الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وكذا تجب لها السكنى في بيت خال عن أهله ) [ ص: 600 ] سوى طفله الذي لا يفهم الجماع وأمته وأم ولده ( وأهلها ) ولو ولدها من غيره ( بقدر حالهما ) كطعام وكسوة وبيت منفرد من دار له غلق . زاد في الاختيار والعيني : ومرافق ، ومراده لزوم كنيف ومطبخ ، وينبغي الإفتاء به بحر ( كفاها ) لحصول المقصود هداية . وفي البحر عن الخانية : يشترط أن لا يكون في الدار أحد - [ ص: 601 ] من أحماء الزوج يؤذيها ، ونقل المصنف عن الملتقط كفايته مع الأحماء لا مع الضرائر فلكل من زوجتيه مطالبته ببيت من دار على حدة .

التالي السابق


مطلب في مسكن الزوجة ( قوله وكذا تجب لها ) أي للزوجة السكنى أي الإسكان ، وتقدم أن اسم النفقة يعمها ; لكنه أفردها ; لأن لها حكما يخصها نهر ( قوله خال عن أهله إلخ ) ; لأنها تتضرر بمشاركة غيرها فيه ; ; لأنها لا تأمن على متاعها ويمنعها [ ص: 600 ] ذلك من المعاشرة مع زوجها ومن الاستمتاع إلا أن تختار ذلك ; لأنها رضيت بانتقاص حقها هداية ( قوله وأمته وأم ولده ) قال في الفتح : وأما أمته ، فقيل أيضا لا يسكنها معها إلا برضاها والمختار أن له ذلك ; لأنه يحتاج إلى استخدامها في كل وقت غير أنه لا يطؤها بحضرتها كما أنه لا يحل له وطء زوجته بحضرتها ولا بحضرة الضرة . ا هـ وذكر أم الولد في البحر معزيا إلى آخر الكنز . قلت : وذكر في الذخيرة أن هذا مشكل ، أما على المعنى الأول فظاهر ، وأما على الثاني فلأنه تكره المجامعة بين يدي أمته . ا هـ . قلت : وقد يكون إضرار أم ولده لها أكثر من إضرار ضرتها . وفي الدر المنتقى عن المحيط أن أم الولد كأهله ( قوله وأهلها ) أي له منعهم من السكنى معها في بيته سواء كان ملكا له أو إجارة أو عارية ( قوله من غيره ) حال من ولدها لا صفة له وإلا لزم حذف الموصول مع بعض الصلة قهستاني ، إذ التقدير الكائن من غيره . ا هـ ح . وأطلق ولدها فشمل الذي لا يفهم الجماع ; لأنه لا يلزمه إسكان ولدها في بيته . وفي حاشية الخير الرملي على البحر : له منعها من إرضاعه وتربيته ; لما في التتارخانية أن للزوج منعها عما يوجب خللا في حقه . وما فيها عن السغناقي ولأنها في الإرضاع والسهر ينقص جمالها وجمالها حقه فله منعها تأمل . ا هـ .

قلت : وعليه فله منعها من إرضاعه ولو كان البيت لها ( قوله بقدر حالهما ) أي في اليسار والإعسار ، فليس مسكن الأغنياء كمسكن الفقراء كما في البحر ; لكن إذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا ; فقد مر أنه يجب لها في الطعام والكسوة الوسط ، ويخاطب بقدر وسعه والباقي دين عليه إلى الميسرة ، فانظر هل يتأتى ذلك هنا ( قوله وبيت منفرد ) أي ما يبات فيه ; وهو محل منفرد معين قهستاني . والظاهر أن المراد بالمنفرد ما كان مختصا بها ليس فيه ما يشاركها به أحد من أهل الدار ( قوله له غلق ) بالتحريك : ما يغلق ويفتح بالمفتاح قهستاني .

( قوله زاد في الاختيار والعيني ) ومثله في الزيلعي ، وأقره في الفتح بعدما نقل عن القاضي الإمام أنه إذا كان له غلق يخصه وكان الخلاء مشتركا ليس لها أن تطالبه بمسكن آخر ( قوله ومفاده لزوم كنيف ومطبخ ) أي بيت الخلاء وموضع الطبخ بأن يكونا داخل البيت أو في الدار لا يشاركها فيهما أحد من أهل الدار . قلت : وينبغي أن يكون هذا في غير الفقراء الذين يسكنون في الربوع والأحواش بحيث يكون لكل واحد بيت يخصه وبعض المرافق مشتركة كالخلاء والتنور وبئر الماء ويأتي تمامه قريبا ( قوله لحصول المقصود ) هو أنها على متاعها ; وعدم ما يمنعها من المعاشرة مع زوجها والاستمتاع ( قوله وفي البحر عن الخانية إلخ ) عبارة الخانية : فإن كانت دار فيها بيوت وأعطى لها بيتا يغلق ويفتح لم يكن لها أن تطلب بيتا آخر إذا لم يكن ثمة أحد من أحماء الزوج يؤذيها . ا هـ .

قال المصنف في شرحه : فهم شيخنا أن قوله ثمة أشار للدار لا البيت ; لكن في البزازية : أبت أن تسكن مع أحماء الزوج وفي الدار بيوت إن فرغ لها بيتا له غلق على حدة وليس فيه أحد منهم لا تمكن من مطالبته ببيت آخر . ا هـ فضمير فيه راجع للبيت لا الدار وهو الظاهر ، لكن ينبغي أن يكون الحكم كذلك فيما إذا كان في الدار من الأحماء من يؤذيها وإن لم يدل عليه كلام البزازي . ا هـ [ ص: 601 ] قلت : وفي البدائع : ولو أراد أن يسكنها مع ضرتها أو مع أحمائها كأمه وأخته وبنته فأبت فعليه أن يسكنها في منزل منفرد ; لأن إباءها دليل الأذى والضرر ولأنه محتاج إلى جماعها ومعاشرتها في أي وقت يتفق لا يمكن ذلك مع ثالث ; حتى لو كان في الدار بيوت وجعل لبيتها غلقا على حدة قالوا ليس لها أن تطالبه بآخر . ا هـ فهذا صريح في أن المعتبر عدم وجدان أحد في البيت لا في الدار .

( قوله من أحماء الزوج ) صوابه من أحماء المرأة كما عبر به في الفتاوى الهندية عن الظهيرية ; ; لأن أقارب الزوج أحماء المرأة وأقاربها أحماؤه . ا هـ . ح . وأجيب بأن الزوج يطلق على المرأة أيضا ، وهذا التأويل بعيد ، وهو في عبارة البزازية المارة أبعد ( قوله ونقل المصنف عن الملتقط إلخ ) وعبارته : وفرق في الملتقط لصدر الإسلام بين ما إذا جمع بين امرأتين في دار وأسكن كلا في بيت له غلق على حدة لكل منهما أن تطالب ببيت في دار على حدة ; لأنه لا يتوفر على كل منهما حقها إلا إذا كان لها دار على حدة ، بخلاف المرأة مع الأحماء ، فإن المنافرة في الضرائر أوفر . ا هـ .

قلت : وهكذا نقله في البزازية عن الملتقط المذكور . والذي رأيته في الملتقط لأبي القاسم الحسيني وكذا في تجنيس الملتقط المذكور للإمام الأسروشني هكذا : أبت أن تسكن مع ضرتها أو صهرتها ، إن أمكنه أن يجعل لها بيتا على حدة في داره ليس لها غير ذلك ، وليس للزوج أن يسكن امرأته وأمه في بيت واحد ; لأنه يكره أن يجامعها وفي البيت غيرهما ; وإن أسكن الأم في بيت داره والمرأة في بيت آخر فليس لها غير ذلك . وذكر الخصاف أن لها أن تقول : لا أسكن مع والديك وأقربائك في الدار فأفرد لي دارا .

قال صاحب الملتقط : هذه الرواية محمولة على الموسرة الشريفة ، وما ذكرنا قبله أن إفراد بيت في الدار كاف إنما هو في المرأة الوسط اعتبارا في السكنى بالمعروف . ا هـ قلت : والحاصل أن المشهور وهو المتبادر من إطلاق المتون أنه يكفيها بيت له غلق من دار سواء كان في الدار ضرتها أو أحماؤها . وعلى ما فهمه في البحر من عبارة الخانية وارتضاه المصنف في شرحه لا يكفي ذلك إذا كان في الدار أحد من أحمائها يؤذيها ، وكذا الضرة بالأولى . وعلى ما نقله المصنف عن ملتقط صدر الإسلام يكفي مع الأحماء لا مع الضرة ، وعلى ما نقلنا عن ملتقط أبي القاسم وتجنيسه للأسروشني أن ذلك يختلف باختلاف الناس ، ففي الشريفة ذات اليسار لا بد من إفرادها في دار ، ومتوسط الحال يكفيها بيت واحد من دار . ومفهومه أن من كانت من ذوات الإعسار يكفيها بيت ولو مع أحمائها وضرتها كأكثر الأعراب وأهل القرى وفقراء المدن الذين يسكنون في الأحواش والربوع ، وهذا التفصيل هو الموافق ، لما مر من أن المسكن يعتبر بقدر حالهما ، ولقوله تعالى - { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } - وينبغي اعتماده في زماننا هذا فقد مر أن الطعام والكسوة يختلفان باختلاف الزمان والمكان ، وأهل بلادنا الشامية لا يسكنون في بيت من دار مشتملة على أجانب ، وهذا في أوساطهم فضلا عن أشرافهم إلا أن تكون دارا موروثة بين إخوة مثلا ، فيسكن كل منهم في جهة منها مع الاشتراك في مرافقها ، فإذا تضررت زوجة أحدهم من أحمائها أو ضرتها وأراد زوجها إسكانها في بيت منفرد من دار لجماعة أجانب وفي البيت مطبخ وخلاء يعدون ذلك من أعظم العار عليهم ، فينبغي الإفتاء بلزوم دار من بابها ، نعم ينبغي أن لا يلزمه إسكانها في دار واسعة كدار أبيها أو كداره التي هو ساكن فيها ; لأن كثيرا من الأوساط والأشراف يسكنون الدار الصغيرة ، وهذا موافق لما قدمناه عن الملتقط من قوله اعتبارا في السكنى بالمعروف ، [ ص: 602 ] إذ لا شك أن المعروف يختلف باختلاف الزمان والمكان ، فعلى المفتي أن ينظر إلى حال أهل زمانه وبلده ، إذ بدون ذلك لا تحصل المعاشرة بالمعروف ، وقد قال تعالى - { ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن } - .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث