الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب الكفارة اختلف في سببها . والجمهور أنه الظهار والعود ( هي ) لغة من كفر الله عنه الذنب : محاه - . وشرعا ( تحرير رقبة ) قبل الوطء

: أي إعتاقها بنية الكفارة ، فلو ورث أباه ناويا الكفارة لم يجز ( ولو صغيرا ) رضيعا ( أو كافرا ) أو مباح الدم ، أو مرهونا ، أو مديونا ، أو آبقا علمت حياته ، أو مرتدة ، وفي المرتد وحربي خلي سبيله خلاف ( أو أصم ) وإن صيح به يسمع وإلا لا ( أو خصيا ، أو مجبوبا ) ، أو رتقاء ، أو قرناء ( أو مقطوع الأذنين ) . أو ذاهب الحاجبين وشعر لحية ورأس ، أو مقطوع أنف أو شفتين إن قدر على الأكل وإلا لا ( أو أعور ) ، أو أعمش ، أو مقطوع إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف ، أو مكاتبا ( لم يؤد شيئا ) وأعتقه مولاه لا الوارث .

التالي السابق


باب الكفارة

( قوله : اختلف في سببها ) أي سبب وجوبها ، أما سبب مشروعيتها فما هو سبب لوجوب التوبة وهو إسلامه وعهده مع الله تعالى أن لا يعصيه ، وإذا عصاه تاب لأنها من تمام التوبة لأنها شرعت للتكفير بحر ( قوله : والجمهور أنه الظهار والعود ) أي هو مركب منها ، وقيل الظهار فقط والعود شرط لأن سببها ما تضاف إليه ، وقيل عكسه ، وقيل العزم على إباحة الوطء ، وهو قول كثير من مشايخنا وتمام الكلام عليه في الفتح أول الباب السابق . مطلب : لا استحالة في جعل المعصية سببا للعبادة

وفي البحر ما يؤيد أنه ظهار ، حيث قال : وفي الطريقة المعينة : لا استحالة في جعل المعصية سببا للعبارة التي حكمها أن تكفر المعصية وتذهب السيئة ، خصوصا إذا صار معنى الزجر فيها مقصودا ، وإنما المحال أن تجعل سببا للعبادة الموصلة إلى الجنة ا هـ وفيه أيضا أنه لا ثمرة لهذا الاختلاف ( قوله : من كفر ) بيان لمادة الاشتقاق لا للمشتق منه لأنه المصدر لا الفعل ( قوله : محاه ) كذا في المصباح ، والأنسب ستره . ففي البحر عن المحيط أنها منبئة عن الستر لغة ، لأنها مأخوذة من الكفر وهو التغطية والستر ا هـ ومنه سمي الزارع كافرا . وظاهر هذا أن المعصية لا تمحى من الصحيفة بل تستر ولا يؤاخذ بها مع بقائها فيها ، وهو أحد قولين ، وأن الذنب يسقط بها بدون توبة ، وإليه يشير ما مر عن الطريقة المعينة ، لكن يخالفه ما مر عن البحر من أنها من تمام التوبة وهو الظاهر . [ تنبيه ]

ركن الكفارة الفعل المخصوص من إعتاق وصيام وإطعام . ويشترط لوجوبها القدرة عليها ، ولصحتها النية المقارنة لفعلها لا المتأخرة ، ومصرفها مصرف الزكاة ، لكن الذمي مصرف لها أيضا دون الحربي ، وفيه كلام سيأتي . وصفتها أنها عقوبة وجوبا عبادة أداء . وحكمها سقوط الواجب عن الذمة وحصول الثواب المقتضي لتكفير الخطايا ، وهي واجبة على التراخي على الصحيح ، فلا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان ويكون مؤديا لا قاضيا ويتضيق من آخر عمره ، فيأثم بموته قبل أدائها ، ولا تؤخذ من تركته بلا وصية من الثلث ، ولو تبرع الورثة بها جاز إلا في الإعتاق والصوم ، وتمامه في البحر .

قلت : لكن مر أنه يجبر على التكفير للظهار ، ومقتضاه الإثم بالتأخير . وأيضا فحيث كانت من تمام التوبة يجب تعجيلها فتأمل ( قوله : تحرير رقبة ) لا بد أن تكون الرقبة غير المظاهر منها ، لما في الظهيرية والتتارخانية : أمة تحت رجل ظاهر منها ثم اشتراها وأعتقها عن ظهاره قبل لم يجز عندهما ، خلافا لأبي يوسف بحر . وفيه عن التتارخانية : ولا بد أن يكون المعتق صحيحا ، وإلا فإن مات من مرضه وهو لا يخرج من الثلث لا يجوز وإن أجاز الورثة ولو برئ جاز ( قوله : قبل الوطء ) ليس قيدا للصحة بل للوجوب ونفي الحرمة ، وفي معنى الوطء دواعيه ( قوله : بنية الكفارة ) أي نية مقارنة لإعتاقه ، أو لشراء القريب كما يأتي .

( قوله : فلو ورث أباه ) تفريع على قوله " أي إعتاقها " فإنه يفيد أنه لا بد من صنعه والإرث جبري . وصورة إرث الأب أن يملكه ذو رحم من الابن كخالته ثم تموت عنه فلو نوى الكفارة حين موتها لم يجزه ، بخلاف ما لو نواها عند شرائه أباه كما يأتي ( قوله : ولو صغيرا إلخ ) تعميم للرقبة ، لأن الرقبة كما في الهداية عبارة عن الذات : أي الشيء المرقوق المملوك من كل وجه ا هـ فشمل جميع ما ذكر وقوله : من كل وجه متعلق بالمرقوق لأن الكمال في الرق شرط دون الملك ، ولذا جاز المكاتب الذي لم يؤد شيئا لا المدبر عناية ، وخرج الجنين وإن ولدته لأقل من ستة أشهر لأنه رقبة من وجه جزء من الأم من وجه حتى يعتق بإعتاقها كما في البحر عن المحيط ، ودخل الكبير ولو شيخا فانيا ، والمريض الذي يرجى برؤه ، والمغصوب إذا وصل إليه ، بحر ، لكن في الهندية عن غاية السروجي : ولا يجزئ الهرم العاجز ( قوله : أو مباح الدم ) عزاه في البحر إلى جامع الجوامع .

وذكر قبله عن محمد أنه إذا قضي بدمه ثم أعتقه عن ظهاره ثم عفي عنه لم يجز ، ومثله في الفتح ، وظاهر الأول الجواز وإن لم يعف عنه ، وليراجع فافهم ( قوله : أو مرهونا ) في البحر عن البدائع : وكذا لو أعتق عبدا مرهونا فسعى العبد في الدين فإنه يجوز عن الكفارة ويرجع على المولى لأن السعاية ليست ببدل عن الرق ( قوله : أو مديونا ) أي وإن اختار الغرماء استسعاءه لأن استغراق الدين واستسعاءه لا يخل بالرق والملك ، فإن السعاية لم توجب الإخراج عن الحرية فوقع تحريرا من كل وجه بغير بدل عليه بحر عن المحيط .

( قوله : أو مرتدة ) أي بلا خلاف لأنها لا تقتل ، كذا في الفتح ( قوله : وفي المرتد إلخ ) خبر مقدم ، وقوله " خلاف " مبتدأ مؤخر ، وقد علمت أن مباح الدم فيه خلاف أيضا فكان المناسب ذكره هنا . وظاهر الفتح اختيار الجواز في المرتد ، فإنه قال : ويدخل في الكافرة المرتد والمرتدة ، ولا خلاف في المرتدة لأنها لا تقتل . وظاهره أن العلة في المرتد أنه يقتل . وفي النهر : وفي المرتد خلاف ، وبالجواز قال الكرخي ، كما لو أعتق حلال الدم . ومن منع قال إنه بالردة صار حربيا ، وصرف الكفارة إليه لا يجوز ا هـ أي لأن إعتاقه في حكم صرف الكفارة إليه ، ومقتضى هذا التعليل أن إعتاق الحربي لا يجزئ اتفاقا ، ولذا أطلق في الفتح عدم الإجزاء ، لكن في البحر عن التتارخانية : لو أعتق عبدا حربيا في دار الحرب ، وإن لم يخل سبيله لا يجوز وإن خلى سبيله ففيه اختلاف المشايخ ، بعضهم قالوا لا يجوز ( قوله : إن صيح به يسمع وإلا لا ) كذا في الهداية ، وبه حصل التوفيق بين ظاهر الرواية أنه يجوز ، ورواية النوادر أنه لا يجوز بحمل الثانية على الذي ولد أصم وهو الأخرس فتح ( قوله : أو خصيا إلى قوله : أو قرناء ) لأنهم وإن فات فيهم جنس المنفعة لكنها غير مقصودة في الرقيق إذ المقصود فيه الاستخدام ذكرا ، أو أنثى ، حتى قالوا إن وطئ الأمة من باب الاستخدام فإذا لم يمكن وطؤها كان استخدامها قاصرا لا منعدما رحمتي ( قوله : أو مقطوع الأذنين ) أي إذا كان السمع باقيا بحر لأن الفائت في هذه المسائل الزينة وهي غير مقصودة في الرقيق ، أما إذا عجز عن الأكل فإنه يؤدي إلى هلاكه ومنفعة الأكل فيه مقصودة ، فكان هالكا حكما كالمريض الذي لا يرجى برؤه رحمتي ( قوله : أو مكاتبا ) لأن الرق فيه كامل وإن كان الملك ناقصا فيه ، وجواز الإعتاق عنها يعتمد كمال الرق لا كمال الملك . أما لو أدى شيئا فلا يجوز عنها كما يأتي بحر ( قوله : لا الوارث ) أي لو أعتقه الوارث عن كفارته لا يجوز عنها لأن المكاتب لا ينتقل إلى ملك الوارث بعد موت سيده لبقاء الكتابة بعد موته ، فلا ملك للوارث فيه ، بخلاف سيده ، وإنما جاز إعتاق الوارث له لتضمنه الإبراء عن بدل الكتابة المقتضي للإعتاق بحر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث