل ( من نذر ) أي : منذور ل ( مساكين عين ) بضم فكسر مثقلا لهم باللفظ كهذا نذر للمساكين أو بالنية كهذا نذر ناويا للمساكين فيمنع الأكل منه ( مطلقا ) بلغ محله وهو منى بشروطها أو مكة عند انتفائها أو لم يبلغه معينين أم لا . أما عدم أكله منه قبل المحل فلأنه ليس عليه بدله فيتهم بتعطيبه ليأكل منه ، وأما بعد المحل فلأنه قد عين أكله وهم المساكين ( عكس ) أي : خلاف حكم ( الجميع ) أي : جميع الهدايا متطوعا بها أو واجبة ما تقدم ذكره من واجب لنقص بحج أو عمرة أو فوات أو تعدي ميقات أو ترك وقوف بعرفة نهارا أو نزول بمزدلفة ليلا أو مبيت بمنى أو رمي جمار أو طواف قدوم أو تأخير حلق ، وكهدي فساد على المشهور ، وما لم يتقدم ذكره كنذر غير معين لم يجعله للمساكين فله الأكل منها مطلقا بلغت محلها أم لا ، ويتزود قال الله تعالى { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } ، فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما القانع بالسائل لعطف المعتر عليه وهو من يعرض بالسؤال ولا يسأل .

وإذا جاز له الأكل في الجميع ( فله ) أي : المهدي ( إطعام الغني والقريب ) وإن لزمته نفقته وله التصدق بالكل والبعض بلا حد على المذهب قاله سند ( وكره ) له الإطعام منها ( لذمي ) أو التصدق عليه بشيء منها ، واستثنى من الجميع ما يؤكل في حال دون آخر وتحته نوعان ما يؤكل منه قبل المحل لا بعده وعكسه . [ ص: 385 ] وأشار لأولهما بقوله ( إلا نذرا ) للمساكين ( لم يعين ) ك لله علي هدي للمساكين ، أو لله علي هدي أو بدنة ناويا للمساكين ، فإن لم يجعله لهم بلفظ ولا نية فيجوز له الأكل منه مطلقا قبل المحل وبعده كما تقدم ( و ) إلا ( الفدية ) التي جعلت هديا وإلا فيمنع الأكل منها مطلقا ( و ) إلا ( الجزاء ) لصيد فلا يأكل من هذه الثلاثة ( بعد ) بلوغ ( المحل ) وهي منى مع الشروط ومكة مع عدمها . وامتنع الأكل من نذر المساكين غير المعين لوصوله لهم ، ومن الفدية ; لأنها بدل الترفه أو إزالة الأذى ، ومن الجزاء ; لأنه عوض الصيد ومفهوم بعد المحل جواز الأكل منها إذا عطبت قبل محلها لوجوب بدلها عليه وبعثه إلى المحل ، فلا يلزم الأكل مما وجب عليه .

وأشار لثانيهما بقوله ( و ) إلا ( هدي تطوع ) لم يجب بشيء ولم يجعله للمساكين بلفظ ولا نية فلا يأكل منه ( إن عطب قبل محله ) ; لأنه ليس عليه عوضه إلا أن يمكنه تذكيته ويتركها حتى مات فيضمنه ; لأنه مأمور بها ومؤتمن عليه قاله سند . ومنع أكله منه قبله لإتهامه على تعطيبه . وقيل المنع تعبد فإن سماه أو نواه للمساكين فلا يأكل منه قبل ولا بعد ( فتلقى ) بضم المثناة وفتح القاف أي : تطرح ( قلادته بدمه ) بعد نحره علامة كونه هديا فلا يؤكل ولا يباع ( ويخلى ) بضم ففتح مثقلا أي : يترك ( للناس ) مسلمهم وكافرهم فقيرهم وغنيهم كما هو ظاهر عبارته ونحوها .

قولها ويخلى بين الناس وبينه صرح به ابن عبد السلام والموضح خلاف ما ذكره سند من أن هدي التطوع مختص بالفقير ، ونقله بالفقير ، ونقله الحط ، وأفاد قوله ويخلى للناس أمرين إجزاءه مع توهم طلب ببدله ومنع أكله منه ، فإنه كالمبالغة في أنه لا يتعلق بشيء منه . ومفهوم الشرط جواز أكله منه بعده .

وحاصل ما ذكره هنا من الهدايا ثمانية وهي أقسام النذر الأربعة المعين والمضمون وكل منهما إما أن يجعل للمساكين أو لا ، وهدي النقص والفدية والجزاء وهدي التطوع [ ص: 386 ] وهي باعتبار الأكل أربعة أقسام : ما يمنع أكله منه مطلقا ، وما يجوز أكله منه مطلقا ، وما يمنع أكله منه بعد محله ويجوز قبله وعكسه كما أفادها المصنف ، ونظمها ابن غازي بإحكامها في نظائر الرسالة فقال :

كل هدي نقص والذي ضمنتا إن لم تكن سميت أو قصدتا     ودع معينا إذا فعلتا
وقبل كل جزاء صيد نلتا     وهدي فدية الأذى إن شئتا
وما ضمنت قصدا وصرحتا     وبعد كل طوعا وما عينتا
إن لم تكن سميت أو أضمرتا



وشبه في تذكية هدي التطوع وإلقاء قلادته بدمه والتخلية بينه وبين الناس فقال ( كرسوله ) أي : رب الهدي الذي أرسله بهدي تطوع فعطب منه قبل محله فيذكيه ويلقي قلادته بدمه ويخليه للناس فلا يأكل منه . قاله الشيخ سالم ويحتمل أنه تشبيه في جميع ما تقدم من الأحكام والأفعال وهو الأظهر فيها والمبعوث معه الهدي يأكل منه إلا من الجزاء أو الفدية أو نذر المساكين فلا يأكل منه شيئا إلا أن يكون الرسول مسكينا فجائز أن يأكل منه . وقال في هدي التطوع وإن بعث بهما مع رجل فعطبت فسبيل الرسول سبيل صاحبها لو كان معها ولا يأكل منها الرسول .

( وضمن ) رب الهدي ( في غير ) مسألة ( الرسول ب ) سبب ( أمره ) أي : رب الهدي شخصا ( بأخذ شيء ) من هدي ممنوع أكله منه . وشبه في الضمان فقال ( كأكله ) أي : ربه ( من ) هدي ( ممنوع ) أكله منه ومفعول ضمن قوله ( بدله ) أي الهدي هديا كاملا لا قدر أكله أو ما أخذه مأموره فقط ، سواء أمر مستحقا أو غيره إن كان الهدي تطوعا كغيره إن أمر غير مستحق ، وإلا فلا شيء عليه . وأما الرسول فلا ضمان على المهدي إن لم يأمره به ; لأنه أجنبي تعدى ، ولا على الرسول إن أكل أو أمر من يأكل أو يأخذ شيئا إن كان مستحقا ومأموره مستحق ، وإلا ضمن قدر أكله وقدر مأخوذه . [ ص: 387 ] وإن أبدله رب الهدي صار كحكم مبدله في منع الأكل منه وضمان البدل إن أكل منه .

( وهل ) على ربه البدل كاملا في كل ممنوع كالأربع السابقة وغيرها . وشهره صاحب الكافي أو ( إلا نذر مساكين عين فقدر أكله ) لحما إن عرف وزنه وقيمته إن لم يعرفه ; لأنه شبيه بالغاصب وشهره ابن الحاجب ( خلاف ) في التشهير والثاني هو المعتمد ; لأنه قول ابن القاسم فيها . وأشعر قوله قدر أكله أن الخلاف غير جار فيما أمر بأخذه من نذر المساكين المعين فلا يضمن هديا كاملا باتفاق قاله عج . قال البناني الذي يظهر من كلام المصنف أنه يضمن هديا كاملا لدخوله في عموم ما قبل الاستثناء وإن كان ما ذكره ز هو الظاهر من الفقه ( والخطام ) بكسر الخاء المعجمة أي : الزمام للهدايا سمي به لوقوعه على مخطمه أي : أنفه ( والجلال ) بكسر الجيم جمع جل بضمها ( كاللحم ) في المنع والإباحة وهو تشبيه غير تام ; لأنه إن أخذ قطعة من هذين أو أحدهما أو أمر بأخذها وإن حرم عليه ذلك فإنما ضمن قيمة ما أخذ فقط للفقراء إن فاتت وإلا رده .

في التوضيح والمطلوب أن لا يعطي الهدي إلا بعد نحره فإن دفعه حيا للمساكين ونحروه أجزأ وإلا فعليه بدله ولو تطوعا . أما الواجب فظاهر لعدم براءة ذمته منه ، وأما التطوع فقد أفسده بعد دخوله فيه فوجب عليه قضاؤه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث