الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1168 249 - حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في الصلاة ؟ فقال: وما ذاك ؟ قال: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعد ما سلم.

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة، ومضى هذا الحديث بعينه في باب ما جاء في القبلة، فإنه أخرجه هناك، عن مسدد ، عن يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم إلى آخره، وهنا عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك ، عن شعبة بن الحجاج ، عن الحكم - بفتحتين - ابن عتيبة ، عن إبراهيم بن يزيد النخعي ، عن علقمة بن قيس ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، والتفاوت بينهما يسير سندا ومتنا، فاعتبر ذلك بالنظر، وأخرجه أيضا في باب التوجه نحو القبلة بأطول منه، عن عثمان ، عن جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال: قال عبد الله صلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلى آخره.

وقد ذكرنا هناك أن حديث عثمان أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . وحديث أبي الوليد أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، فلفظ مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا، فلما سلم قيل: أزيد في الصلاة ؟ قال: وما ذاك ؟ قالوا: صليت خمسا فسجد سجدتين . وفي لفظ له: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا، فقلنا: يا رسول الله، أزيد في الصلاة ؟ قال: وما ذاك ؟ قالوا: صليت خمسا. قال: إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتي السهو .

وفي لفظ له: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزاد - أو: نقص، قال إبراهيم : والوهم مني - فقيل: يا رسول الله، أزيد في الصلاة شيء ؟ فقال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد سجدتين ، وفي لفظ له، أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام . وفي لفظ له: قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإما زاد - أو نقص، قال إبراهيم : وايم الله ما جاء ذاك إلا من قبلي - قال: قلنا: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال: لا. قال: قلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين ، وفي لفظ أبي داود : قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا . والباقي نحو لفظ البخاري .

وفي لفظ له: قال عبد الله : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال إبراهيم : فلا أدري أزاد أم نقص - فلما سلم قيل: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال: وما ذاك ؟ قالوا: صليت كذا وكذا. قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد بهم سجدتين، ثم سلم، فلما انفتل أقبل علينا بوجهه، فقال: إنه لو أحدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين.

وفي لفظ له: فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين، ثم تحول فسجد سجدتين . وفي لفظ له: قال عبد الله : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: [ ص: 306 ] ما شأنكم ؟ قالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة ؟ قال: لا. قالوا: فإنك قد صليت خمسا، فانفتل فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، ولفظ الترمذي : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فقيل له: أزيد في الصلاة ؟ فسجد سجدتين بعدما سلم .

وفي لفظ له: سجد سجدتين بعد الكلام . ولفظ النسائي : قال عبد الله : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزاد أو نقص، فقيل: يا رسول الله، هل حدث في الصلاة شيء ؟ قال: لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكموه، ولكني إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فأيكم ما شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم ويسجد سجدتين . وفي لفظ له: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزاد فيها أو نقص، فلما سلم قلنا: يا نبي الله، هل حدث في الصلاة شيء ؟ قال: وما ذاك ؟ قال: فذكرنا له الذي فعل، فثنى رجله فاستقبل القبلة فسجد سجدتي السهو، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكم به، ثم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فأيكم أنسي في صلاته شيئا فليتحر الذي يرى أنه هو صواب، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو.

وفي لفظ له: إذا أوهم أحدكم في صلاته فليتحر أقرب ذلك من الصواب، ثم ليتم عليه، ثم يسجد سجدتين . ولفظ ابن ماجه : قال عبد الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لا ندري أزاد أو نقص، فسأل فحدثاه فثنى رجله، واستقبل الصلاة، وسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكموه، وإنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وأيكم ما شك في الصلاة فليتحر أقرب ذلك من الصواب فيتم عليه، ويسجد سجدتين. وقد استقصينا الكلام في هذا في باب التوجه نحو القبلة.

(ذكر معناه): قوله: (صلى الظهر خمسا) ، أي: خمس ركعات، فهنا جزم بأن الذي صلي كان خمسا، وقد مر في باب التوجه إلى القبلة في رواية منصور ، عن إبراهيم ، وفيه قال إبراهيم : لا أدري زاد أو نقص.

قوله: (قيل له) ، أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (أزيد) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار.

قوله: وما ذاك ؟ أي: وما سؤالكم عن الزيادة في الصلاة ؟

قوله: (فسجد سجدتين) ، أي: للسهو.

قوله: (بعد ما سلم) ، كلمة " ما " مصدرية، أي: بعد سلام الصلاة.

(ذكر ما يستفاد منه): هذا الحديث حجة لأبي حنيفة ، وأصحابه أن سجدتي السهو بعد السلام وإن كانت للزيادة. وقال بعضهم: وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه: هل زيد في الصلاة ؟ وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو، ورد بأنه وقع في حديث ابن مسعود هذا في لفظ مسلم في الزيادة أنه أمر بالإتمام والسلام، ثم بسجدتي السهو، وهو قوله: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين) والشك بالسهو غير العلم به، وعورض بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم ، ولفظه: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، وأجيب بأن التعارض إذا كان بين القولين يصار إلى جانب الفعل لسلامته عن المعارض، وإذا كان بين القول والفعل يصار إلى جانب القول لقوته، أو يقال: كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز والتوسع في الأمرين. وقال ابن خزيمة : لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود ; لأنهم خالفوه فقالوا: إن جلس المصلي في الرابعة مقدار التشهد يضاف إلى الخامسة سادسة، ثم سلم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصح صلاته، ولم ينقل في حديث ابن مسعود إضافة سادسة ولا إعادة، ولا بد من أحدهما عندهم، ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها.

(قلت): لا نسلم أنهم خالفوه، فلو وقف هذا المعترض على مدارك هذه الصورة لما قال ذلك. المدرك الأول أن القعدة الأخيرة فرض عندهم، فلو ترك شخص فرضا من فروض الصلاة تبطل صلاته. المدرك الثاني: أنه حين قام إلى السادسة بعد القعود صار شارعا في صلاة أخرى بناء على التحريمة الأولى; لأنها شرط عندهم وليس بركن. المدرك الثالث أن الصلاة بركعة واحدة منهية عندهم كما ثبت ذلك في موضعه، فإذا كان كذلك، فبالضرورة من إضافة ركعة أخرى إليها ليخرج عن البتيراء. المدرك الرابع: أن التسليم في آخر الصلاة غير فرض عندهم فبتركه لا تبطل صلاته، فإذا وقف أحد على هذه المدارك لا يصدر منه هذا الاعتراض، ويحرم عليه أن ينسب أحدا إلى مخالفة السنة بعد العلم بها، وقال النووي : في قوله: " أزيد في الصلاة "، دليل لمذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، والجمهور من السلف والخلف، أن من زاد في صلاته ركعة ناسيا لم تبطل صلاته، بل إن علم بعد السلام فقد مضت صلاته صحيحة، ويسجد للسهو ويسلم، وقال أبو حنيفة : إذا [ ص: 307 ] زاد ركعة ساهيا بطلت صلاته، ولزمه إعادتها، وقال أيضا: إن كان تشهد في الرابعة، ثم زاد خامسة أضاف إليها سادسة تشفعها، وإن لم يكن تشهد بطلت صلاته. وهذا الحديث يرد عليه، وهو حجة للجمهور. (قلت): لا نسلم صحة النقل عن أبي حنيفة ببطلان صلاته إذا زاد ركعة سادسة ساهيا، والظاهر من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه قعد على الرابعة; لأن حمل فعله على الصواب أحسن من حمله على غيره، وهو اللائق بحاله على أن المذكور فيه صلى الظهر خمسا، والظهر اسم للصلاة المعهودة في وقتها بجميع أركانها. (فإن قلت): لم يرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخامسة، ولم يشفعها ؟ (قلت): لا يضرنا ذلك; لأنا لا نلزمه، بضم الركعة السادسة على طريق الوجوب حتى قال صاحب الهداية، ولو لم يضم لا شيء عليه; لأنه مظنون، وقال صاحب البدائع: والأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا نفلا إلا في العصر.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث