الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تبطل الصلاة بالنطق عمدا بكلام مخلوق

جزء التالي صفحة
السابق

( و ) يعذر ( في ) اليسير عرفا من ( التنحنح ونحوه ) مما مر كسعال وعطاس ، وإن ظهر به حرفان ، ولو من كل نحو نفخة ( للغلبة ) لعدم تقصيره ، وهي راجعة للجميع ( وتعذر القراءة الواجبة ) ومثلها غيرها من الأركان القولية الواجبة للضرورة ، وهذا راجع للتنحنح ، فإن كثر في التنحنح ونحوه للغلبة وظهر به حرفان فأكثر وكثر عرفا بطلت صلاته كما قالاه في الضحك والسعال والباقي في معناهما لقطع ذلك نظم الصلاة ، وهذا محمول على حالة لم يصر ذلك في حقه مرضا مزمنا ، فإن صار كذلك بحيث لم يخل زمن من [ ص: 40 ] الوقت يسع الصلاة بلا نحو سعال مبطل لم تبطل كسلس الحدث ، ولا إعادة عليه حينئذ ، ولو شفي بعد ذلك ، ويحمل عليه كلام الإسنوي .

نعم التنحنح للقراءة الواجبة لا يبطلها ، وإن كثر ، ولو ظهر من إمامه حرفان بتنحنح لم يلزمه مفارقته حملا له على العذر ; لأن الظاهر تحرزه عن المبطل . نعم قال السبكي : قد تدل قرينة حاله على عدم عذره فتجب مفارقته . قال الزركشي : ولو لحن في الفاتحة لحنا يغير المعنى وجبت مفارقته كما لو ترك واجبا . ا هـ . ويمكن حمله على ما إذا كثر ما قرأه عرفا فيصير كلاما أجنبيا مبطلا ، وإن كان ساهيا . والأوجه : أي حيث لم تبطل أنه لا يفارقه حتى يركع بل بحث بعضهم عدم اللزوم بعد ركوعه أيضا لجواز سهوه كما لو قام لخامسة أو سجد قبل ركوعه [ ص: 41 ] ولو نزلت نخامة من دماغه إلى ظاهر الفم ، وهو في الصلاة فابتلعها بطلت ، فلو تشعبت في حلقه ولم يمكنه إخراجها إلا بالتنحنح وظهور حرفين ومتى تركها نزلت إلى باطنه ، وجب عليه أن يتنحنح ويخرجها ، وإن ظهر حرفان قاله في رسالة النور .

والأوجه شمول ذلك للصائم أيضا نفلا كان أو فرضا ( لا ) تعذر ( الجهر ) فلا يعذر في التنحنح ولو يسيرا من أجله ( في الأصح ) إذ هو سنة فلا ضرورة لارتكاب التنحنح له ، وفي معنى الجهر سائر السنن كقراءة سورة وقنوت وتكبير انتقال ، ولو من مبلغ محتاج لإسماع المأمومين خلافا للإسنوي ، ومقابل الأصح أنه عذر إقامة لشعار الجهر ، ولو جهل بطلانها بالتنحنح مع علمه بتحريم الكلام عذر لخفائه على العوام .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : ونحوه ) قضية إطلاقه أنه يتنحنح فورا ولا يجب عليه انتظار زواله بنفسه ، وإن غلب على ظنه أنه إن صبر قليلا زال عنه ذلك العارض بنفسه ، وقياس ما ذكره في السعال من وجوب الانتظار حيث رجى زواله أنه هنا كذلك الأولى ، ولا تنقطع به الموالاة ( قوله : الواجبة ) الأولى إسقاطهما للاستغناء عنها بقوله من الأركان ( قوله : من الأركان القولية ) قضيته أنه لا يعذر بغير الركن ، وإن نذره ، لكن قضية قوله بعد إذ هو سنة فلا ضرورة إلخ خلافه ، اللهم إلا أن يقال : المراد بالواجب هنا ما تتوقف عليه صحة صلاته ، والسورة ولو نذرها لا تتوقف الصحة عليها حتى لو تركها عامدا مع علمه بها لم تبطل بذلك ( قوله : فإن كثر في التنحنح ) الأولى حذف في ( قوله : وهو ) أي البطلان ( قوله : مزمنا ) بصيغة اسم المفعول صفة للمرض : أي يدوم زمانا طويلا . وفي المصباح : زمن الشخص [ ص: 40 ] زمنا وزمانة فهو زمن من باب تعب ، وهو مرض يدوم زمانا طويلا والقوم زمنى ، مثل مرضى أزمنه الله فهو مزمن . ( قوله : يسع الصلاة ) هذا ظاهر إن علم الانقطاع في وقت يسع الصلاة ; لأنه لا مشقة عليه في انتظاره ، وإلا فمراقبة ما يزول المانع فيه غاية من الحرج والمشقة ( قوله : لم تبطل ) فإن خلا من الوقت زمنا يسعها بطلت بعروض السعال الكثير فيها ، والقياس أنه إن خلا من السعال أول الوقت ، وغلب على ظنه حصوله في بقيته بحيث لا يخلو منه ما يسع الصلاة وجبت المبادرة للفعل ، وأنه إن غلب على ظنه السلامة منه في وقت يسع الصلاة قبل خروج وقتها وجب انتظاره ، وينبغي أن مثل السعال في التفصيل المذكور من حصل له سبب كسعال أو نحوه يحصل منه حركات متوالية كارتعاش يد أو رأس ، ولو صلى خلف إمام فوجده يحرك رأسه مثلا في صلاة فينبغي أن يقال إن لم توجد قرينة تدل على أن ذلك ليس لمرض مزمن صحت صلاة المأموم حملا ، على أن ذلك لمرض مزمن ، وإلا بطلت .

ووقع السؤال في الدرس عما لو كان السعال مزمنا ولكن علم من عادته أن الحمام يسكن عنه السعال مدة تسع الصلاة هل يكلف ذلك أم لا ؟ وأجبت عنه بأن الظاهر الأول أخذا مما قالوه من وجوب تسخين الماء حيث قدر عليه إذا توقف الوضوء به على تسخينه حيث وجد أجرة الحمام فاضلة عما يعتبر في الفطرة ، وإن ترتب على ذلك فوات الجماعة وأول الوقت ( قوله : ولو ظهر من إمامه ) أي ولو مخالفا ; لأنه إما ناس ، وهو منه لا يضر أو عامد فكذلك ; لأن فعل المخالف الذي لا يبطل في اعتقاده ينزل منزلة السهو ( قوله : يغير المعنى ) كضم تاء أنعمت أو كسرها ( قوله : أي حيث لم تبطل ) أي بأن كان قليلا ( قوله : بعد ركوعه ) هذا هو المعتمد : أي وينتظره المأموم في القيام فإذا قام من السجود ، وقرأ على الصواب وافقه وأتى بركعة بعد سلام الإمام إن لم يتنبه ، وإن لم يقرأ على الصواب استمر المأموم في القيام ويفعل ذلك في كل ركعة ولو إلى آخر الصلاة ، وسيأتي هنا ما يوافق هذا البحث في صلاة الجماعة فهو المعتمد ، ولا ينافيه قوله : قبل والأوجه إلخ ، لجواز أنه قصد به الرد على من قال يفارقه حالا ثم ترقى بما أورده من البحث إلى أنه لا يفارقه مطلقا .

هذا ويمكن أن يفرق بين من كان مذهبه عدم البطلان باللحن المذكور فتجب مفارقته عند الركوع ; لأنه لا يرى العود لما فوته ، وبين من مذهبه البطلان إذا لم يعد فإنه إذا تذكر وجب عليه العود . ( قوله : أو سجد قبل ركوعه ) ويفرق بين هذا وبين ما قيل في المخالف من أنه إذا أخل بركن [ ص: 41 ] في اعتقاد المقتدي دون الإمام تجب مفارقته عند انتقاله إلى ما بعده بأن المخالف الغالب أو المحقق منه أنه لا يرجع لما انتقل عنه ; لأنه فعل ذلك عن اعتقاد ، والموافق متى تذكر رجع فجاز انتظاره ، وإن طال جدا لاحتمال عوده بتقدير تذكره احتمالا قريبا ( قوله : وجب عليه التنحنح ) أي ولا تبطل صلاته ( قوله : وإن ظهر حرفان ) أي أو أكثر بل قياس ما تقدم من اغتفار التنحنح الكثير لتعذر القراءة عدم الضرر هنا مطلقا ( قوله : قاله في رسالة النور ) هي اسم كتاب للشافعي ( قوله : والأوجه شمول ذلك ) أي وجوب التنحنح والإخراج ( قوله : نفلا كان أو فرضا ) أي حيث لم يرد ببلعها قطع النفل من صلاة أو صوم فلا يعذر في التنحنح .

أي ولو كان نذر القراءة جهرا ; لأنها صفة تابعة ، ويؤيده قول المنهج وتعذر ركن قولي ( قوله : لإسماع المأمومين ) أي أو إمام جمعة . م ر ا هـ سم على منهج نعم إن توقف على جهره سماع المأمومين به عذر ، ثم رأيته قال على حج ما نصه : وعليه ينبغي استثناء الجمعة إذا توقفت متابعة الأربعين على الجهر المذكور ، وكان ذلك في الركعة الأولى لتوقف صحة صلاته على متابعتهم المتابعة الواجبة لاشتراط الجماعة في الركعة الأولى لصحتها ، لكن لو كان لو استمروا في الركوع إلى أن يبقى من الوقت ما يسع الجمعة زال المانع واستغنى عن التنحنح فهل يجب ذلك ؟ فيه نظر ، وكذا ينبغي استثناء غير الجمعة إذا توقف حصول فرض الكفاية لهذه الجماعة على ذلك ا هـ . وقوله ينبغي استثناء الجمعة ، وينبغي أن يلحق بها إمام المعادة والمجموعة جمع تقديم بالمطر والمنذور فعلها جماعة ، ويكفي في الثلاث إسماع واحد ، فمتى أمكنه إسماعه وزاد في التنحنح لأجل إسماع غيره بطلت صلاته ; لأنه زيادة غير محتاج إليها . وقوله : فيه نظر الأقرب عدم وجوب الانتظار ، بخلاف المبلغ ; لأن صحة صلاته لا تتوقف على مشاركته لغير الإمام فلا يعذر في إسماعهم .



حاشية المغربي

( قوله : في اليسير عرفا ) أي في الغلبة بخلاف تعذر القراءة كما يأتي ( قوله : وكثر عرفا ) أي ما ظهر من الحروف ( قوله : بحيث لم يخل زمن إلخ ) أي بأن لم يعلم خلوه عن ذلك في الوقت كما يعلم من التشبيه الآتي [ ص: 40 ] قوله : كسلس ) قضيته أنه يلزمه انتظار الوقت الذي يخلو فيه من ذلك وأنه لو أوقع الصلاة في غيره لم تصح ( قوله : ويحمل عليه كلام الإسنوي ) أي القائل بعدم البطلان في الغلبة مطلقا ، والضمير في عليه للحمل المتقدم في قوله وهذا محمول إلخ ( قوله : قال الزركشي : ولو لحن في الفاتحة لحنا يغير المعنى وجب مفارقته كما لو ترك واجبا ) تتمته كما في شرح الروض : لكن هل يفارقه في الحال أو حتى يركع لجواز أنه لحن ساهيا وقد يتذكر فيعيد الفاتحة ، الأقرب الأول ; لأنه لا يتابعه في فعل السهو انتهى . ومنه يعلم أن الحمل الذي حمله عليه الشارح لا يلاقيه ( قوله : والأوجه أنه لا يفارقه حتى يركع ) أي خلافا لما استقر به الزركشي كما مر : أي والصورة أن ما أتى به لم يكثر عرفا بحيث يصير كلاما [ ص: 41 ] أجنبيا عرفا يبطل سهوه كما هو ظاهر .

( قوله : والأوجه شمول ذلك للصائم إلخ ) قد يقال ما الحاجة إلى هذا ، وكان اللائق أن يقول : والأوجه شموله للمفطر ; لأنه هو الذي يمكن التوقف فيه ، وأما إذا أثبتنا الوجوب في حق المفطر فلا يتوقف فيه حق الصائم ; لأنه يتوقف عليه صحة صلاته وصومه ، وعبارة الإمداد والزركشي جوازه : أي وبحث الزركشي جواز التنحنح للصائم لإخراج نخامة تبطل صومه ، والأقرب جوازه لغير الصائم أيضا لإخراج نخامة تبطل صلاته بأن نزلت لحد الظاهر ولم يمكنه إخراجها إلا به انتهت . والوجوب في كلام الشارح بالنسبة للنفل [ ص: 42 ] معناه الوجوب لأجل الصحة كما هو ظاهر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث