الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح

4030 288 - ( حدثنا عبيد بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه قال : لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا ، خرج أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران ، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة ، فقال أبو سفيان : ما هذه ؟ لكأنها نيران عرفة ، فقال بديل بن ورقاء : نيران بني عمرو ، فقال أبو سفيان : عمرو أقل من ذلك ، فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم ، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلم أبو سفيان ، فلما سار قال للعباس : احبس أبا سفيان عند حطم الخيل حتى ينظر إلى المسلمين ، فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان ، فمرت كتيبة قال : يا عباس ، من هذه ؟ قال : هذه غفار ، قال : ما لي ولغفار ، ثم مرت جهينة قال مثل ذلك ، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ، ومرت سليم فقال مثل ذلك ، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها قال : من هذه ؟ قال : هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة ، معه الراية ، فقال سعد بن عبادة : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة ، فقال أبو سفيان : يا عباس ، حبذا يوم الذمار ، ثم جاءت كتيبة ، وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال : ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة ؟ قال : ما قال ؟ قال : قال كذا وكذا ، فقال : كذب سعد ، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة ، قال : وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون . قال عروة : وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال : سمعت العباس يقول للزبير بن العوام : يا أبا عبد الله ، هاهنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية ، قال : وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء ، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من كدى ، فقتل من خيل خالد يومئذ رجلان : حبيش بن الأشعر ، وكرز بن جابر الفهري ) .

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله : وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون ، وعبيد بن إسماعيل أبو محمد القرشي الكوفي ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، وهذا الحديث من مراسيل التابعي ، قوله : " فبلغ ذلك " أي : سير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قوله : " أبو سفيان " اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد [ ص: 279 ] شمس الأموي القرشي ، غلبت عليه كنيته ، وقيل كانت له كنية أخرى أبو حنظلة ، كني بابن له يسمى حنظلة ، قتله علي بن أبي طالب يوم بدر كافرا ، وتوفي أبو سفيان بالمدينة سنة إحدى وثلاثين ، وهو ابن ثمان وثمانين سنة ، وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي يكنى أبا خالد ، وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وتوفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين ، وهو ابن مائة وعشرين سنة ، وبديل بضم الباء الموحدة ، وفتح الدال المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام ، ابن ورقاء مؤنث الأورق ، ابن عبد العزى بن ربيعة الخزاعي من خزاعة أسلم يوم فتح مكة ، وابنه عبد الله بن بديل ، قوله : " مر الظهران " بفتح الميم وتشديد الراء والعامة يسكنون الراء وزيادة واو ، والظهران بفتح الظاء المعجمة ، وسكون الهاء بلفظ تثنية ظهر ، وهو موضع بقرب مكة ، وقال البكري : بينه وبين مكة ستة عشر ميلا ، قوله : " فإذا هم " كلمة " إذا " مفاجأة ، وهم يرجع إلى أبي سفيان وحكيم وبديل ، قوله : " كأنها نيران عرفة " أي : كأن هذه النيران مثل النيران التي كانوا يوقدونها ، وكانت عادتهم أنهم يشعلون نيرانا كثيرة في عرفة ، وقال ابن سعد : إنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما نزل مر الظهران أمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار ، ولما بلغ قريشا مسيره صلى الله عليه وسلم وهم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم ، بعثوا أبا سفيان يتجسس الأخبار وقالوا : إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا ، فخرج ومعه حكيم بن حزام وبديل ، فلما رأوا العسكر أفزعهم ، وعلى الحرس تلك الليلة عمر رضي الله تعالى عنه ، فسمع العباس صوت أبي سفيان فقال : أبا حنظلة ، فقال : لبيك ، قال : هذا رسول الله في عشرة آلاف فأسلم ثكلتك أمك ، وقال ابن إسحاق : إن أبا سفيان ركب مع العباس ، ورجع حكيم وبديل ، وقال موسى بن عقبة : ذهبوا كلهم مع العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا ، وقال أبو معشر : إن الحرس جاءوا بأبي سفيان إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال : احبسوهم حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبره الخبر جاء العباس إلى أبي سفيان فأردفه فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوا بالآخرين ، وقال الطبري : إنه صلى الله عليه وسلم وجه حكيم بن حزام مع أبي سفيان بعد إسلامهما إلى مكة وقال : من دخل دار حكيم فهو آمن ، وهي بأسفل مكة ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، وهي بأعلى مكة ، فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة ، ولهذا قال جماعة من أهل العلم منهم الشافعي : إن مكة مؤمنة وليست عنوة ، والأمان كالصلح ، ورأى أن أهلها مالكون رباعهم ، قوله : " ما هذه ؟ " استفهام ، وكأنه جواب قسم محذوف ، أي : والله لكأنها نيران ليلة عرفة ، قوله : " نيران بني عمرو " يعني خزاعة ، وعمرو هو ابن لحي ، قوله : " من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم " بفتح الحاء المهملة ، وهو جمع حرسي ، وقال ابن الأثير : الحرس خدم السلطان المرتبون لحفظه وحراسته ، وفي مراسيل أبي سلمة : وكان حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرا من الأنصار ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عليهم تلك الليلة ، فجاءوا به إليه فقالوا : جئناك بنفر أخذناهم من أهل مكة ، فقال عمر : والله لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم قالوا : قد أتيناك بأبي سفيان ، قوله : " عند حطم الخيل " . قال ابن الأثير : في باب الحاء المهملة ، وفي حديث الفتح قال للعباس : احبس أبا سفيان عند حطم الخيل ، هكذا جاءت في كتاب أبي موسى ، وقال : حطم الخيل الموضع الذي حطم منه ، أي : ثلم منه فبقي متقطعا ، قال : ويحتمل أن يريد عند مضيق الخيل حيث يزحم بعضهم بعضا ، ورواه أبو نصر الحميدي في كتابه بالخاء المعجمة ، وفسرها في غريبه فقال : الخطم والخطمة رغن الجبل ، وهو الأنف البارز منه ، والذي جاء في كتاب البخاري ، وهو أخرج الحديث فيما قرأناه ، ورويناه في نسخ كتابه : " عند حطم الخيل " هكذا مضبوطا يعني بالخاء المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف .

فإن صحت الرواية به ولم تكن تحريفا من الكتبة فيكون معناه ، والله أعلم أن يحبسه في الموضع المتضايق الذي يتحطم فيه الخيل ، أي : يدوس بعضها بعضا ، فيراها جميعا ، وتكثر في عينه بمرورها في ذلك الموضع ، وكذلك أراد بحبسه عند حطم الجبل يعني بالجيم على ما شرحه الحميدي ، فإن الأنف البارز من الجبل يضيق الموضع الذي يخرج منه ، وقال الخطابي : خطم الجبل بالخاء المعجمة ، وهو ما خطم منه ، أي : ثلم من عرضه ، فبقي متقطعا ، وكذا قاله ابن التين ، وقال الكرماني : الخطم المتكسر المنخرق ، والجبل بالجيم ، قلت : وفي رواية القابسي والنسفي : الخطم بالخاء المعجمة ، والجبل بالجيم والباء الموحدة ، وهي رواية ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ، وفي رواية الأكثرين بفتح الخاء من الخطم ، وبالخاء المعجمة من الخيل ، قوله : " كتيبة " بفتح الكاف ، وكسر التاء المثناة من فوق ، وهي القطعة المجتمعة من الجيش ، وأصله من الكتب ، [ ص: 280 ] وهو الجمع ، قوله : " هذه " أي : هذه الكتيبة ، " غفار " بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء ، وهو ابن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، قوله : " ما لي ولغفار " يعني ما كان بيني وبينهم حرب ، قوله : " جهينة " بضم الجيم ، وفتح الهاء ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح النون ، وهو ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بضم اللام ابن الحاف بن قضاعة ، قوله : " سعد بن هذيم " بضم الهاء ، وفتح الذال المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره ميم ، والمعروف فيها سعد هذيم بالإضافة ، وسعد بن هذيم على المجاز ، وسعد بن هذيم طوائف من العرب ، وهذيم الذي نسب إليه سعد عبد كان رباه فنسب إليه ، قوله : " ومرت سليم " بضم السين ، وفتح اللام ، وهو ابن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان ، قوله : " معه الراية " أي : راية الأنصار ، وكانت راية المهاجرين مع الزبير بن العوام ، قوله : " يوم الملحمة " بالحاء المهملة ، أي : يوم حرب لا يوجد فيه مخلص ، وقيل يوم القتل يقال : لحم فلان فلانا إذا قتله ، قوله : " حبذا يوم الذمار " بكسر الذال المعجمة وتخفيف الميم ، أي : يوم الهلاك ، وقال الخطابي : تمنى أبو سفيان أن يكون له يد فيحمي قومه ، ويدفع عنهم ، وقيل : المراد هذا يوم الغضب للحريم والأهل والانتصار لهم لمن قدر عليه ، وقيل : المراد هذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي من أن ينالني مكروه ، وقال ابن إسحاق : زعم بعض أهل العلم أن سعدا لما قال : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة ، فسمعها رجل من المهاجرين فقال : يا رسول الله ، ما آمن أن يكون لسعد في قريش ، فقال لعلي رضي الله تعالى عنه : أدركه فخذ الراية منه ، فكن أنت تدخل بها ، وقال ابن هشام : الرجل المذكور هو عمر رضي الله تعالى عنه ، وذكر الأموي في المغازي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل إلى سعد فأخذ الراية منه ، فدفعها إلى ابنه قيس ، وجزم موسى بن عقبة في المغازي ، عن الزهري أنه دفعها إلى الزبير بن العوام ، فإن قلت : هذه ثلاثة أقوال ، فما التوفيق بينها ؟ قلت : الجمع فيها أن عليا أرسل بنزعها ، وأن يدخل بها ، ثم خشي تغير خاطر سعد ، فدفعها لابنه قيس ، ثم إن سعدا خشي أن يقع من ابنه شيء ينكره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذها منه ، فحينئذ أخذها الزبير ، قوله : " وهي أقل الكتائب " أي : أقلها عددا ، قال عياض : وقع للجميع بالقاف ، ووقع للحميدي بالجيم ، أي : أجلها ، قوله : " فقال : كذب سعد " أي : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كذب ، أي : أخطأ سعد ، قوله : " قال : وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " القائل بذلك هو عروة ، وهو من بقية الخبر ، وهو ظاهر الإرسال في الجميع إلا في القدر الذي صرح عروة بسماعه له من نافع بن جبير ، وأما باقيه فيحتمل أن يكون عروة تلقاه ، عن أبيه ، أو عن العباس ، فإنه أدركه وهو صغير ، قوله : " الحجون " بفتح الحاء المهملة ، وضم الجيم الخفيفة ، هو مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة شرفها الله تعالى ، قوله : " قال عروة : وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم " إلى قوله : " وأمر " هذا السياق يوهم أن نافعا حضر المقالة المذكورة يوم فتح مكة ، وليس كذلك فإنه لا صحبة له ، ولكنه محمول على أنه سمع العباس يقول للزبير ذلك بعد ذلك في حجة اجتمعوا فيها ، إما في خلافة عمر ، أو في خلافة عثمان ، قوله : " وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " إلى قوله : " من كداء " بفتح الكاف وتخفيف الدال وبالمد ، وهو أعلى مكة ، وكدى بضم الكاف والقصر والتنوين ، قيل : هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الآتية أن خالدا دخل من أسفل مكة ، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من أعلاها ، وضربت له هناك قبة ، قوله : " حبيش " بضم الحاء المهملة ، وفتح الباء الموحدة وبالشين ، وعند ابن إسحاق : خنيس بضم الخاء المعجمة ، وفتح النون وبالسين المهملة ، وكلاهما مصغر ابن الأشعر ، وهو لقب ، واسمه خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن حزم الخزاعي ، وهو أخو أم معبد التي مر بها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مهاجرا واسمها عاتكة ، قوله : " وكرز " بضم الكاف ، وسكون الراء وفي آخره زاي ابن جابر بن حسل بكسر الحاء ، وسكون السين المهملتين ابن الأحب بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة المشددة ابن حبيب الفهري ، وكان من رؤساء المشركين ، وهو الذي أغار على سرح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة بدر الأولى ثم أسلم قديما وبعثه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في طلب العرنيين ، وذكر ابن إسحاق أن هذين الرجلين سلكا طريقا فشذا عن عسكر خالد رضي الله تعالى عنه ، فقتلهما المشركون يومئذ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث