الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وكذا يكره ) هذه تعم التحريمية و التنزيهية ( للمرأة إمساك صغير لبول أو غائط نحو القبلة ) وكذا مد رجله إليها ( واستقبال شمس وقمر لهما ) أي : لأجل بول أو غائط ( وبول وغائط في ماء ولو جاريا ) في الأصح وفي البحر [ ص: 343 ] أنها في الراكد تحريمية ، وفي الجاري تنزيهية ( وعلى طرف نهر أو بئر أو حوض أو عين أو تحت شجرة مثمرة أو في زرع أو في ظل ) ينتفع بالجلوس فيه ( وبجنب مسجد ومصلى عيد ، وفي مقابر ، وبين دواب ، وفي طريق ) الناس ( و ) في ( مهب ريح وجحر فأرة أو حية أو نملة وثقب ) زاد العيني : وفي موضع يعبر عليه أحد أو يقعد عليه ، وبجنب طريق أو قافلة أو خيمة وفي أسفل الأرض إلى أعلاها ، والتكلم عليهما [ ص: 344 ] ( وأن يبول قائما أو مضطجعا أو مجردا من ثوبه بلا عذر أو ) يبول ( في موضع يتوضأ ) هو ( أو يغتسل فيه ) لحديث { لا يبولن أحدكم في مستحمه فإن عامة الوسواس منه } .

التالي السابق


( قوله : هذه إلخ ) الإشارة إلى الكراهة المذكورة في الأشياء الآتية . أي : بخلاف كراهة الاستقبال والاستدبار فإنها تحريمية كما نص عليه أولا ، وأراد دفع ما قد يتوهم أن كل هذه الأشياء الآتية مثلها بمقتضى ظاهر التشبيه . ( قوله : إمساك صغير ) هذه الكراهة تحريمية ; لأنه قد وجد الفعل من المرأة ط . ( قوله : وكذا مد رجله ) هي كراهة تنزيهية ط ، لكن قال الرحمتي : سيأتي في كتاب الشهادات أنه بمد الرجل إليها ترد شهادته ، وهذا يقتضي التحريم فليحرر . ا هـ . ( قوله : واستقبال شمس وقمر ) لأنهما من آيات الله الباهرة ، وقيل لأجل الملائكة الذين معهما سراج . ونقل سيدي عبد الغني عن المفتاح : ولا يقعد مستقبلا للشمس والقمر ، ولا مستدبرا لهما للتعظيم . ا هـ .

أقول : والظاهر أن الكراهة هنا تنزيهية ما لم يرد نهي ، وهل الكراهة هنا في الصحراء والبنيان كما في القبلة أم في الصحراء فقط ؟ وهل استقبال القمر نهارا كذلك ؟ لم أره . والذي يظهر أن المراد استقبال عينهما مطلقا لا جهتهما ولا ضوئهما ، وأنه لو كان ساتر يمنع عن العين ولو سحابا فلا كراهة ، وأن الكراهة إذا لم يكونا في كبد السماء وإلا فلا استقبال للعين ، ولم أره أيضا فليحرر نقلا . ثم رأيت في نور الإيضاح قال : واستقبال عين الشمس والقمر . ( قوله : في ماء ولو جاريا إلخ ) لما روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم " { أنه نهى أن يبال في الماء الراكد } رواه مسلم والنسائي وابن ماجه ، وعنه قال { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الماء الجاري } رواه الطبراني في الأوسط بسند جيد . والمعنى فيه أنه يقذره ، وربما أدى إلى تنجيسه . وأما الراكد القليل فيحرم البول فيه ; لأنه ينجسه ويتلف ماليته ويغر غيره باستعماله والتغوط في الماء أقبح من البول ، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب النهر فجرى إليه ، فكله مذموم قبيح منهي عنه . قال النووي في شرح مسلم : وأما انغماس المستنجي بحجر في ماء قليل ، فهو حرام لتنجيس الماء وتلطخه بالنجاسة ، وإن كان جاريا فلا بأس به ، وإن كان راكدا فلا تظهر كراهته ; لأنه ليس في معنى البول ولا يقاربه ، لكن اجتنابه أحسن ا هـ . كذا في الضياء المعنوي شرح مقدمة الغزنوي . ( قوله : وفي البحر إلخ ) ذكره في بحث المياه توفيقا بصيغة ينبغي . [ ص: 343 ] تنبيه ]

ينبغي أن يستثنى من ذلك ما إذا كان في سفينة في البحر ، فلا يكره له البول والتغوط فيه للضرورة ومثله بيوت الخلاء في دمشق ونحوها فإن ماءها يجري دائما ، ولم يبلغنا عن أحد من السلف منع قضاء الحاجة بها ، ولعل وجهه أن الماء الجاري بها بعد نزوله من الجرن إلى الأسفل لم تبق له حرمة الماء الجاري لقرب اتصاله بالنجاسة فلا تظهر فيه العلة المارة للكراهة ; لأنه لم يبق معدا للانتفاع به نعم ذكر سيدي عبد الغني في شرح الطريقة المحمدية أنه يظهر المنع من اتخاذ بيوت الخلاء فوق الأنهار الطاهرة ، وكذا إجراء مياه الكنف إليها بخلاف إجرائها إلى النهر الذي هو مجمع المياه النجسة ، وهو المسمى بالمالح - والله تعالى أعلم - . ( قوله : وعلى طرف نهر إلخ ) أي : وإن لم تصل النجاسة إلى الماء لعموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البراز في الموارد ولما فيه من إيذاء المارين بالماء ، وخوف وصولها إليه ، كذا في الضياء عن النووي .

( قوله : أو تحت شجرة مثمرة ) أي : لإتلاف الثمر وتنجيسه إمداد . والمتبادر أن المراد وقت الثمرة ، ويلحق به ما قبله بحيث لا يأمن زوال النجاسة بمطر أو نحوه ، كجفاف أرض من بول . ويدخل فيه الثمر المأكول وغيره ولو مشموما لاحترام الكل والانتفاع به ، ولذا قال في الغزنوية : ولا على خضرة ينتفع الناس بها . ( قوله : أو في ظل ) لقوله صلى الله عليه وسلم { اتقوا الملاعن الثلاثة : البراز في الموارد ، وقارعة الطريق ، والظل } رواه أبو داود وابن ماجه . ( قوله : ينتفع بالجلوس فيه ) ينبغي تقييده بما إذا لم يكن محلا للاجتماع على محرم أو مكروه وإلا فقد يقال يطلب ذلك لدفعهم عنه ويلحق بالظل في الصيف محل الاجتماع في الشمس في الشتاء .

( قوله : وفي مقابر ) لأن الميت يتأذى بما يتأذى به الحي والظاهر أنها تحريمية ; لأنهم نصوا على أن المرور في سكة حادثة فيها حرام ، فهذا أولى ط . ( قوله : وبين دواب ) لخشية حصول أذية منها ولو بتنجس بنحو مشيها . ( قوله : وفي مهب ريح ) لئلا يرجع الرشاش عليه . ( قوله : وجحر ) بتقديم الجيم على المهملة هو ما يحتفره الهوام والسباع لأنفسها قاموس ، لقول قتادة رضي الله عنه { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الجحر ، قالوا لقتادة ما يكره من البول في الجحر ؟ قال : يقال إنه مساكن الجن } رواه أحمد وأبو داود والنسائي ، وقد يخرج عليه من الجحر ما يلسعه أو يرد عليه بوله .

ونقل أن سعد بن عبادة الخزرجي رضي الله عنه قتلته الجن ; لأنه بال في جحر بأرض حوران ، وتمامه في الضياء . ( قوله : وثقب ) الخرق النافذ قاموس ، وهو بالفتح واحد الثقوب ، وبالضم جمع ثقبة كالثقب بفتح القاف . ا هـ . مختار ، ثم هذا يغني عنه ما قبله ، وهذا في غير المعد لذلك كبالوعة فيما يظهر . ( قوله : زاد العيني إلخ ) أقول : ينبغي أن يزاد أيضا البول على ما منع من الاستنجاء به لاحترامه كالعظم ونحوه كما صرح به الشافعية . ( قوله : يعبر عليه أحد ) هذا أعم من طريق الناس . ( قوله : وبجنب طريق أو قافلة ) قيد ذلك في الغزنوية بقوله : والهواء يهب من صوبه إليها .

قال في الضياء : أي : إلى الطريق أو القافلة ، والواو للحال . ا هـ . ( قوله : وفي أسفل الأرض إلخ ) أي : بأن يقعد في أسفلها ويبول إلى أعلاها فيعود الرشاش عليه . ( قوله : والتكلم عليهما ) أي : على البول والغائط ، قال صلى الله عليه وسلم { لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله تعالى يمقت على ذلك } رواه أبو داود والحاكم وصححه ويضربان الغائط أي : يأتيانه والمقت وهو البغض وإن كان على المجموع أي : مجموع كشف العورة والتحدث فبعض موجبات المقت مكروه إمداد . [ ص: 344 ] تنبيه ]

عبارة الغزنوية ولا يتكلم فيه أي : في الخلاء . وفي الضياء عن بستان أبي الليث : يكره الكلام في الخلاء . وظاهره أنه لا يختص بحال قضاء الحاجة . وذكر بعض الشافعية أنه المعتمد عندهم ، وزاد في الإمداد ولا يتنحنح أي : إلا بعذر ، كما إذا خاف دخول أحد عليه . ا هـ . ومثله بالأولى ما لو خشي وقوع محذور بغيره ؟ ولو توضأ في الخلاء لعذر هل يأتي بالبسملة ونحوها من أدعيته مراعاة لسنة الوضوء أو يتركها مراعاة للمحل ؟ والذي يظهر الثاني لتصريحهم بتقديم النهي على الأمر تأمل . ( قوله : وأن يبول قائما ) لما ورد من النهي عنه { ولقول عائشة رضي الله عنها من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ، ما كان يبول إلا قاعدا } رواه أحمد والترمذي والنسائي وإسناده جيد . قال النووي في شرح مسلم : وقد روي في النهي أحاديث لا تثبت ولكن حديث عائشة ثابت فلذا قال العلماء يكره إلا لعذر ، وهي كراهة تنزيه لا تحريم . وأما { بوله صلى الله عليه وسلم في السباطة التي بقرب الدور } فقد ذكر عياض أنه لعله طال عليه مجلس حتى حفزه البول فلم يمكنه التباعد ا هـ . أو لما روي { أنه صلى الله عليه وسلم بال قائما لجرح بمأبضه } بهمزة ساكنة بعد الميم وباء موحدة : وهو باطن الركبة ، أو لوجع كان بصلبه والعرب كانت تستشفي به ، أو لكونه لم يجد مكانا للقعود ، أو فعله بيانا للجواز وتمامه في الضياء . ( قوله : أو مضطجعا أو مجردا ) لأنهما من عمل اليهود والنصارى غزنوية . ( قوله : بلا عذر ) يرجع إلى جميع ما قبله ط . ( قوله : يتوضأ هو ) قدر هو ليوافق الحديث ويثبت حكم غيره بطريق الدلالة أفاده ح . ( قوله : لحديث إلخ ) لفظه كما في البرهان عن أبي داود { لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل أو يتوضأ فيه ، فإن عامة الوسواس منه } والمعنى موضعه الذي يغتسل فيه بالحميم ، وهو في الأصل الماء الحار ، ثم قيل للاغتسال بأي مكان استحمام ; وإنما نهي عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول أو كان المكان صلبا فيوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء فيحصل به الوسواس كما في نهاية ابن الأثير . ا هـ . مدني .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث