الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان والركوب وغير ذلك

جزء التالي صفحة
السابق

( حلف لا يسكن هذه الدار أو البيت أو المحلة ) يعني الحارة ( فخرج وبقي متاعه وأهله ) حتى لو بقي وتد ( حنث ) واعتبر محمد [ ص: 751 ] نقل ما تقوم به السكنى ، وهو أرفق وعليه الفتوى قاله العيني ، ولو إلى سكة أو مسجد على الأوجه ، قاله الكمال وأقره في النهر ، وهذا لو يمينه بالعربية ولو بالفارسية بر بخروجه بنفسه كما لو كان سكناه تبعا وكما لو أبت المرأة النقلة وغلبته أو لم يمكنه الخروج ولو بدخول ليل [ ص: 752 ] أو غلق باب أو اشتغل بطلب دار أخرى أو دابة ، وإن بقي أياما أو كان له أمتعة كثيرة فاشتغل بنقلها بنفسه ، وإن أمكنه أن يستكري دابة لم يحنث . ولو نوى التحول ببدنه دين . وعند الشافعي يكفي خروجه بنية الانتقال ( بخلاف المصر ) والبلد ( والقرية ) فإنه يبر بنفسه فقط .

التالي السابق


مطلب حلف لا يسكن الدار

( قوله حلف لا يسكن إلخ ) فلو حلف لا يقعد في هذه الدار ولا نية له قالوا إن كان ساكنا فيها فهو على السكنى وإلا فعلى القعود حقيقة بحر عن المحيط . وفي الخانية : حلف لا يخرج من بلد كذا فهو الخروج ببدنه ، وفي لا يخرج من هذه الدار فهو على النقلة منها بأهله إن كان ساكنا فيها إلا إذا دل الدليل أنه أراد الخروج ببدنه ا هـ ( قوله يعني الحارة ) كذا قال في البحر المحلة هي المسماة في عرفنا بالحارة ا هـ .

قلت : المحلة في عرفنا الآن تطلق على الصقع الجامع لأزقة متعددة ، كل زقاق منها يسمى حارة وقد تطلق الحارة على المحلة كلها ( قوله فخرج ) وكذا لو لم يخرج بالأولى بحر لأن السكنى مما يمتد فلدوامه حكم الابتداء وظاهر ما مر عن المجتبى عدم الحنث في عرفهم ( قوله وأهله ) قال في البحر : الواو بمعنى أو لأن الحنث يحصل ببقاء أحدهما ، والمراد بالأهل زوجته وأولاده الذين معه وكل من كان يأويه لخدمته والقيام بأمره كما في البدائع ( قوله حتى لو بقي وتد حنث ) جعل حنث جواب لو فصار المتن بلا جواب ، فكان المناسب الأخصر أن يقول ولو وتدا وهو بكسر التاء أفصح من فتحها قهستاني ، وهذا تعميم للمتاع جريا على قول الإمام بأنه لا بد من نقل المتاع كله كالأهل ( قوله واعتبر قوله إلخ ) أي لأن ما وراء ذلك ليس من السكنى هداية . وقال أبو يوسف : يعتبر نقل الأكثر لتعذر نقل الكل في بعض الأوقات . قال في البحر : وقد اختلف الترجيح فالفقيه أبو الليث رجح قول الإمام وأخذ به والمشايخ استثنوا منه ما لا يتأتى به السكنى كقطعة حصير ووتد كما ذكره في التبيين وغيره ورجح في الهداية قول محمد بأنه أحسن وأرفق ومنهم من صرح بأن الفتوى عليه كما في الفتح . وصرح كثير كصاحب المحيط والفوائد الظهيرية والكافي بأن الفتوى على قول أبي يوسف ، والإفتاء بقول الإمام أولى لأنه أحوط وإن كان غيره أرفق . ا هـ .

قال في النهر : أنت خبير بأنه ليس المدار إلا على العرف ولا شك أن من خرج على نية ترك المكان وعدم العود إليه ونقل من أمتعته ما يقوم به أمر سكناه وهو على نية نقل الباقي يقال ليس ساكنا فيه بل انتقل منه وسكن في المكان الفلاني . وبهذا يترجح قول محمد . ا هـ .

[ ص: 751 ] قلت : وهذا الترجيح بالوجه المذكور مأخوذ من الفتح وفي الشرنبلالية عن البرهان أن قول محمد أصح ما يفتى به من التصحيحين . ا هـ .

قلت : ويؤيده ما مر من استثناء المشايخ فإن عليه يتحد قول الإمام مع قول محمد ، وأما قول النهر إنه ليس قول واحد منهم فهو غير ظاهر وإن كان كلام الزيلعي وغيره يوهم ما قاله فتأمل ( قوله على الأوجه ) قال في الهداية : فإن انتقل إلى السكة أو إلى المسجد قالوا لا يبر . دليله في الزيادات أن من خرج بعياله من مصره فما لم يتخذ وطنا آخر يبقى وطنه الأول في حق الصلاة كذا هذا ا هـ وفي الزيلعي : وقال أبو الليث : هذا إذا لم يسلم الدار المستأجرة إلى أهلها وأما إذا سلم فلا يحنث وإن كان هو والمتاع في السكة أو في المسجد ا هـ قال في الفتح : وإطلاق عدم الحنث أوجه وبقاء وطنه في حق إتمام الصلاة لا يستلزم تسميته ساكنا عرفا ، بل يقطع العرف فيمن نقل أهله وأمتعته وخرج مسافرا أن لا يقال فيه إنه ساكن وتمامه فيه . وفي البحر عن الظهيرية والصحيح أنه يحنث ما لم يتخذ مسكنا آخر هـ .

قلت : المعتبر العرف والعرف خلافه كما علمت ( قوله وهذا إلخ ) الإشارة إلى ما في المتن قال في النهر : وجواب المسألة مقيد بقيود أن تكون اليمين بالعربية ، وأن يكون الحالف مستقلا بالسكنى وأن لا يكون الترك لطلب منزل ( قوله ولو بالفارسية بر بخروجه بنفسه ) وإن كان مستقلا بسكناه فتح وهذا الفرق منقول عن أبي الليث

قال في النهر : وكأنه بناه على عرفهم ( قوله كما لو كان سكناه تبعا ) كابن كبير ساكن مع أبيه أو امرأة مع زوجها فلو حلف أحدهما لا يسكن هذه الدار فخرج بنفسه وترك أهله وماله أو هي زوجها ومالها لا يحنث فتح ( قوله كما لو أبت المرأة وغلبته ) أي وخرج هو ولم يرد العود إليه بحر ، وأطلقه فشمل ما إذا خاصما عند الحاكم أو لا كما في البزازية ( قوله أو لم يمكنه الخروج إلخ ) عطفه على ما قبله غير مناسب لأن ما قبله في المسائل التي يبر فيها بخروجه بنفسه ، وهذا ليس منها فالمناسب أن يقول : ولو لم يمكنه الخروج إلخ ويكون الجواب قوله الآتي لم يحنث

قال في الفتح : ثم إنما يحنث بتأخير ساعة إذا أمكنه النقل فيها وإلا بأن كان لعذر ليل أو خوف اللص ، أو منع ذي سلطان أو عدم موضع ينتقل إليه أو أغلق عليه الباب فلم يستطع فتحه أو كان شريفا أو ضعيفا لا يقدر على حمل المتاع بنفسه ، ولم يجد من ينقله لا يحنث ، ويلحق ذلك الوقت بالعدم للعذر .

مطلب إن لم أخرج فكذا فقيد أو منع حنث

وأورد ما ذكره الفضلي فيمن قال : إن لم أخرج من هذا المنزل اليوم فهي طالق فقيد أو منع من الخروج حنث وكذا إذا قال لامرأته وهي في منزل أبيها إن لم تحضري الليلة منزلي فمنعها أبوها من الخروج حنث ، وأجيب بالفرق بين كون المحلوف عليه عدما فيحنث بتحقيقه كيفما كان لأن العدم لا يتوقف على الاختيار ، وكونه فعلا فيتوقف عليه كالسكنى لأن المعقود عليه الاختياري ، وينعدم بعدمه فيصير مسكنا لا ساكنا فلم يتحقق شرط الحنث ا هـ ثم أعاد المسألة في آخر الأيمان وذكر عن الصدر الشهيد في الشرط العدمي خلافا ، وأن الأصح الحنث لأن الشرع قد يجعل الموجود معدوما بالعذر كالإكراه وغيره ولا يجعل المعدوم موجودا وإن وجد العذر ا هـ ونحوه في الزيلعي والبحر ، وقد أوضحنا هذه المسألة في آخر التعليق من الطلاق ( قوله ولو بدخول ليل ) هذا بمجرده [ ص: 752 ] عذر في حق المرأة بخلاف الرجل لما في آخر أيمان الفتح عن الخلاصة قال لها : إن سكنت هذه الدار فأنت طالق وكان ليلا فهي معذورة حتى تصبح ، ولو قال لرجل لم يكن معذورا هو الأصح إلا لخوف لص أو غيره ( قوله أو غلق باب ) أي إذا لم يقدر على فتحه والخروج منه ولو قدر على الخروج بهدم بعض الحائط ولم يهدم لم يحنث لأن المعتبر القدرة من الخروج من الوجه المعهود عند الناس كما في الظهيرية بحر ( قوله وإن بقي أياما ) هو الصحيح لأن طلب المنزل من عمل النقلة فصار مدة الطلب مستثنى إذا لم يفرط في الطلب فتح ( قوله وإن أمكنه أن يستكري دابة ) أي لنقل المتاع في يوم واحد مثلا إذ لا يلزمه النقل بأسرع الوجوه ، بل بقدر ما يسمى ناقلا في العرف فتح ( قوله دين ) أي ولا يصدق في القضاء بحر عن البدائع .

[ فرع ] حلف لا يسكن هذه الدار ولم يكن ساكنها فيها ، لا يحنث حتى يسكنها بنفسه وينقل إليها من متاعه ما يبات فيه ويستعمله في منزله كما في البحر عن البدائع ( قوله فإنه يبر بنفسه فقط ) أي ولا يتوقف على نقل المتاع والأهل فتح قال في النهر : وفي عصرنا يعد ساكنا بترك أهله ومتاعه فيها ولو خرج وحده فينبغي أن يحنث قال الرملي كونه يعد ساكنا مطلقا غير مسلم بل إنما يعد ساكنا إذا كان قصده العود ، أما إذا خرج منها لا بقصد العود لا يعد ساكنا ولعله مفيد بذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث