الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( و ) القسم أيضا بقوله ( إن فعل كذا فهو ) يهودي أو نصراني أو فاشهدوا علي بالنصرانية أو شريك للكفار أو ( كافر ) [ ص: 718 ] فيكفر بحنثه لو في المستقبل ، أما الماضي عالما بخلافه فغموس .

واختلف في كفره ( و ) الأصح أن الحالف ( لم يكفر ) سواء ( علقه بماض أو آت ) إن كان عنده في اعتقاده أنه ( يمين وإن كان ) جاهلا . و ( عنده أنه يكفر في الحلف ) بالغموس وبمباشرة الشرط في المستقبل ( يكفر فيهما ) لرضاه بالكفر ، بخلاف الكافر [ ص: 719 ] فلا يصير مسلما بالتعليق لأنه ترك كما بسطه المصنف في فتاويه وهل يكفر بقوله الله يعلم أو يعلم الله أنه فعل كذا أو لم يفعل كذا كاذبا ؟ قال الزاهدي : الأكثر نعم . وقال الشمني : الأصح لا لأنه قصد ترويج الكذب دون الكفر ; وكذا لو وطئ المصحف قائلا ذلك لأنه لترويج كذبه لا إهانة المصحف مجتبى . وفيه : أشهد الله لا أفعل يستغفر الله ولا كفارة ، وكذا أشهدك وأشهد ملائكتك لعدم العرف . وفي الذخيرة : إن فعلت كذا فلا إله في السماء يكون يمينا ولا يكفر وفي فأنا بريء من الشفاعة ليس بيمين [ ص: 720 ] لأن منكرها مبتدع لا كافر ، وكذا فصلاتي وصيامي لهذا الكافر : وأما فصومي لليهود فيمين إن أراد به القربة لا إن أراد به الثواب

التالي السابق


( قوله فيكفر بحنثه ) أي تلزمه الكفارة إذا حنث إلحاقا له بتحريم الحلال ، لأنه لما جعل الشرط علما على الكفر وقد اعتقده واجب الامتناع وأمكن القول بوجوبه لغيره جعلناه يمينا نهر ( قوله أما الماضي ) كإن كنت فعلت كذا فهو كافر أو يهودي ومثلها الحال ( قوله عالما بخلافه ) أما إذا كان ظانا صحته فلغو ح ( قوله فغموس ) لا كفارة فيها إلا التوبة فتح ( قوله واختلف في كفره ) أي إذا كان كاذبا ( قوله والأصح إلخ ) وقيل لا يكفر ; وقيل يكفر لأنه تنجيز معنى لأنه لما علقه بأمر كائن فكأنه قال ابتداء هو كافر .

واعلم أنه ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " { من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال } " والظاهر أنه أخرج مخرج الغالب ، فإن الغالب ممن يحلف بمثل هذه الأيمان أن يكون جاهلا لا يعرف إلا لزوم الكفر على تقدير الحنث ، فإن تم هذا وإلا فالحديث شاهد لمن أطلق القول بكفره فتح ( قوله في اعتقاده ) تفسير لقوله عنده ح . قال في المصباح : وتكون عند بمعنى الحكم ، يقال : هذا عندي أفضل من هذا : أي في حكمي ( قوله وعنده أنه يكفر ) عطف تفسير على قوله جاهلا . وعبارة الفتح : وإن كان في اعتقاده أنه يكفر به يكفر لأنه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل الذي علق عليه كفره وهو يعتقد أنه يكفر إذا فعله ا هـ . وعبارة الدرر : وكفر إن كان جاهلا اعتقد أنه كفر إلخ ، وبه ظهر أن عطف وعنده بالواو هو الصواب ، وما يوجد في بعض النسخ من عطفه بأو خطأ لأنه يفيد أن المراد بالجاهل هو الذي لا يعتمد شيئا ، ولا وجه لتكفيره لما علمت من أنه إنما يكفر إذا اعتقده كفرا ليكون راضيا بالكفر ، أما الذي لا يعتقد كذلك لم يرض بالكفر حتى يقال إنه يكفر فافهم ( قوله يكفر فيهما ) أي في الغموس والمنعقدة . أما في الغموس ففي الحال ، وأما في المنعقدة فعند مباشرة الشرط كما صرح به في البحر قبيل قوله وحروفه ح .

ولا يقال : إن من نوى الكفر في المستقبل كفر في الحال .

وهذا بمنزلة تعليق الكفر بالشرط . لأنا نقول : إن من قال إن فعلت كذا فأنا كافر مراده الامتناع بالتعليق ومن عزمه أن لا يفعل فليس فيه رضا بالكفر عند التعليق بخلاف ما إذا باشر الفعل معتقدا أنه يكفر بمباشرته فإنه يكفر وقت مباشرته لرضاه بالكفر . وأما الجواب بأن هذا تعليق بما له خطر الوجود فلا يكفر به في الحال ، بخلاف قوله إذا جاء يوم كذا فهو كافر فإنه يكفر في الحال لأنه تعليق بمحقق الوجود ، ففيه أنه لو علقه بما له خطر يكفر أيضا كقوله إن كان كذا غدا فأنا أكفر فإنه يكفر من ساعته كما في جامع الفصولين لأنه رضي في الحال بكفره المستقبل على تقدير حصول كذا فافهم . وعلى هذا لو كان الحالف وقت الحلف ناويا على الفعل وقال إن فعلت كذا فهو كافر ينبغي أن يكفر في الحال لأنه يصير عازما في الحال على الفعل المستقبل الذي يعتقد كفره به ( قوله بخلاف الكافر ) أي إذا قال إن فعلت كذا فأنا مسلم . قال ح : في بعض النسخ : بخلاف الكفر . وعليها فضمير يصير عائد على الكافر الذي استلزمه الكفر [ ص: 719 ] والأولى أظهر ا هـ ( قوله لأنه ترك ) أي لأن الكفر ترك التصديق والإقرار فيصح تعليقه بالشرط ، بخلاف الإسلام بأنه فعل والأفعال لا يصح تعليقها بالشرط . قال ح : وبهذا التقرير عرفت أن هذا تعليل لقوله يكفر فيهما لا لقوله فلا يصير مسلما بالتعليق . ا هـ .

قلت : لكن الظاهر أنه تعليل للمخالفة وبيان لوجه الفرق ، وإلا لعطفه على التعليل الأول ( قوله كاذبا ) حال من الضمير في بقوله ( قوله الأكثر نعم ) لأنه نسب خلاف الواقع إلى علمه تعالى فيضمن نسبة الجهل إليه تعالى ( قوله وقال الشمني الأصح لا ) جعله في المجتبى وغيره رواية عن أبي يوسف . ونقل في نور العين عن الفتاوى تصحيح الأول . وعلى القول بعدم الكفر قال ح يكون حينئذ يمينا غموسا لأنه على ماض ، وهذا إن تعورف الحلف به وإلا فلا يكون يمينا ، وعلى كل فهو معصية تجب التوبة منه ا هـ لكن علمت أن التعارف إنما يعتبر في الصفات المشتركة تأمل .

( قوله وكذا لو وطئ المصحف إلخ ) عبارة المجتبى بعد التعليل المنقول هنا عن الشمني : هكذا قلت فعلى هذا إذا وطئ المصحف قائلا إنه فعل كذا أو لم يفعل كذا وكان كاذبا لا يكفر لأنه يقصد به ترويج كذبه لا إهانة المصحف ا هـ لكن ذكر في القنية والحاوي : ولو قال لها ضعي رجلك على الكراسة إن لم تكوني فعلت كذا فوضعت عليها رجلها لا يكفر الرجل لأن مراده التخويف وتكفر المرأة . قال رحمه الله : فعلى هذا لو لم يكن مراده التخويف ينبغي أن يكفر ، ولو وضع رجله على المصحف حالفا يتوب ، وفي غير الحالف استخفافا يكفر . ا هـ . ومقتضاه أن الوضع لا يستلزم الاستخفاف ، ومثله في الأشباه حيث قال : يكفر بوضع الرجل على المصحف مستخفا وإلا فلا . ا هـ .

ويظهر لي أن نفس الوضع بلا ضرورة يكون استخفافا واستهانة له ، ولذا قال لو لم يكن مراده التخويف ينبغي أن يكفر : أي لأنه إذا أراد التخويف يكون معظما له لأن مراده حملها على الإقرار بأنها فعلت ، لعلمه بأن وضع الرجل أمر عظيم لا تفعله فتقر بما أنكرته ، أما إذا لم يرد التخويف فإنه يكفر لأنه أمرها بما هو كفر لما فيه من الاستخفاف والاستهانة ، ويدل على ذلك قول من قال يكفر من صلى بلا طهارة أو لغير القبلة لأنه استهانة فليتأمل ( قوله لعدم العرف ) قلت : هو في زماننا متعارف ، وكذا : الله يشهد أني لا أفعل ، ومثله شهد الله ، علم الله أني لا أفعل فينبغي في جميع ذلك أن يكون يمينا للتعارف الآن ( قوله يكون يمينا ) قال في البحر : وينبغي أن الحالف إذا قصد نفي المكان عن الله تعالى أنه لا يكون يمينا لأنه حينئذ ليس بكفر بل هو الإيمان . ا هـ . ح ( قوله ولا يكفر ) لما كان مقتضى حلفه كونه الإله في السماء كان مظنة أن يتوهم كفره بنفس الحلف لأن فيه إثبات المكان له تعالى فقال ولا يكفر ، ولعل وجهه أن إطلاق هذا اللفظ وارد في النصوص كقوله تعالى - {وهو الذي في السماء إله } - وقوله تعالى - { أأمنتم من في السماء } - فلا يكفر بإطلاقه عليه تعالى وإن كانت حقيقة الظرفية غير مرادة ، فبالنظر إلى كون هذا اللفظ واردا في القرآن كان نفيه كفرا ولذا انعقدت به اليمين كما في نظائره ، وبالنظر إلى أن اعتقاد حقيقته اللغوية كفر كان مظنة كفره لاقتضاء حلفه كون الإله في السماء ، هذا غاية ما ظهر لي في هذا المحل . وفي أواخر جامع الفصولين : قال : الله تعالى في السماء عالم لو أراد به المكان كفر لا لو أراد به حكاية عما جاء في ظاهر الأخبار [ ص: 720 ] ولو لا نية له يكفر عند أكثرهم ا هـ فتأمل .

( قوله لأن منكرها مبتدع لا كافر ) أي واليمين إنما تنعقد إذا علقت بكفر ط ( قوله وكذا فصلاتي إلخ ) أي أنه ليس بيمين بحر عن المجتبى ط ( قوله وأما فصومي إلخ ) في حاوي الزاهدي : وصلواتي وصياماتي لهذا الكافر فليس بيمين وعليه الاستغفار ، وقيل هذا إذا نوى الثواب ، وإن نوى القربة فيمين . ا هـ .

قلت : وبه علم أن ما هنا قول آخر ، إذ لا يظهر فرق بين صلاتي وصومي بل التفصيل جاز فيهما على هذا القول أي إن أراد القربة والعبادة يكون يمينا لكونه تعليقا على كفر ، وأما إن أراد الثواب فلا لأن الثواب على ذلك أمر غيبي غير محقق ولأن هبة الثواب للغير جائزة عندنا فلعله أراد تخفيف عذابه وإن لم يكن الكافر أهلا لثواب العبادة تأمل

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث