الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( و ) منه ( تحية المسجد ) لداخل غير المسجد الحرام وشمل ذلك المساجد المتلاصقة والذي بعضه مسجد وبعضه غيره كما بحثه الإسنوي في باب الغسل ، سواء أكان متطهرا أم محدثا وتطهر عن قرب قبل جلوسه ، وقول الشارح تبعا لغيره لداخله على وضوء جرى على الغالب ، وسواء أكان مريدا للجلوس أم لا ، وقول الشيخ نصر لمريد الجلوس جرى على الغالب كما قاله الزركشي ، إذ الأمر بها معلق على مطلق الدخول تعظيما للبقعة ، وإقامة للشعار ، كما يسن لداخل مكة الإحرام ، وإن لم يرد الإقامة بها ، وسواء أكان مدرسا ينتظر كما في مقدمة شرح المهذب أم لا ، وإن نقل الزركشي عن بعض مشايخه خلافه لعدم استحضاره ذلك ، وسواء أدخل زحفا أم حبوا أم غيرهما .

ويكره تركها إلا إن قرب قيام مكتوبة ، وإن لم تكن جمعة بحيث لو اشتغل بها فاتته فضيلة التحرم مع إمامه وكانت [ ص: 119 ] الجماعة مشروعة له ، وإن كان قد صلاها جماعة أو فرادى فيما يظهر ، أو كان خطيبا ، ودخل وقت الخطبة مع تمكنه منها ، أو دخل والإمام في مكتوبة ، أو خاف فوت سنة راتبة كما في الرونق ، ويؤيده أنه يؤخر طواف القدوم إذا خشى فوات سنة مؤكدة ، أو دخل المسجد مريدا للطواف ، وهو متمكن منه ; لحصولها بركعتيه ، ويحرم الاشتغال بها عن فرض ضاق وقته ، وخرج بالمسجد الرباط ومصلى العيد وما بني في أرض مستأجرة على صورة المسجد ، وأذن بانيه في الصلاة فيه ، وهي ( ركعتان ) للحديث : أي أفضلها ذلك ، وإلا فالزيادة عليهما جائزة وتكون كلها تحية ، فإن سلم ثم أتى بركعتين للتحية لم ينعقد إلا من جاهل فينعقد له نفلا مطلقا ( وتحصل بفرض أو نفل ) نويت أم لا كما ذكره في البهجة ، وإن نوزع فيه لعدم انتهاك حرمة المسجد المقصودة .

نعم لو نوى عدمها لم يحصل فضلها فيما [ ص: 120 ] يظهر ; لوجود الصارف أخذا مما بحثه بعضهم في سنة الطواف ( لا ركعة ) أي لا يحصل بها التحية ( على الصحيح ) لخبر { إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين } .

والثاني نعم لحصول الإكرام بها المقصود من الخبر ويجري فيما بعده ( قلت : وكذا الجنازة وسجدة تلاوة و ) سجدة ( شكر ) فلا تحصل بهذه ، ولا ببعضها للحديث أيضا .

( وتتكرر ) التحية : أي طلبها ( بتكرر الدخول على قرب في الأصح ، والله أعلم ) ; لتجدد سببها كالبعد والثاني لا للمشقة وتفوت بجلوسه قبل فعلها ، وإن قصر الفصل إلا إن جلس سهوا ولم يطل الفصل كما في التحقيق ويطول الوقوف أيضا كما أفتى بها الوالد رحمه الله تعالى قياسا على فوات سجدة التلاوة بطول الفصل بعد قراءتها ، وكما يفوت سجود السهو بطول الفصل بعد سلامه ، ولو سهوا ; لأن كلا منها إنما يفعل لعارض وقد زال ، وقولهم إن تحية المسجد تفوت بجلوسه سهوا أو جهلا قبل فعلها خرج مخرج الغالب من حال داخل المسجد .

ولو أحرم بها قائما ثم أراد القعود لإتمامها فالأوجه الجواز ، ولو أحرم بها جالسا فالأوجه كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى جوازه حيث جلس ليأتي بها إذ ليس لنا نافلة يجب التحرم بها قائما ، وحديثها خرج مخرج الغالب ولهذا لا تفوت بجلوس قصير نسيانا أو جهلا ، وإن جرى بعض المتأخرين على خلافه .

ويؤخذ من ذلك فواتها بجلوسه للشرب عمدا ; لأنه إذا قيل بفواتها بجلوسه من أجلها ففواتها به لغيرها أولى ، ومر أيضا أن لنا قولا بفواتها بتقديم سجدة التلاوة عليها مع اختلاف الأئمة في وجوبها وما نحن فيه أولى ، وقياس ما مر فواتها أيضا لمن دخل غير قائم وطال الفصل قبل فعلها .

ويكره كما في الإحياء دخول المسجد من غير وضوء ، فإن دخل فليقل أربع مرات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها تعدل ركعتين في الفضل ، زاد ابن الرفعة : ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وغيره زاد العلي العظيم ; لأنها الطيبات الباقيات الصالحات وصلاة الحيوانات والجمادات .

وفي الأذكار عن بعضهم : يسن لمن لم يتمكن منها لحدث أو شغل أو نحوه أن يقول ذلك أربعا ، قال المصنف : إنه لا بأس به . واعلم أن التحيات [ ص: 121 ] متعددة ، تحية المسجد بالصلاة والبيت بالطواف والحرم بالإحرام ومنى بالرمي وعرفة بالوقوف ولقاء المسلم بالسلام ، وتحية الخطيب الخطبة يوم الجمعة .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : لداخل غير المسجد الحرام ) وإذا دخل المسجد الحرام مريد الطواف وأراد ركعتين تحية المسجد قبل الطواف فهل تنعقد ؟ قال الشيخ الرملي : ينبغي أنها تنعقد ، وخالف شيخنا الزيادي وقال بعدم الانعقاد .

وسئل عن ذلك في مجلس آخر فقال بالانعقاد ، وعلل ذلك بقوله : يؤخذ من قولهم يسن لمريد الطواف أنه يؤخر تحية المسجد عنه أنه لو قدمها عليه فإنها تنعقد ، فإن لم يرد الطواف ندب في حقه تحية المسجد بالصلاة ، واعتمده شيخنا الزيادي أيضا . وإذا صلى بعد الطواف للطواف اندرج في ذلك تحية المسجد ا هـ هكذا بهامش بخط بعض الفضلاء وهو كذلك . والمراد ببعض الفضلاء هو الدواخلي كما هو الغالب فيما ننقله عن بعض الفضلاء .

[ فرع ] لو وقف جزء شائع مسجدا استحب التحية : أي فيه ولم يصح الاعتكاف فيه . والفرق أن الغرض من التحية أن لا تنتهك حرمة المسجد بترك الصلاة فيه ، فاستحب في الشائع ; لأن بعضه مسجد بل ما من جزء إلا وفيه [ ص: 119 ] جهة مسجدية وترك الصلاة يخل بتعظيمه ، والاعتكاف إنما هو في مسجد ، والشائع بعضه ليس بمسجد فالمكث فيه بمنزلة من خرج بعضه عن المسجد واعتمد عليه .

[ فرع ] أحرم بالتحية في المسجد ثم خرج أثنائها من المسجد هل تصح تحيته اكتفاء بالشروع فيها في المسجد أو لا ؟ ولا بد من إتمامها في المسجد ، وعلى الثاني هل تبطل بخروجه أو تنقلب نفلا مطلقا أو يفصل بين العالم والجاهل ؟ فيه نظر ، وتوقف م ر في ذلك ، والقلب إلى اشتراط إيقاعها جميعها في المسجد في كونها تحية أميل ، وأنه إذا خرج في الأثناء فصل بين العالم فتبطل وغيره فتنقلب نفلا مطلقا .

[ فرع ] لو أحرم بالتحية ثم رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة فذهب وغسلها ينبغي إن طال الفصل فاتت وإلا فلا ، وإن كانت رؤية النجاسة بعد أن جلس بين السجدتين أو للاستراحة ; لأن هذا الجلوس بمنزلة الجلوس سهوا ولعل هذا مبني على اعتماد فواتها بطول الفصل من غير جلوس وإن قلنا لا تفوت بالقيام وإن طال لم تفت هنا مطلقا .

[ فرع ] نوى قلب التحية أو نحوها نفلا مطلقا ، فيه نظر ، وتوقف فيه م ر والقلب إلى البطلان أميل ا هـ سم على منهج . ( قوله : أو كان خطيبا ) أي فلا يكره له الترك بل يكره له الفعل كما قاله حج ، وهو عطف على قوله إلا إن قرب ( قوله : وما بني في أرض مستأجرة ) ومثلها المحتكرة والأرض التي لا تجوز عمارتها كالتي بحريم الأنهار ، ومحل ذلك في الأرض ، أما ما فيها من البناء ومنه البلاط ونحوه فيصح وقفه مسجدا حيث استحق إثباته فيها كأن استأجرها لمنافع تشمل البناء ونحوه وتصح التحية فيه ( قوله : وتكون كلها تحية ) وذلك حيث نوى أكثر من ركعتين ابتداء ، فلو أطلق في إحرامه حمل على ركعتين قياسا على ما قاله الزيادي في صفة الصلاة من أنه إذا نوى سنة الظهر وأطلق حمل على ركعتين وتقدم بعد قول المصنف وإنما الخلاف في الراتب المؤكد عن ابن قاسم على ابن حجر نقلا عن م ر أنه يتخير بين ركعتين وأربع ( قوله : لم ينعقد ) أي المأتي به ثانيا ( قوله : أو نفل ) ينبغي أن محل ذلك حيث لم ينذرها ، وإلا فلا بد من فعلها مستقلة ; لأنها بالنذر صارت مقصودة فلا يجمع بينها وبين فرض ولا نفل ولا تحصل بواحد منهما ( قوله : وإن نوزع فيه ) ممن نازعه شارحه شيخ الإسلام ، ومثله في شرح الروض له رحمه الله وعبارته ولفظ فضل من زيادته وعبارة أصله وتأدت فلا تحصل بعده .

وينبغي أن لا تفوت بصلاة الجنازة التحية إن لم [ ص: 120 ] يطل بها فصل ( قوله : ويطول الوقوف ) أي قدرا زائدا على ركعتين كما يعلم مما قدمناه قبيل قوله وسهوه إلخ أخذا من كلام الشارح ثم خرج بطول الوقوف ما لو اتسع المسجد جدا فدخله ولم يقف فيه بل قصد المحراب مثلا وزاد مشيه إليه على مقدار ركعتين فلا تفوت التحية بذلك ( قوله : ولو سهوا ) الأولى إسقاط قوله ولو لما مر من أن المعتمد أنه يفوت بالسلام : أي سجود السهو عمدا مطلقا .

( قوله : بجلوسه سهوا ) أي حيث طال الفصل أخذا مما مر ( قوله : حيث جلس ليأتي بها ) خرج صورة الإطلاق فتفوت التحية بالجلوس ، وشمل ذلك قوله السابق وتفوت بجلوسه قبل فعلها ، وإن قصر الفصل ( قوله : بجلوسه للشرب عمدا ) ظاهره وإن كان به عطش ، وعبارة حج : ولو دخل عطشانا لم تفت بشربه جالسا على الأوجه ; لأنه لعذر : أي وهو مخالف للشارح كما ترى ، إلا أن يحمل كلام حج على ما إذا اشتد العطش وكلام الشارح على ما إذا لم يشتد ; لأنه متمكن من أنه يشرب من وقوف من غير مشقة وهو قريب .

( قوله : فليقل أربع مرات سبحان الله إلخ ) ينبغي أن محل الاكتفاء بذلك حيث لم يتيسر له الوضوء فيه قبل طول الفصل وإلا فلا تحصل لتقصيره بترك الوضوء مع تيسره ( قوله : وصلاة الحيوانات ) أي دعاؤهم ( قوله : أن يقول ذلك أربعا ) معتمد . [ ص: 121 ] قوله : وتحية الخطيب الخطبة ) أي التحيات تطلب منه إذا دخل هي الخطبة

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث