الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

4075 330 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، حدثنا عمرو بن يحيى ، عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد بن عاصم ، قال : لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا ، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، فخطبهم فقال : يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ، كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن ، قال : ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن ، قال : لو شئتم قلتم : جئتنا كذا وكذا ، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها ، الأنصار شعار ، والناس دثار ، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض .

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله : " يوم حنين " ، ووهيب مصغر وهب ، ابن خالد البصري ، وعمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني ، وعباد بتشديد الباء الموحدة ابن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني ، سمع عمه عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو الأنصاري المازني المدني ، له ولأبويه ولأخيه حبيب صحبة ، وهو الذي حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم .

وأخرج البخاري في التمني بعض هذا الحديث ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن شريح بن يونس .

قوله : " لما أفاء الله على رسوله " أي : لما أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين ، وأصل الفيء الرجوع ، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئا ; لأنه يرجع من جانب إلى جانب ، ومنه سميت أموال الكفار فيئا ; لأنها كانت في الأصل للمؤمنين ; لأن الإيمان هو أصل والكفر طارئ عليه ، ولكنهم غلبوا عليها [ ص: 308 ] بالتعدي ، فإذا غنمها المسلمون فكأنها رجعت إليهم ، قوله : " قسم " مفعوله محذوف ، أي : قسم الغنائم في الناس ، قوله : " في المؤلفة قلوبهم " بدل البعض من الكل ، والمراد بالمؤلفة قلوبهم هنا ناس حديثو العهد بالإسلام ، أعطاهم تأليفا لقلوبهم وسرد أصحاب السير أسماءهم ما ينيف على الأربعين منهم أبو سفيان وابناه معاوية ويزيد ، قوله : " وجدوا " أي : حزنوا ، يقال وجد في الحزن وجدا بفتح الواو ، ووجد في المال وجدا بالضم ، ووجدا بالفتح ، ووجدا بالكسر وجدة ، أي : استغنى ، ووجد مطلوبه يجده وجودا ، ووجد ضالته وجدانا ، ووجد عليه في الغضب موجدة ووجدانا أيضا حكاها بعضهم ، وفي رواية أبي ذر فكأنهم وجد بضمتين جمع الواجد ، ويروى بضم الواو ، وسكون الجيم ، وحاصل رواية أبي ذر فكأنهم وجد ، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس أو كأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، أورده على الشك والتكرار ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : ما فائدة التكرار ؟ قلت : إذا كان الأول اسما ، والثاني فعلا فهو ظاهر ، أو أحدهما من الحزن ، والثاني من الغضب ، أو هو شك من الراوي ، ووقع للكشميهني وحده وجدوا في الموضعين ، وكذا وقع في أصل النسفي ، وفي رواية مسلم ، وقال عياض : وقع في نسخة من الثاني : إن لم يصبهم يعني بفتح الهمزة وبالنون ، قال : وعلى هذا تظهر فائدة التكرار ، قوله : " فخطبهم " زاد مسلم : فحمد الله وأثنى عليه ، قوله : " ضلالا " بضم الضاد وتشديد اللام جمع ضال ، والمراد هنا ضلالة الشرك ، وبالهداية الإيمان ، قوله : " وعالة " جمع العائل ، وهو الفقير ، قوله : " كلما قال شيئا " أي : كلما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك شيئا ، " قالوا " أي : الأنصار ، قوله : " الله ورسوله أمن " بفتح الهمزة والميم وتشديد النون ، وهو أفعل التفضيل من المن ، ويوضحه حديث أبي سعيد فقالوا : ماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل ، قوله : " قال : كلما قال شيئا " في المرة الثانية تكرار من الراوي للأول ، قوله : " قال : لو شئتم " أي : قال رسول الله : لو شئتم " قلتم : جئتنا " بفتح التاء للخطاب ، قوله : " كذا وكذا " كناية عما يقال جئتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فواسيناك ، وصرح بذلك في حديث أبي سعيد ، وروى أحمد من حديث ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس بلفظ : أفلا تقولون : جئتنا خائفا فآمناك ، وطريدا فآويناك ، ومخذولا فنصرناك ، قالوا : بل المن علينا لله ولرسوله انتهى .

وإنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعا منه وإنصافا ، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم ، فإنه لولا هجرته إليهم وسكناه عندهم ، لما كان بينهم وبين غيرهم فرق نبه صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله : أترضون إلخ ، ويروى ألا ترضون ففيه تنبيه لهم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به بالنسبة إلى ما اختص به غيرهم من عرض الدنيا الفانية ، قوله : " بالشاة والبعير " كل منهما اسم جنس ، فالشاة تقع على الذكر والأنثى والبعير على الجمل والناقة ، وفي رواية الزهري : أترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وفي رواية أبي التياح بالدنيا ، قوله : " إلى رحالكم " أي : إلى بيوتكم ومنازلكم ، وهو جمع رحل بالحاء المهملة ، قوله : " لولا الهجرة " أي : لولا وجود الهجرة ، قال الخطابي : أراد بهذا الكلام تألف الأنصار وتطييب قلوبهم ، والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحدا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها ، ونسبة الإنسان على وجوه الولادية كالقرشية ، والبلادية كالكوفية ، والاعتقادية كالسنية ، والصناعية كالصيرفية ، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به الانتقال عن نسب آبائه ، إذ ذاك ممتنع قطعا ، وكيف وأنه أفضل منهم نسبا ، وأكرمهم أصلا ، وأما الاعتقادي فلا موضع فيه للانتقال إذ كان دينه ودينهم واحدا ، فلم يبق إلا القسمان الأخيران الجائز فيهما الانتقال ، وكانت المدينة دارا للأنصار ، والهجرة إليها أمرا واجبا ، أي : لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها ، لانتقلت عن هذا الاسم إليكم ، ولانتسبت إلى داركم ، قال الخطابي : وفيه وجه آخر ، وهو أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة ، وتكاد تلحقها بالعمومة ، وكانت أم عبد المطلب امرأة من بني النجار ، فقد يكون صلى الله تعالى عليه وسلم ذهب هذا المذهب إن كان أراد نسبة الولادة ، قوله : " ولو سلك الناس واديا أو شعبا " بكسر الشين المعجمة ، وهو اسم لما انفرج بين جبلين وقيل : الطريق في الجبل ، وقال الخطابي : لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب ، فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم واديا وشعبا ، فأراد أنه مع الأنصار ، قال : ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب ، كما يقال : فلان في واد وأنا في واد ، قوله : " شعار " بكسر الشين المعجمة والعين المهملة الخفيفة ، وهو الثوب الذي يلي الجلد من الجسد ، والدثار بكسر [ ص: 309 ] الدال المهملة وبالثاء المثلثة الخفيفة ، وهو الذي فوق الشعار ، وهو كناية عن فرط قربهم منه ، وأراد أنهم بطانته وخاصته ، وأنهم ألصق به ، وأقرب إليه من غيرهم ، قوله : " أثرة " بضم الهمزة ، وسكون الثاء المثلثة ، وبفتحتين ، وهو اسم من آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى .

قال ابن الأثير : أراد أنه يؤثر عليكم فيفضل غيركم من نصيبه من الفيء ، ويروى : " إثرة " بكسر أوله مع الإسكان ، أي : الانفراد بالشيء المشترك دون من يشاركه فيه ، قوله : " على الحوض " أي : يوم القيامة ، وفي رواية الزهري : حتى تلقوا الله ورسوله ، فإني على الحوض ، أي : اصبروا حتى تموتوا ، فإنكم ستجدوني عند الحوض فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم ، والثواب الجزيل على الصبر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث