الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في زوال القدوة وإيجادها وإدراك المسبوق الركعة وما يتبع ذلك

جزء التالي صفحة
السابق

لم يتعرضوا للإمام إذا أراد أن يقتدي بآخر ويعرض عن الإمامة ، وهذه وقعت للصديق مع النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب للصلح بين جماعة من الأنصار وفي مرض موته ثم جاء وهو في الصلاة ، فأخرج نفسه من الإمامة واقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والصحابة أخرجوا أنفسهم عن الاقتداء به واقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وقضية استدلالهم بالأول للأظهر كما مر جواز ذلك بل الاتفاق عليه ، والثاني ظاهر ا هـ ملخصا .

ونظر فيه لما في المجموع أن أبا بكر استخلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم تحتج الصحابة لنية ، لكن بفرض ذلك يحصل ما قاله الجلال البلقيني في الأول ; لأنه نوى الاقتداء به صلى الله عليه وسلم بعد الاستخلاف فينتج أنه أخرج نفسه من الإمامة ثم نوى الاقتداء ، ومما يؤيد كلام الجلال ما سيأتي في الاستخلاف أنه ممنوع قبل الخروج من الصلاة ، وقضية قول القفال : لو اقتدى الإمام بآخر ففي بطلان صلاته قولان ، كما لو أحرم منفردا [ ص: 239 ] ثم نوى جماعة موافقة ما قاله الجلال من الجواز ; لأنه هو الراجح في المسألة ، وبنى القفال على الجواز تصيير المقتدين به منفردين وأن لهم الاقتداء بمن اقتدى به مستدلا بقصة أبي بكر ، وفي ذلك تصريح منه بما مر عن الجلال من أنها من قبيل إنشاء القدوة لا الاستخلاف ، وفي الخادم ما يؤيد ذلك .

ومعنى رواية : والناس يقتدون بأبي بكر : أنه كان يسمعهم تبليغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ القدوة بالمأموم ممتنعة بالاتفاق ، وبما مر في تأخر الإمام يعلم أن محل جميع ما ذكر إنما يجيء حيث لم يثبت أن أبا بكر تخلف عنه صلى الله عليه وسلم بعد اقتدائه به ، وإلا فهو بتأخره تنقطع إمامته ولم يكن مستخلفا ولا قاطعا للإمامة بنية اقتداء بالغير ، وإنما قاطعها حينئذ تأخره ، ثم لما تقدم عليه الصلاة والسلام نوى أبو بكر الاقتداء به لصيرورته منفردا بتأخره ، وحينئذ بطلت إمامته بالنسبة للصحابة لنية الائتمام بغيره فنووا الاقتداء به صلى الله عليه وسلم ، ومن تأمل ذلك علم ما في كلام الجلال وغيره مما تقرر ، كذا قيل وفيه نظر ; لأنه لم يثبت أنه تأخر عن جميع القوم ، فالأوجه ما قاله الجلال من أنه أخرج نفسه [ ص: 240 ] بالنية ، ومقابل الأظهر لا يجوز وتبطل به الصلاة ، وقيد المصنف المسألة بإحرامه منفردا ; لأنه إذا افتتحها في جماعة جاز بلا خلاف كما في المجموع .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : وقضية استدلالهم بالأول ) وهو اقتداء الصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم .

( قوله : كما مر ) أي في قوله ويدل لما تقرر فعل الصديق ، وقوله جواز ذلك هذا هو المعتمد .

( قوله : والثاني ظاهر ) هو اقتداء الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والأول هو قوله فأخرج نفسه من الإمامة ، وقوله ظاهر : أي في نفسه لوضوح أنهما لا يتابعون غير الإمام الأول بدون نية اقتداء ، وقوله بفرض ذلك : أي بفرض عدم احتياجهم لنية الاقتداء .

( قوله : ما قاله الجلال البلقيني في الأول ) أي من جواز اقتداء الإمام بغيره [ ص: 239 ]

( قوله : تصيير المقتدين به منفردين ) وعليه فلو لم يعلم المقتدون باقتداء الإمام بغيره وتابعوه فهل يتبين بطلان صلاتهم لاقتدائهم بمقتد أو لا لعذرهم كما لو كبر الإمام للإحرام فاقتدوا به ثم كبر ثانيا ولم يعلموا بتكبيره ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني لعذرهم ، ولا تفوتهم الفضيلة لوجود الجماعة صورة اللهم إلا أن يقال : تكبير الإمام ثانيا مما يخفى على المقتدين ، بخلاف اقتدائه بغيره فإنه قد يظهر لهم بقرينة تأخره عن الإمام في الموقف والأفعال .

( قوله : أنه كان يسمعهم تبليغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عبارة حج تكبيره وهي أولى ، فإن قول الشارح يحوج إلى تأويل قوله بتبليغ رسول الله بمبلغهم : أي ما يبلغه أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( قوله : لم يثبت أن أبا بكر تخلف عنه ) المناسب لما مر حيث لم يثبت أنه تأخر عن المقتدين به قبل اقتدائه بالنبي صلى الله عليه وسلم .

( قوله : لصيرورته منفردا بتأخره ) أي عن المقتدين .

( قوله : لم يثبت أنه ) أي الصديق ، وقوله تأخر عن جميع القوم : أي بل ولا عن بعضهم . وعبارة حج في شرح الشمائل في باب وفاته صلى الله عليه وسلم بعد قول المصنف فأومأ إليه : أي إلى أبي بكر أن يثبت مكانه نصها ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم اقتدى به ، والذي رواه الشيخان { أنه صلى الله عليه وسلم جاء حتى جلس عن يساره فكان يصلي قاعدا وأبو بكر قائما يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يقتدون بصلاة أبي بكر } . وجاء في رواية : ما يقتضي كلا الأمرين ا هـ . قال المناوي في شرح الشمائل بعد ذلك : وجمع بينه [ ص: 240 ] وبين الرواية الأولى { بأنه أولا اقتدى بأبي بكر ثم تأخر أبو بكر واقتدى به } ا هـ .

( قوله : ومقابل الأظهر لا يجوز وتبطل به الصلاة ) قال المحلي : لأن الجواز يؤدي إلى تحرم المأموم قبل الإمام ا هـ . ومراده أنه قد يؤدي إلى ذلك ، وإلا فيجوز أن يحرم المأموم بعد إحرام الإمام ثم يقتدي به فلا يكون إحرام المأموم متقدما على إحرام الإمام .

( قوله : جاز بلا خلاف ) فلا يشكل عليه حكاية الخلاف في اقتداء بعض المسبوقين ببعض فإنهم لم يحرموا أولا منفردين بل في جماعة ، ومقتضى ما نقله الشارح عن المجموع أنه متى أحرم بالأولى في جماعة لم يكره الاقتداء الثاني . نعم على ما نقلناه عن حج من تخصيص المسألة بما إذا تبين خلل في صلاة الإمام لا إشكال .

( قوله : كما في المجموع ) لكن ليس ذلك على إطلاقه بل صورته أن يحرم خلف جنب أو محدث ثم يبين الحال لهما فيذهب الإمام فيتطهر ويأتي لإكمال صلاته فيكملها المأموم معه أو يربط المأموم صلاته بغير ذلك الإمام ا هـ . قال حج : فعلم أنه لو لم يظهر له نقص في صلاة إمامه بل نقل نفسه لجماعة أخرى بلا سبب كان ذلك مكروها وفاتت به الفضيلة ، بل لو أخرج نفسه بعذر أتم صلاته منفردا وكره له الاقتداء ا هـ سم بتصرف



حاشية المغربي

( قوله : استدلالهم بالأول ) أي إخراج الصديق نفسه من الإمامة ، وقوله : والثاني ظاهر : أي إخراج المأمومين أنفسهم من الاقتداء والاقتداء بآخر ( قوله : ونظر فيه ) يعني في الثاني بقرينة قوله فلم يحتج الصحابة إلى نية ، والمنظر فيه هو الشهاب حج ، لكنه إنما عزا كون الصديق استخلف النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحيحين لا إلى المجموع ( قوله : لكن بفرض ذلك يحصل ما قاله الجلال إلخ ) لا حاجة إليه فإن الأول لا نزاع فيه ( قوله : ومما يؤيد كلام الجلال ) يعني ما اقتضاه كلامه من أن القصة لا استخلاف فيها كما يدل عليه باقي كلامه : أي خلافا للمنظر المدعي لذلك .

ووجه تأييد ذلك لكلام الجلال أنه لو كان ما فعله الصديق من باب الاستخلاف لكان أخرج نفسه من الصلاة قبل تأخره عنه صلى الله عليه وسلم ; لأنه شرط الاستخلاف : أي والواقع في القصة خلاف ذلك ، لكن لك أن تقول : إذا كان الاستخلاف فيها ثابتا في الصحيحين لا يسوغ إنكاره ، وحينئذ فلا بد من جواب عن فعل الصديق ليوافق ما قاله .

وأجاب عنه الشهاب سم بأنه ليس المراد بالاستخلاف في القصة الاستخلاف الشرعي ، وبأن الوجه استثناء فعل الصديق فيها بكل حال ، إذ للنبي صلى الله عليه وسلم من الحرمة [ ص: 239 ] والإجلال وللصلاة خلفه من الفضل والكمال ما ليس لغيرهما ( قوله : موافقة ما قاله الجلال ) أي في الأول كما هو ظاهر ، لكنه ليس محل النزاع كما مر ، ووجه موافقته لكلام الجلال أنه بنى القولين في المسألة على ما لو أحرم منفردا ثم نوى جماعة ، وقد مر أن الأظهر فيه الصحة فيكون المبني عليه كذلك ، وحينئذ فالمسألة منقولة في كلام الأصحاب ، فقول الجلال لم يتعرضوا ، إما لعدم اطلاعه على هذا النقل ، أو لعدم تذكره إياه ( قوله : من أنها من قبيل إنشاء القدوة لا الاستخلاف ) أي ولا يعارضه ما في الصحيحين لما قدمناه ( قوله : بعد اقتدائه به ) أي بعد { اقتداء النبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكر رضي الله عنه } ( قوله : وإلا فهو بتأخره تنقطع إمامته ) أي بالنسبة له صلى الله عليه وسلم خاصة دون القوم بقرينة قوله بعده : ثم لما تقدم عليه الصلاة والسلام نوى أبو بكر الاقتداء لصيرورته منفردا بتأخره ، وحينئذ بطلت إمامته بالنسبة للصحابة إلخ . وبهذا تعلم أن تنظير الشارح الآتي ليس في محله : وكأنه توهم أن قول هذا القائل تنقطع إمامته : أي مطلقا حتى بالنسبة للقوم ، وقد علمت أنه ليس [ ص: 240 ] كذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث