الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في حط المهر والإبراء منه

جزء التالي صفحة
السابق

( نكحها بألف على أن لا يخرجها من البلد أو لا يتزوج عليها أو ) نكحها ( على ألف إن أقام بها وعلى ألفين [ ص: 124 ] إن أخرجها ، فإن وفى ) بما شرطه في الصورة الأولى ( وأقام ) بها في الثانية ( فلها الألف ) لرضاها به . فهنا صورتان : الأولى تسمية المهر مع ذكر شرط ينفعها [ ص: 125 ] والثانية تسمية مهر على تقدير وغيره على تقدير ( وإلا ) يوف ولم يقم ( فمهر المثل ) لفوت رضاها بفوات النفع ( و ) لكن ( لا يزاد ) المهر في المسألة الأخيرة ( على ألفين ولا ينقص عن ألف ) لاتفاقهما على ذلك ، ولو طلقها قبل الدخول تنصف المسمى في المسألتين لسقوط الشرط . وقالا الشرطان صحيحان ( بخلاف ما لو تزوجها على ألف إن كانت قبيحة وعلى ألفين إن كانت جميلة فإنه يصح الشرطان ) اتفاقا في الأصح لقلة الجهالة [ ص: 126 ] بخلاف ما لو ردد في المهر بين القلة والكثرة للثيوبة والبكارة ، فإنها إن ثيبا لزمه الأقل وإلا فمهر المثل لا يزاد على الأكثر ولا ينقص عن الأقل فتح ، ولو شرط البكارة فوجدها ثيبا لزمه الكل درر ورجحه في البزازية .

التالي السابق


( قوله فإن وفى ) بتشديد الفاء ماضي يوفي توفية لا بالتخفيف من وفى يفي وفاء بقرينة قوله وإلا يوف أفاده ح ( قوله وأقام بها ) إنما ذكر التوفية في الأولى دون هذه لأنه في الأولى جعل المسمى مالا وغير مال وهو ما شرطه لها ووعدها به من عدم إخراجها أو عدم التزوج عليها ، أما هنا فالمسمى مال فقط ردد فيه بين القليل على تقدير والكثير على تقدير كما أشار إليه الشارح ، فليس هنا في المسمى وعد بشيء ليناسبه التعبير بالتوفية ، يوضحه أنه قد يردد فيه بين كونها ثيبا أو بكرا كما يأتي فافهم ( قوله الأولى إلخ ) ضابطها أن يسمي لها قدرا ومهر مثلها أكثر منه ويشترط منفعة لها أو لأبيها أو لذي رحم محرم منها وكانت المنفعة مباحة الانتفاع متوقفة على فعل الزوج لا حاصلة بمجرد العقد ولم يشترط عليها رد شيء له ، وذلك كأن تزوجها بألف على أن لا يخرجها من البلد ، أو على أن يكرمها أو يهدي لها هدية ، أو على أن يزوج أباها ابنته ، أو على أن يعتق أخاها ، أو على أن يطلق ضرتها ، فلو المنفعة لأجنبي ولم يوف فليس لها إلا المسمى لأنها ليست منفعة مقصودة لأحد المتعاقدين ، ومثله الأولى لو شرط ما يضرها كالتزوج عليها ، وكذا لو كان المسمى مهر المثل أو أكثر منه ; ولو كان المشروط غير مباح كخمر وخنزير ، فلو المسمى عشرة فأكثر وجب لها وبطل المشروط ولا يكمل مهر المثل لأن المسلم لا ينتفع بالحرام فلا يجب عوض بفواته ; ولو تزوجها على ألف وعتق أخيها أو طلاق ضرتها بلفظ المصدر لا المضارع عتق الأخ وطلقت الضرة بنفس العقد طلقة رجعية لمقابلتها بغير متقوم وهو البضع وللزوجة المسمى فقط والولاء له إلا إذا قال وعتق أخيها عنها فهو لها ، ولو تزوجها على ألف وعلى أن يطلق امرأته فلانة ، وعلى أن ترد . عليه عبدا ينقسم الألف على مهر مثلها ، وعلى قيمة العبد ; فإن كانا سواء صار نصف الألف ثمنا للعبد والنصف صداقا فإذا طلقها قبل الدخول فلها نصف ذلك وإن بعده نظر ، وإن كان مهر مثلها خمسمائة أو أقل فليس لها إلا ذلك وإن أكثر فإن وفى بالشرط فكذلك وإلا فمهر المثل ، وتمامه في المحيط والفتح عن المبسوط وفي اشتراط الكرامة والهدية كلام سيأتي .

وحاصل المسألة على وجوه لأن الشرط إما نافع لها أو لأجنبي أو ضار ، وكل إما حاصل بمجرد النكاح أو متوقف على فعل الزوج ، وعلى كل من الستة إما أن يكون مهر المثل أكثر من المسمى أو أقل أو مساويا ، وكل إما أن يكون قبل الدخول أو بعده ، وكل إما أن يباح الانتفاع بالشرط أو لا ، وكل إما أن يشترط عليها [ ص: 125 ] رد شيء أو لا ، وكل إما أن يحصل الوفاء بالشرط أو لا ، فهي مائتان وثمانية وثمانون هذا خلاصة ما في البحر ( قوله والثاني إلخ ) قال في الفتح : وأما الثانية فكأن يتزوجها على ألف إن أقام بها أو أن لا يتسرى عليها أو أن يطلق ضرتها أو إن كانت مولاة أو إن كانت أعجمية أو ثيبا وعلى ألفين إن كان أضدادها ( قوله بفوات النفع ) الباء للسببية لأنه في الأولى سمى لها مالها فيه نفع وهو عدم إخراجها وعدم التزوج عليها ونحوه ، فإذا وفى فلها المسمى لأنه صلح مهرا وقد تم رضاها به ، وعند فواته ينعدم رضاها بالمسمى فيكمل مهر مثلها ، وفي الثانية سمى تسميتين ثانيتهما غير صحيحة للجهالة كما يأتي فوجب فيه مهر المثل ( قوله في المسألة الأخيرة ) قيد في قوله ولا يزاد على ألفين فقط ح . وفي بعض النسخ في الصورة الثانية ذات التقديرين .

( قوله ولا ينقص عن ألف ) أي في المسألتين ( قوله لإنفاقهما على ذلك ) أي لو زاد مهر مثلها في المسألة الأخيرة على ألفين ليس لها أكثر من ألفين لأنها رضيت معه بهما لتردد يده لها بين الألف والألفين ، بخلاف المسألة الأولى ، فإنه لو زاد على ألف لها مهر المثل بالغا ما بلغ لأنها لم ترض بالألف وحده بل مع الوصف النافع ولم يجعل لها ، ولو نقص عن ألف في المسألتين فلها الألف لأنه رضي به ( قوله لسقوط الشرط ) لأنه إذا لم يف يجب تمام مهر المثل ومهر المثل لا يثبت في الطلاق قبل الدخول فسقط اعتباره ، فلم يبق إلا المسمى فينتصف بدائع ( قوله وقالا الشرطان صحيحان ) أي في المسألة الأخيرة . قال في الهداية : حتى كان لها الألف إن أقام بها والألفان إن أخرجها . وقال زفر الشرطان فاسدان ولها مهر مثلها لا ينقص من الألف ولا يزاد على ألفين . وأصل المسألة في الإجارات في قوله إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطه غدا فلك نصف درهم ا هـ ( قوله في الأصح ) مقابله ما في نوادر ابن سماعة عن محمد أنه على خلاف ، وضعفه في البحر ( قوله لقلة الجهالة ) جواب عما يرد على قول الإمام حيث أفسد الشرط الثاني في المسألة المتقدمة ، وهي ما إذا تزوجها على ألف إن أقام بها وألفين إن أخرجها وفي هذه الصورة صحح الشرطين مع أن الترديد موجود في الصورتين .

وأجاب في الغاية بأنه في المتقدمة دخلت المخاطرة على التسمية الثانية لأن الزوج لا يعرف هل يخرجها أو لا ، أما هنا فالمرأة على صفة واحدة من الحسن أو القبح وجهالة الزوج بصفتها لا توجب خطرا

ورده الزيلعي بأن من صور المسألة المتقدمة ما لو تزوجها على ألفين إن كانت حرة أو إن كانت له امرأة وعلى ألف إن كانت مولاة أو لم تكن له امرأة مع أنه لا مخاطرة ولكن جهل الحال . وأجاب في البحر بأن المرأة وإن كانت في الكل على صفة واحدة لكن الجهالة قوية في الحرية وعدمها لأنها ليست أمرا مشاهدا ، ولذا لو وقع التنازع احتيج إلى إثباتها فكان فيها مخاطرة معنى ، بخلاف الجمال والقبح فإنه أمر مشاهد فجهالته يسيرة لزوالها بلا مشقة .

واعترضه في النهر بأنه على هذا ينبغي الصحة فيما لو تزوجها على ألفين إن كانت له امرأة وعلى ألف إن لم تكن لأن النكاح يثبت بالتسامع فلا يحتاج إلى إثبات عند المنازعة . قلت : ولا يخفى ما فيه ، فإن إثباته بالتسامع إنما هو عند الاحتياج إلى إثباته على أنه قد تكون له امرأة غائبة في بلدة أخرى لا يعلم بها أحد بخلاف الجمال والقبح . فلذا اتبع الشارح ما في البحر ولم يلتفت لما في النهر [ ص: 126 ] قوله بخلاف ما لو ردد إلخ ) هذا أيضا من صورة المسألة المتقدمة التي ذكر أنها مخالفة لمسألة الترديد للقبح والجمال فلا حاجة إلى إعادته .

والحاصل أن ترديد المهر بين القلة والكثرة إن وجد فيه شرط الأقل لزمه الأقل وإلا فلا يلزمه الأكثر بل مهر المثل ، خلافا لهما إلا في مسألة القبح والجمال فإنه يجب المسمى في أي شرط وجد اتفاقا ، والفرق للإمام ما مر ( قوله ولو شرط إلخ ) هذه مسألة استطرادية ليست من جنس ما قبلها ، ومناسبتها تعليق المسمى على وصف مرغوب له ( قوله لزمه الكل ) لأن المهر إنما شرع لمجرد الاستمتاع دون البكارة ح عن مجمع الأنهر ( قوله ورجحه في البزازية ) أقول : عبارتها تزوجها على أنها بكر فإذا هي ليست كذلك يجب المهر حملا لأمرها على الصلاح بأن زالت بوثبة فإن تزوجها بأزيد من مهر مثلها على أنها بكر فإذا هي غير بكر لا تجب الزيادة ، والتوفيق واضح للمتأمل . ا هـ .

ووجه التوفيق ما ذكره في العمادية عن فوائد المحيط في تعليل المسألة الثانية أنه قابل الزيادة بما هو مرغوب وقد فات فلا يجب ما قوبل به ، وأنت خبير بأن كلام البزازية ليس فيه ترجيح للزوم الكل مطلقا بل فيه ترجيح للتفصيل ، والفرق بين التزوج بمهر المثل وبأزيد منه ، نعم قال في البزازية بعد ذلك : وإن أعطاها زيادة على المعجل على أنها بكر فإذا هي ثيب قيل ترد الزائد . وعلى قياس مختار مشايخ بخارى فيما إذا أعطاها المال الكثير بجهة المعجل على أن يجهزوها بجهاز عظيم ولم تأت به رجع بما زاد على معجل مثلها ، وكذا أفتى أئمة خوارزم ينبغي أن يرجع الزيادة ، ولكن صرح في فوائد الإمام ظهير الدين أنه لا يرجع في كلتا الصورتين ا هـ أي في صورة الزيادة على مهر المثل وصورة الزيادة على المعجل كما يعلم من مراجعة الفصول العمادية ، فقول البزازية تبعا للعمادية ولكن صرح إلخ يفيد ترجيح عدم الرجوع ، وأنه يلزم كل المهر ولذا نظم المسألة في الوهبانية وعبر عن عدم وجوب الزيادة بقيل ، فأفاد أيضا ترجيح لزوم الكل كما هو مقتضى إطلاق صاحب الدرر والوقاية والملتقى



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث