الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب

3767 38 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم ، أخبرنا ابن شهاب ، قال : أخبرني عمرو بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني زهرة ، وكان من أصحاب أبي هريرة ، عن أبي هريرة - رضي [ ص: 99 ] الله عنه - قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة عينا ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب ، حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه ، فقالوا : تمريثرب ، فاتبعوا آثارهم ، فلما حس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع فأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم : انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا ، فقال عاصم بن ثابت : أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ، ثم قال : اللهم أخبر عنا نبيك - صلى الله عليه وسلم - فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما ، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها ، قال الرجل الثالث : هذا أول الغدر ، والله لا أصحبكم ، إن لي بهؤلاء أسوة ، يريد القتلى ، فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم ، فانطلق بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر ، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا ، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا قتله ، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته ، فدرج بني لها وهي غافلة عنه حتى أتاه ، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ، قالت : ففزعت فزعة عرفها خبيب ، فقال : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك ، قالت : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد ، وما بمكة من ثمرة ، وكانت تقول : إنه لرزق رزقه الله خبيبا ، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب : دعوني أصلي ركعتين ، فتركوه فركع ركعتين ، فقال : والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت ، ثم قال : اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، ثم أنشأ يقول :


فلست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان لله مصرعي     وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع

ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله ، وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة ، وأخبر أصحابه يوم أصيبوا خبرهم ، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف ، وكان قتل رجلا عظيما من عظمائهم ، فبعث الله لعاصم مثل الظلمة من الدبر فحمته من رسلهم ، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئا .


التالي السابق


ذكره هنا لأجل قوله : وكان قتل عظيما من عظمائهم ، فإنه سيأتي في الطريق الآخر التصريح بأن ذلك يوم بدر ، والذي قتله عاصم المذكور يوم بدر من المشركين عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية ، قتله صبرا بأمر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - .

وموسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري البصري الذي يقال له التبوذكي ، وإبراهيم هو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن [ ص: 100 ] ابن عوف ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وعمرو بفتح العين ابن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين ابن جارية بالجيم ، هكذا وقع في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : عمرو بن جارية ، وهو هو غير أنه نسب إلى جده في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية البخاري في غزوة الرجيع عمرو بن أبي سفيان ، وهي كنية أبيه أسيد ، وأكثر أصحاب الزهري قالوا فيه عمرو بفتح العين ، وقال بعضهم : بضم العين ، ورجح البخاري أنه عمرو بالواو ، وقال ابن السكن في رواية : عمير بالتصغير ، والأكثرون على أنه عمرو بفتح العين .

والحديث قد مضى في كتاب الجهاد في باب هل يستأسر الرجل ، ومضى الكلام فيه مستقصى .

قوله : " عينا " أي : جاسوسا ، وانتصابه على أنه بدل من عشرة . قوله : " أمر " بتشديد الميم . قوله : " جد عاصم بن عمر " يعني لأمه . قوله : " بالهدأة " بفتح الهاء والدال المهملة والهمزة ، وقيل : بإسكان الدال بالألف واللام ، وقيل : بغيرهما ، والنسبة إليها هدوي على غير قياس ، وقيل : رويت بتخفيف الدال وتشديدها ، وعن أبي حاتم أن هذه بين مكة والمدينة ، وقال ابن سعد : هي على سبعة أميال من عسفان ، وهو بضم العين المهملة موضع على مرحلتين من مكة . قوله : " ذكروا " على صيغة المجهول . قوله : " بنو لحيان " بكسر اللام وسكون الحاء المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف ، وقال الرشاطي : لحيان في هذيل ، وقال الهمداني : لحيان من بقايا جرهم ، دخلت في هذيل ، وقال ابن دريد : هو من لحيت العود ولحوته إذا قشرته ، وهذيل هو ابن مدركة بن إلياس بن مضر . قوله : " فنفروا إليهم " أي : ذهبوا لقتالهم . قوله : " مأكلهم " اسم المكان ، أي : في مأكلهم . قوله : " فأعطونا بأيديكم " أي : انقادوا وسلموا . قوله : " منهم خبيب " بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة أخرى ، وهو ابن عدي الأنصاري . قوله : " وزيد بن الدثنة " بفتح الدال المهملة وكسر الثاء المثلثة وبالنون ابن معاوية بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي . قوله : " ورجل آخر " هو عبد الله بن طارق حليف بني ظفر . قوله : " أوتار قسيهم " الأوتار جمع وتر ، والقسي جمع قوس ، وأصله قووس لأنه فعول ، إلا أنهم قدموا اللام وصيروه قسوا على وزن فلوع ، ثم قلبوا الواو ياء فصار قسي ، ثم كسروا السين فصار على وزن فليع ، ويجمع القوس على أقواس أيضا وقياس ، والقوس يذكر ويؤنث ، فمن أنثه قال في تصغيره قويسية ، ومن ذكره قال قويس . قوله : " فأبى أن يصحبهم " ولم يبين فيه ما فعلوا به ، وبين في غزوة الرجيع أنهم قتلوه . قوله : " فابتاع بنو الحارث " أي : اشترى ، وفي التوضيح : فابتاع حجير بن أبي إهاب خبيبا لابن أخيه عقبة بن الحارث بن عامر خال أبي إهاب ليقتله بأبيه ، وعند أبي معشر : اشترت خبيبا ابنة أبي سروعة واشترك معها ناس ، وقال الواقدي : اشترى صفوان بن أمية زيدا ليقتله بأبيه بخمسين فريضة ، ويقال : إنه اشترك فيه ناس من قريش ، وخبيب اشتراه حجير بن أبي إهاب بثمانين مثقالا من ذهب ، ويقال بخمسين فريضة ، والفريضة بالضاد المعجمة البعير المأخوذ من الزكاة ، ثم اتسع فيه حتى سمي البعير فريضة في غير الزكاة ، ويقال : اشترته بنت الحارث بمائة من الإبل ، وعند معمر : اشتراه بنو الحارث بن نوفل ، وعند ابن عقبة اشترك في ابتياع خبيب أبو إهاب بن عزيز وعكرمة بن أبي جهل والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم بن الأوقص وأمية بن أبي عتبة وبنو الحضرمي وشعبة بن عبد الله وصفوان بن أمية ، وهم أبناء من قتل من المشركين ببدر ، ودفعوه إلى عقبة بن الحارث فسجنه في داره . قوله : " وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر "، واعترض الدمياطي فقال : لم يقتل خبيب هذا ، وإنما هو أحد بني جحجبي الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، ولم يشهد بدرا ، والذي شهد بدرا وقتل فيها الحارث هو خبيب بن يساف بن عقبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج ، وخبيب بن عدي أحد بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، شهد أحدا ، ومات خبيب بن يساف في زمن عثمان - رضي الله تعالى عنه - قلت : قال أبو عمر في كتابه الاستيعاب : خبيب بن عدي الأنصاري من بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف ، شهد بدرا ، وأسر يوم الرجيع ، وقال أيضا : خبيب بن أساف ، ويقال : يساف ، شهد بدرا وأحدا والخندق ، وكان نازلا بالمدينة .

قوله : " موسى " جاز صرفه ومنعه نظرا إلى اشتقاقه ، كذا قاله الكرماني ، وسكت عليه ، قلت : موسى ما يحلق به من أوسى رأسه ، أي : حلق ، قال الفراء : هي فعلى ، وتؤنث ، وقال عبد الله بن سعيد الأموي : هو مذكر لا غير ، يقال : هذا موسى ، وهو مفعل ، وقال أبو عبيد : لم يسمع التذكير فيه إلا من الأموي ، وقال أبو عمرو [ ص: 101 ] ابن العلاء : هو مفعل ، يدل على ذلك أنه يصرف في النكرة ، وفعلى لا تنصرف على حال . قوله : " يستحد بها " من الاستحداد ، وهو إزالة شعر العانة ، وأراد به التنظيف للمقاربة ; لأن ذلك كان حين فهم إجماعهم على القتل . قوله : " فدرج " أي : ذهب إليه . قوله : " مجلسه " بضم الميم اسم فاعل من الإجلاس مضاف إلى المفعول . قوله : " قالت : ففزعت فزعة " لأنها لما رأت الصبي على فخذه والموسى بيده ظنت أنه يقتله ، فقال خبيب : أتخشين أن أقتله ، كلمة أن مصدرية ، أي : أتخشين قتله ، ويروى : أتخشي بحذف النون بغير جازم وناصب ، لغة ، ويفهم من كلام ابن إسحاق أن هذه المرأة هي مارية مولاة حجير بن أبي إهاب ، لأنه روي أن خبيبا قال لها : ابعثي إلي بحديدة ، قالت : فأعطيت غلاما من الحي الموسى ، فقلت : ادخل بها على هذا الرجل البيت ، قالت : فوالله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه ، قلت : ما صنعت ؟ ! أصاب الرجل والله ثأره بقتل هذا الغلام ، فلما ناوله الحديدة قال : لعمرك والله ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة ، إلى قوله : " يأكل قطفا " بكسر القاف ، وهو العنقود من العنب ، وبجمعه جاء القرآن : قطوفها دانية ويقال : قطف العنب إذا قطعه من الكرم قطافا ، وقد يجعل القطاف اسما للوقت ، ومن باع إلى القطاف ، والفتح لغة ، وقال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي نجيح أنه حدث عن مارية مولاة حجير بن إهاب ، وكانت قد أسلمت ، قالت : كان خبيب حبس في بيتي ، فلقد اطلعت عليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه .

قوله : " ما بي جزع " الذي هو ملتبس بي من إرادة الصلاة . قوله : " أحصهم " من الإحصاء بالمهملتين ، دعا عليهم بالهلاك استئصالا بحيث لا يبقى واحد من عددهم . قوله : " بددا " بكسر الباء الموحدة وفتح الدال المهملة الأولى ، أي : متفرقة متقطعة . قوله : " ثم قام إليه أبو سروعة " بكسر السين المهملة وسكون الراء وفتح الواو وبالعين المهملة ، وقال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد ، عن أبيه عباد ، عن عقبة بن الحارث قال : سمعته يقول : والله ما أنا قتلت خبيبا لأني كنت أصغر من ذلك ، ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي ، ثم أخذ بيدي وبالحربة ، ثم طعنه بها حتى قتله ، وقال الحاكم في الإكليل : رموا زيدا يعني ابن الدثنة بالنبل ، وأرادوا فتنته فلم يزدد إلا إيمانا ، وأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال وهو جالس في اليوم الذي قتلا فيه : وعليكما أو عليك السلام ، خبيب قتله قريش ، ولا ندري أذكر زيدا أم لا ، وزعموا أن خبيبا دفنه عمرو بن أمية ، وقال البيهقي في دلائله : إن خبيبا لما قال : اللهم إني لا أجد رسولا إلى رسولك يبلغه عني السلام ، جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فأخبره بذلك ، وقال ابن سعد : وكانا صليا ركعتين قبل أن يقتلا ، قلت : نص البخاري على أن خبيبا هو الذي صلاهما . قوله : " الصلاة " بالنصب لأنه مفعول قوله : " سن " . قوله : " وأخبر أصحابه " أي : وأخبر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أصحابه بقضية هؤلاء ، وهو من المعجزات . قوله : " يوم أصيبوا " على صيغة المجهول ، أي : يوم أصيب هؤلاء ، ويروى : يوم أصيب على تقدير أصيب كل واحد منهم . قوله : " حين حدثوا " على صيغة المجهول ، أي : حين أخبروا .

قوله : " مثل الظلة من الدبر " الظلة بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام : كل ما أظلك ، ويجمع على ظلل ، ومنه : عذاب يوم الظلة وهي سحابة أظلتهم فلجؤوا إلى ظلها من شدة الحر فأطبقت عليهم وأهلكتهم ، والدبر بفتح الدال المهملة وسكون الباء الموحدة وبالراء الزنابير ، قاله أبو حنيفة ، قال : وقد يقال أيضا للنحل دبر بالفتح ، وواحدها دبرة ، قال : ويقال له خشرم ، ولا واحد له من لفظه ، قيل : واحده خشرمة ، وقال الأصمعي : الدبر النحل ، ولا واحد له ، روى ذلك أبو عبيدة عنه ، وأما غيره فروي عنه أن واحدتها دبرة ، قال أبو حنيفة : والدبر عند من رأينا من الأعراب الزنابير ، وقال الباهلي : الدبر النحل والجمع الدبور ، وذكر بعض الرواة أنه يقال لأولاد الجراد الدبر ، وذكر أبو يوسف في لطائفه ، قال - صلى الله تعالى عليه وسلم - : أيكم ينزل خبيبا من خشبته وله الجنة ؟ فقال الزبير : أنا والمقداد ، قالا : فوجدنا حول الخشبة أربعين رجلا ، فأنزلناه فإذا هو رطب لم يتغير بعد أربعين يوما ويده على جرحه ، وهو ينبض ، أي : يسيل دما كالمسك ، فحمله الزبير على فرسه ، فلما لحقه الكفار قذفه ، فابتلعته الأرض ، فسمي بليع الأرض .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث