الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان شروط الجمعة وسننها ومندوباتها ومكروهاتها ومسقطاتها

جزء التالي صفحة
السابق

والجمعة للعتيق ، وإن تأخر أداء . [ ص: 428 ] لا ذي بناء خف ، وفي اشتراط سقفه ، وقصد تأبيدها به ، وإقامة الخمس : تردد ، وصحت برحبته ، [ ص: 429 ] وطرق متصلة إن ضاق ، أو اتصلت الصفوف . لا انتفيا : [ ص: 430 ] كبيت القناديل ، وسطحه ، ودار ، وحانوت ، وبجماعة تتقرى بهم قرية ، بلا حد أولا ، وإلا فتجوز باثني عشر : باقين لسلامها [ ص: 431 ] بإمام مقيم إلا الخليفة يمر بقرية جمعة ولا تجب عليه ، [ ص: 432 ] وبغيرها تفسد عليه وعليهم

التالي السابق


( والجمعة ) الصحيحة ( ل ) لجامع ا ( لعتيق ) أي الذي صليت فيه قبل غيره ولو تأخر بناؤه عن غيره إن تقدم أداء الجمعة فيه على أدائها في الجديد في غير الجمعة الأولى أيضا بل ( وإن تأخر ) بفتحات مثقلا العتيق ( أداء ) تمييز محول عن الفاعل أي أداء الجمعة في العتيق عن أدائها في الجديد فهي في الجديد باطلة وصحيحة في العتيق ما لم يهجر العتيق ، فإن هجر وصليت في الجديد وحده صحت فيه ما دام العتيق مهجورا ، فإن صليت فيه بطلت في الجديد إلا أن يتناسى العتيق بالمرة فتكون الجمعة للثاني قاله اللخمي . وظاهره سواء كان هجر العتيق لموجب أم لا وسواء دخلوا على دوام هجره أم لا وما لم يحكم حاكم حنفي بصحتها بالجديد تبعا بحكمه بلزوم نحو عتق معلق على صحتها في الجديد بأن قال السيد لرقيقه إن صحت الجمعة في هذا المسجد فأنت حر ، وصليت فيه مع صلاتها في العتيق ، فذهب الرقيق إلى الحاكم الحنفي فحكم بلزوم عتقه لصحة الجمعة في غير العتيق في مذهبه فسرى حكمه لصحة الجمعة المعلق عليها عتقه ; لأن الحكم بالمعلق يستلزم الحكم بالمعلق عليه فصحت عندنا أيضا ; لأن حكم الحاكم برفع الخلاف ، وسواء كان التعليق من باني المسجد أو غيره ولا فرق بين الجمعة السابقة على الحكم والمتأخرة عنه ، ولا يحكم بصحة الجمعة صراحة ; لأن حكم الحاكم لا يدخل العبادات استقلالا ، ويدخلها تبعا قاله القرافي ، وهو المعتمد .

وقال ابن راشد يدخلها استقلالا وما لم يحتاجوا لصلاتها بالجديد لضيق العتيق وعدم إمكان توسعته لملاصقته لجبل أو بحر ، أو أداء توسعته لتخليط في الصلاة أو لعداوة بينهم بحيث إن اجتمعوا في العتيق يقتتلون ولا يمنعه منه حاكم ، فإن زالت العداوة أو منعهم [ ص: 428 ] حاكم من القتال فلا تصح إلا في العتيق ، فإن عادت العداوة أو ارتفع الحكم صحت في الجديد ; لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ( لا ) تصح الجمعة في جامع ( ذي ) أي صاحب ( بناء خف ) بفتح الخاء المعجمة والفاء مشددة أي قل ونقص عن بناء أهل البلد المعتاد عطف على مقدار أي ذي بناء معتاد .

( وفي اشتراط سقفه ) أي المحل المعتاد سقفه من المسجد في صحة الجمعة لا نحو صحته وعدم اشتراطه تردد والذي دل عليه نقل المواق عن الباجي وابن رشد أنه في دوامه مع اتفاقهما على أنه لا يسمى مسجدا ابتداء إلا إذا كان مسقوفا فإذا هدم وزال سقفه فهل تزول عنه المسجدية ، وهو قول الباجي أو لا ، وهو قول ابن رشد ، والذي ذكره سالم وتت وعج أنه في الابتداء والدوام ، والذي رجحه الحط عدم اشتراطه ابتداء ودواما .

( و ) في اشتراط ( قصد تأبيدها ) أي الجمعة ( به ) أي الجامع وعدمه ، وهو الأرجح تردد ، ومحل اشتراط قصد تأبيدها به على القول به حيث نقلت من مسجد لآخر أما إن أقيمت فيه ابتداء فالشرط أن لا يقصدوا عدمه بأن قصدوا التأبيد أو لم يقصدوا شيئا منهما ( و ) في اشتراط ( إقامة ) الصلوات ( الخمس به ) أي الجامع لصحتهما به فإن بني للجمعة خاصة أو تعطلت الخمس به لغير عذر فلا تصح الجمعة فيه ، وعدم اشتراطها وهو المعتمد ( تردد ) في الحكم للمتأخرين لعدم نص المتقدمين حذفه من الأولين لدلالة هذا عليه .

وكلام المصنف يوهم أن الشق الثاني مصرح به في عبارة بعض متأخري المذهب في الفرع الأخير . وليس كذلك ، وإنما أشار بالتردد فيه لاشتراط ابن بشير وسكوت غيره عنه ، فنزله منزلة التصريح بعدم اشتراطه إذ لو كان شرطا لنبهوا عليه .

( وصحت ) الجمعة من مأموم لا إمام فشرط صحتها خطبته وصلاته في الجامع ، ولو ضاق ; لأنه متبوع ، وصحتها في غيره بالتبعية لمن فيه والمتبوع لا يكون تابعا ( برحبته ) أي ما زيد خارج سور الجامع المحيط به لتوسعته كالمحيط بقبة جامع محمد بيك المقابل [ ص: 429 ] للجامع الأزهر بالقاهرة وبقبة السنية ببولاق ، وليس للأزهر رحبة .

( و ) ب ( طرق متصلة ) بالجامع بلا حائل من بيوت وحوانيت ولا حد لها ولو طالت كميلين ولا فرق بين كونها مساوية للمسجد أو كونه مرتفعا عنها بحيث يصعد إليه بدرج أو كونها مرتفعة عنه بحيث ينزل إليه منها بدرج ، وظاهره ولو كان بها أرواث الدواب ، وأبوالها . وقيدها عبد الحق بما إذا لم تكن عين النجاسة قائمة إلا أعاد أبدا إذا وجد ما يبسطه عليها ، وإلا كان كمن صلى بثوب نجس لم يجد غيره ، وقد يقال ليس الكلام الآن في الصلاة عليها بل في عدم ضرر الفصل بها خلافا لمن قال الفصل بالنجس يضر كالحنفية .

ومفهوم متصلة أنه لو فصل بين حيطانه وبين الطريق بيوت أو حوانيت كالطريق التي بجانب الأزهر من جهة الجنوب وجهة المغرب فلا تصح الجمعة فيها ، وهو الذي يفيده كلام سالم . واستظهر العدوي صحتها على مساطب الحوانيت ، ومثل الطرق المتصلة الدور والحوانيت المتصلة إذا لم تكن محجورة ، والمدارس المتصلة كالتي حول الجامع الأزهر كالجوهرية والطربسية والابتغاوية . وأما الأروقة التي فيه فهي منه وإن اختص بها بعض الناس فهو تعد وغصب لبعض الجامع المباح لعموم المسلمين . وعلى أن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا تصح الجمعة فيها ، وإن حجرت ، وعلى مقابله لا تصح فيها إن حجرت . ومقامات الأولياء التي بجنب المسجد كمقام أبي محمود الحنفي والسيدة زينب وسيدنا الحسين من الطرق المتصلة فتصح الجمعة فيها ولو لم تفتح إلا في بعض الأوقات قرره العدوي ومحل الصحة في الرحبة والطرق المتصلة .

( إن ضاق ) الجامع ( أو ) لم يضق ، و ( اتصلت الصفوف ) بالرحبة أو الطريق المتصلة ( لا ) تصح الجمعة برحبة ولا طريق متصلة إن ( انتفيا ) أي الضيق واتصال الصفوف ، والذي للإمام مالك رضي الله تعالى عنه في المدونة وسماع ابن القاسم صحتها إن انتفيا أيضا ، وهو المعتمد لكن مع الكراهة الشديدة وصرح بمفهوم الشرط ليشبه به قوله [ ص: 430 ] كبيت القناديل ) المعد لخزنها ، وإصلاحها فلا تصح الجمعة فيه لحجره ، ومثله بيت الحصر والبسط وماء السقي ، وظاهره ولو ضاق المسجد وبحث سند فيه بأنه من المسجد ، وقصر على بعض مصالحه فهو أخف من الصلاة في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فإن نساءه صلين الجمعة فيها على عهده صلى الله عليه وسلم إلى أن متن ، وهي أشد تحجيرا من بيت القناديل . ويجاب بأنه خصوصية لهن للتشديد عليهن في لزومها بقوله تعالى { وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية } .

( وسطحه ) أي الجامع فلا تصح الجمعة عليه ولو ضاق ، هذا قول ابن القاسم في المدونة . ابن شاس ، وهو المشهور .

وقيل تصح عليه مطلقا مع الكراهة ، وهو للإمام مالك رضي الله تعالى عنه وأشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ رضي الله تعالى عنهم ، وقيل تصح عليه لخصوص المؤذن ، وهو لابن الماجشون أيضا . وقيل يجوز عليه إن ضاق المسجد ، وهو قول حمديس ، ومفهوم سطحه صحتها بدكة المبلغين ، وهو كذلك إن لم تحجر .

( و ) لا تصح في ( دار وحانوت ) متصلين بالجامع إن كانا محجورين ، وإلا صحت فيهما ( و ب ) حضور ( جماعة ) عطف على باستيطان بلد ( تتقرى ) بفتحات مثقلا أي تعمر ( بهم قرية ) بحيث لا يرتفقون في معاشهم بغيرهم ويدفعون عن أنفسهم العدو غالبا ( بلا حد ) في عدد مخصوص كخمسين ( أولا ) بشد الواو منونا أي أول جمعة تقام في البلد ، فإن حضر منهم فيها من لا تتقرى بهم قرية فلا تصح ولو اثني عشر .

( وإلا ) أي ، وإن لم تكن الجمعة الأولى ( فتجوز ) الجمعة ( ب ) حضور ( اثني عشر ) رجلا أحرارا متوطنين غير الإمام ( باقين ) مع الإمام من أول الخطبة بحيث لا تفسد صلاة أحد منهم ( لسلامها ) ومفهوم باقين إلخ أنه لو فسدت صلاة أحدهم ولو بعد سلام الإمام بطلت على الجميع ، هذا الذي فهمه المصنف من كلام ابن عبد السلام ، والذي فهمه الحط [ ص: 431 ] منه أن الجماعة الذين تتقرى القرية بهم شرط وجوب وصحة ، ولكن يكفي في صحة الجمعة سواء كانت الأولى أو غيرها حضور اثني عشر منهم غير الإمام من أول الخطبة للسلام واعتمده الأشياخ والمواق لهذا وبحضور اثني عشر باقين لسلامها من جماعة تتقرى بهم قرية .

ويمكن تنزيل عبارة المصنف على هذا بأن يقال قوله أولا أي عند توجه خطابهم بها ووجوبها عليهم ، وقوله ، وإلا فتجوز إلخ أي ، وإلا يعتبر حال الخطاب واعتبر حال فعلها فتجوز باثني عشر إلخ وفي الجمعة الأولى وغيرها .

فلو تفرق من تقرت بها في أشغالهم كحرث أو حصاد وبقي منهم فيها اثنا عشر رجلا والإمام جمعوا قاله ابن عرفة ، فإن ارتحلوا منها وبقي فيها اثنا عشر والإمام جمعوا إن رحل غيرهم إلى أماكن قريبة بحيث يمكنهم الاستغاثة بهم عند هجوم عدو ، وإلا فلا . ( بإمام ) أي حال كون الاثني عشر مع إمام ( مقيم ) بالبلد الذي تصلى الجمعة فيه إقامة قاطعة حكم السفر ولو لم يكن من أهل البلد المتوطنين به لغير الخطبة ولو سافر عقب الصلاة أو خارجها بكفرسخ لوجوبها عليه ، وإن لم تنعقد به . وأما المقيم خارجا عن كفرسخ فلا تصح إمامته لعدم وجوبها عليه فيلزم اقتداء مفترض بشبه متنفل هذا قول ابن غلاب وابن عمر ، وهو المعتمد . وفي حاشية الطرابلسي على المدونة لا تصح إمامة غير المتوطن بقرية الجمعة فيها ، وهو ضعيف قاله العدوي ، واستثنى من مفهوم مقيم فقال ( إلا الخليفة ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإمامة والحكم أو نائبه في الإمامة والحكم كالباشا لا في الحكم فقط كالقاضي حال كونه ( يمر ) ، وهو مسافر سفر قصر ( بقرية جمعة ) أي وجبت الجمعة على أهلها لاستيفائهم شروطها من عمله قبل صلاتهم .

( و ) الحال أنه ( لا تجب ) الجمعة ( عليه ) أي الخليفة لكونه مسافرا أربعة برد فيندب أن يؤمهم فيها ، وإن مر عليهم بعد صلاتهم فيصلي ظهرا ويحرم عليه إعادة الجمعة بهم ، وإن حضر ، وهم فيها ولو بعد عقد ركعة بطلت عليهم ويبتدئها هو أو غيره بإذنه [ ص: 432 ] ويبتدئ الخطبة أيضا ، وقيل لا تبطل إن قدم بعد عقد ركعة . ( و ) إن مر الخليفة ( بغيرها ) أي قرية الجمعة لعدم استيفاء أهلها شروط الجمعة وصلى الجمعة بهم فإنها ( تفسد عليه وعليهم ) فيها لمالك رضي الله تعالى عنه إن جهل الإمام المسافر فجمع بأهل قرية لا تجب فيها الجمعة لصغرها لم تجزهم ولم تجزه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث