الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


6269 6645 - حدثنا إسحاق، حدثنا وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك أن امرأة من الأنصار أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - معها أولاد لها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي". قالها ثلاث مرار [انظر: 3786 - مسلم: 2509 - فتح: 11 \ 525].

التالي السابق


وقال سعد : قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده" [انظر: 3294] هذا سلف مسندا في الأيمان.

وقال أبو بكر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لاها الله إذا [انظر 3142].

وهذا سلف في الجهاد في باب قوله - عليه السلام -: "من قتل قتيلا فله سلبه" وقيل: الصواب: لاها الله ذا; بدل إذا، قال محمد بن عبد الحكم : لاها الله يمين كقوله: بالله، ثم قال: يقال: والله وبالله وتالله، هذه حروف القسم.

تم ساق ثمانية عشر حديثا:

أحدها: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا، ومقلب القلوب" .

قلت: فالسنة أن يحلف بها، وبما شابهها من أسماء الله تعالى وصفاته.

[ ص: 232 ] وقد قال - عليه السلام -: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" وقام الإجماع على أنه من حلف فقال: والله، أو بالله، أو تالله، أن عليه الكفارة; لأن الواو والباء والتاء هي حروف القسم عند العرب، والواو والباء يدخلان على كل محلوف، ولا تدخل التاء إلا على الله وحده، وقولهم: لاها الله أصله: لا والله، حذف حرف القسم، وعوض منها (ها) التي للتنبيه، فصار واو القسم خافضا، مضمرا مثله مظهرا، غير أنه لا يجوز أن يظهر مع ما هو عوض منه.

وقام الإجماع أيضا على أن من حلف باسم من أسماء الله تعالى أن عليه الكفارة، واختلفوا فيمن حلف بصفاته، كما سيأتي في بابه، واحتج من أوجب الكفارة في الأيمان بالصفات كلها بهذا الحديث: "لا، ومقلب القلوب" وصفاته كلها منه، وليس شيء مخلوق.

الحديث الثاني:

حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" .

الحديث الثالث:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مثله سواء.

وفيه: الحلف بالذي نفسي بيده. ومعنى "فلا كسرى بعده" قيل: أراد به: أنه لا يكون ملكه مثل ملك الأول، وقيصر اسم ملك الروم ، [ ص: 233 ] وكذلك هرقل، وكسرى اسم ملك الفرس ، كما أن النجاشي اسم ملك الحبشة ، وخاقان اسم ملك الترك ، وتبع اسم ملك اليمن ، والقيل ملك حمير ، وقيل: هو أقل درجة من الملوك. ذكر هذا ابن خالويه والمطرز وغيرهما. وفي "الصحاح": كسرى : لقب ملوك الفرس .

الحديث الرابع:

حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" .

وفيه: الحلف بالله.

الحديث الخامس:

حديث أبي عقيل -زهرة بن معبد - أنه سمع جده عبد الله بن هشام - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر : يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال عمر : فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "الآن يا عمر " .

فيه الحلف بالله، وبالذي نفسي بيده.

وعبد الله هذا هو ابن هشام بن زهرة بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ، ذهبت به أمه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهو صغير، فمسح رأسه، ودعا له، شهد فتح مصر ، وله بها خطة، روى له البخاري حديثين، وروى له أبو داود ، وذكر الذهبي في "الصحابة" أن في البخاري في الأضحية عبد الله بن هاشم بن عثمان القرشي التيمي ، [ ص: 234 ] ولد سنة أربع، وله رؤية، ثم قال عبد الله بن هشام بن زهرة التيمي ، جد زهرة بن معبد ، كأنه المذكور في الأضحية، قال: بل هو هو، وزهرة ابن عم الصديق .

قلت: ولم أره (في البخاري ) في الأضاحي وليس في الصحابة هاشم أو هشام غير ما ذكرته.

فصل:

قال الخطابي : حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد - عليه السلام - بقوله لعمر - رضي الله عنه - حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه.

تقول: لا تصدق في حبي [حتى] تفدي في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيها هلاك.

وقال الداودي : وقوف عمر أول مرة، واستثناؤه نفسه، إنما أشفق حتى لا يبلغ ذلك منه، فيحلف بالله كاذبا. فلما قال - عليه السلام - ما قال تقرر في نفسه أنه أحب إليه من نفسه، فحلف.

الحديث السادس والسابع:

حديث أبي هريرة وزيد بن خالد - رضي الله عنهما - في قصة العسيف.

وفيه: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله" الحديث، وقد سلف في مواضع، ويأتي أيضا.

[ ص: 235 ] وموضع الحاجة منه قوله هنا: "والذي نفسي بيده" وقوله: وقال الآخر: أجل يا رسول الله. أي: نعم. قال الأخفش : أجل: جواب مثل نعم، إلا أنه أحسن منه في التصديق، ونعم: أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب؟ قلت: أجل، وكان أحسن منه في الاستفهام، وإذا قال: تذهب؟ قلت: نعم. وكان أحسن من أجل.

وقوله: (قال مالك : والعسيف: الأجير) هو كما قال، وقد نص عليه أهل اللغة أيضا، وفيه فتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه.

قال أبو القاسم العذري : كان يفتي من الصحابة فيما بلغني في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخلفاء الأربعة، وثلاثة من الأنصار ، أبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت .

وقوله: ("والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله") فيه رد على الخوارج والمعتزلة في قولهم أن أفعالهم خلق لهم دون الله، وقد يجيبون بأنه لم يرد بذلك إماتة نفسه وقبضها منها.

قوله: (فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام) قال ابن جرير : فيه أنه لم يحد قائل هذا القول لولده; لأنه لا يحد والد لولده، ويقتص منه إن قتله على مذهب من يراه، ومذهبنا: لا قصاص فيه، ومذهب مالك : أنه إن تعمد قتله بأن أضجعه فذبحه، ونحو هذا، قتل به.

[ ص: 236 ] وقال أشهب بقول الشافعي ، وهذا الخبر ليس فيه ما ذكره ابن جرير ; لأن ولده لم ينكر ذلك، ولا قام بحقه في ذلك.

وفيه: وجوب تغريب البكر ; لأنه - عليه السلام - سكت لما أخبره بمقالة أهل العلم فيه، ولم ينكره، وهذا في غير الموضع، وإلا فقد نص هنا عليه.

وقال أبو حنيفة : لا تغريب عليه. ومالك يراه على الحر البكر دون المرأة، خلافا للأوزاعي والشافعي فإنهما قالا بتغريبهما. واختلف قول الشافعي في تغريب العبد.

وقوله: ("لأقضين بينكما بكتاب الله") قيل: هو قوله تعالى: ويدرأ عنها العذاب [النور: 8] فالعذاب الذي تدرأ الزوجة عن نفسها هو الرجم، وأهل السنة مجمعون على أن الرجم من حكم الله ، وقال قوم: إنه ليس في كتاب الله، وإنما هو في السنة، وإن السنة تنسخ القرآن ، فزعموا أن معنى: "لأقضين بينكما بكتاب الله" أي: بوحي الله، لا بالمتلو. وقيل: يريد بقضاء الله حكمه; لقوله: كتاب الله عليكم [النساء: 24] أي: حكمه فيكم، وقضاؤه عليكم.

فصل:

وقوله: ("أما غنمك وجاريتك فرد عليك") . قيل فيه: إن الصلح الفاسد ينقض إذا وقع. وبوب البخاري عليه فيما مضى في الصلح: إذا اصطلحوا على صلح جور فهو مردود.

وروى مع هذا الخبر: "من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد" وهذا غير صحيح، فإن الصلح ها هنا إنما وقع على ما لا يملك; لأن [ ص: 237 ] زوج المرأة لا شيء له، وإنما وجب عليه الحد، وهو حق لله تعالى خاصة، وإنما فيه أن من أخذ شيئا على ما لا يملكه وجب عليه رده، ووجب نقض ذلك.

وقوله: (وأمر أنيسا الأسلمي ... إلى آخره) قيل: فيه إباحة تأخير الحدود عند ضيق الوقت، وأنكره بعضهم، وقال: يروى أيضا: "فامض إلى امرأة هذا" وفي لفظ: "اغد يا أنيس على امرأة هذا" فلعله من باب الرواية بالمعنى.

وقوله: (إلى امرأة الآخر): هو بفتح الخاء، وكذا ضبطه الدمياطي خطا. وقال ابن التين : هو بقصر الألف، وكسر الخاء، ويقال في المثل: أبعد الله الأخر، كذا رويناه.

فصل:

قوله: ("فإن اعترفت فارجمها") فيه: أن مطلق الاعتراف يوجب الحد ، ولا يحتاج إلى تكراره، وبه قال مالك ، والشافعي ، وقال أحمد : لا يجب إلا باعتراف أربع مرات في مجلس، أو أربع مجالس.

وقال أبو حنيفة : لا يجب إلا باعتراف في أربع مجالس، فإن اعترف ألف مرة في مجلس واحد، فهو اعتراف واحد، واستدل به أهل الظاهر على أن المقر بالحد إذا رجع لا يقبل ، ولا دليل فيه; لأنه لم يذكر رجوعها.

[ ص: 238 ] واختلف إذا رجع إلى غير شبهة، فقال ابن القاسم وجماعة: يسقط. وقال ابن الماجشون وأشهب : لا.

ثالثها: إن مضى أكثر الحد فلا يسقط.

رابعها: ذكره أبو حامد ، عن مالك أنه إن رجع قبل وقوع شيء منه عليه قبل، ومذهبنا، ومذهب أبي حنيفة السقوط، وفيه أنه لا يشترط حضور الإمام الرجم، واشترطه بعضهم، واستدل به القاضي عبد الوهاب على أن المرأة لا يحفر لها; لأنه لم يذكر فيه، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة . وقال الشافعي : يحفر لها. واستحسنه أصبغ، وفي مسلم في قصة المرأة الغامدية: ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها.

وفيه: أن الحاكم إذا اعترفت عنده رجمها. وعبارة ابن التين أن فيه أن الحاكم يقضي بعلمه، وإن لم يحضره أحد؛ إذ لم يقل: خذ معك من يسمع اعترافها، وما عبرنا به أولى.

وفي رواية: فاعترفت، فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمت.

وفيه: المبادرة بالحد، خلافا لما ادعاه بعضهم كما سلف. وقد استدل به القاضي عبد الوهاب على ما ذكرناه، وأنه إذا وجب لا يؤخر، لبرد ولا لحر خلافا لبعض الشافعية. .

وفيه دلالة على الرد على من أنكر الرجم، وهم الخوارج، ولا يلتفت إليهم.

[ ص: 239 ] واستدل به أيضا على سقوط الجلد مع الرجم، وفساد قول أهل الظاهر ومسروق في إيجابه الجمع بينهما في حق المحصن.

الحديث الثامن:

حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أرأيتم إن كان أسلم وغفار ومزينة وجهينة خيرا من تميم وعامر بن صعصعة وغطفان وأسد ، خابوا وخسروا؟" قالوا: نعم. فقال: "والذي نفسي بيده، إنهم خير منهم" .

فيه أيضا: ما ترجم له وهو: "والذي نفس محمد بيده".

الحديث التاسع: حديث أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - في قصة ابن اللتبية وهو المراد بالعامل فيه.

وموضع الحاجة منه قوله: "والذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم منها شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" .. الحديث.

وفيه من الفوائد:

أن هدية العامل مردودة إلى بيت المال ، وما أحسن قول "الحاوي الصغير" في القاضي: وهديته سحت، ولا تملك.

واستدل به ابن التين المالكي على أن هدية الغريم لصاحب الدين تجري مجرى الربا، إلا أن (يقضي) دينه ، وكذلك سكنى المرتهن الدار المرهونة في يده، إلا أن يسكنها بكراء مثلها. قال: وفيه إبطال كل ذريعة ووليجة يتوصل بها إلى نفع، لو انفرد بنفسه ولم يضمن لغيره، لم تطب نفس صاحبه به.

[ ص: 240 ] فصل:

والرغاء بضم الراء والمد: صوت البعير، والجوار بالجيم والخاء.

قال ابن التين : ورويناه بالجيم والهمز، واللفظان يقالان في البقرة إذا صاحت. قال تعالى: عجلا جسدا له خوار [الأعراف: 148] وقرئ بالجيم، حكي عن ( الأعمش ) ومنه قوله تعالى: إذا هم يجأرون [المؤمنون: 64] أي: يرفعون أصواتهم بالدعاء. قال القزاز : وأصله في البقر، ثم استعير للناس.

وقوله في الشاة: "تيعر" هو بمثناة فوق، ثم تحت، ثم عين مهملة، ثم راء، أي: تصيح. قال ابن التين : قرأناه بفتح العين. قال الجوهري : يعرت العير تيعر بالكسر يعارا بالضم: صاحت. وقال ابن فارس والخطابي : اليعار: صوت الشاة. وعفرة الإبط: بياضها. قال الجوهري : الأعفر: الأبيض، وليس بالشديد البياض، وشاة عفراء يعلو بياضها حمرة، والأعفر: الرمل الأبيض، وفي آخره قال أبو حميد : وقد سمع ذلك معي زيد بن ثابت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلوه، وهو الحديث العاشر.

والحادي عشر:

حديث البراء بن عازب - رضي الله عنهما - "لمناديل سعد .. " الحديث، [ ص: 241 ] سلف غير مرة، وموضع الشاهد قوله: "والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة خير من هذا" وسعد هو ابن معاذ ، والمنديل بكسر الميم، هو ما يمسح به ما يتعلق باليد من الطعام، تقول منه: تمندلت بالمنديل، وتندلت، وأنكر الكسائي تمندلت.

وقوله: "خير من هذا" يحتمل وجهين: أنه يريد في الصفة، وأنها لا تفنى بخلاف هذه. وفي الحديث التنبيه على فضل سعد ، وعلى منزلته . ومحله بعد الثالث عشر (لكن وقع كذلك).

الحديث الثاني عشر:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا" .

سلف في أوائل الباب من حديث عائشة - رضي الله عنها -.

الحديث الثالث عشر:

حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال: انتهيت إليه في ظل الكعبة وهو يقول: "هم الأخسرون ورب الكعبة ، هم الأخسرون ورب الكعبة " .

الحديث الرابع عشر:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في قصة سليمان - صلى الله عليه وسلم -: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة) وفي آخره: "وايم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا" وقد سلف.

[ ص: 242 ] الحديث الخامس عشر:

حديث عائشة أن هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله، ما كان مما على ظهر الأرض أهل أخباء أو خباء .. الحديث.

وفيه أيضا: "والذي نفس محمد بيده" إلى آخره.

ذكره ابن بطال بلفظ: خباء، وأخباء. ثم قال: والمعروف في جمع خباء: أخبية، وكذلك تجمع فعال وفعيل في القليل على أفعلة كمثال وأمثلة، وسقاء وأسقية، ورغيف وأرغفة، وقد يجمع فعيل على أفعال، كيتيم وأيتام، وشريف وأشراف، ويمين وأيمان، وهذا قياس خباء وأخباء.

فإن قلت: بم يتعلق القسم في قوله - عليه السلام - في هذا الحديث "وأيضا والذي نفسي بيده" قيل: قد فسر معمر المعنى في روايته عن الزهري : لتزدادن -أي: محبة- فيما ذكرت، إذا قوي إسلامك، وتحكم الإيمان في قلبك، كما قال - عليه السلام -: "والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله (وولده) والناس أجمعين" يريد: لا يبلغ حقيقة الإيمان وأعلى درجاته.

وقوله فيه: (مسيك) هو بكسر الميم، وتشديد السين المكسورة كذا نحفظه، وقال ابن التين : حفظناه بفتح الميم وتخفيف السين.

قال: وكذلك هو في ضبط "الصحاح" وهو البخيل، وإنما سمي بذلك; لأنه يمسك ما في يديه لا يخرجه لأحد.

[ ص: 243 ] وقوله فيه: (من أدم) هو بفتح الهمزة والدال جمع: أديم، مثل: أفيق، وأفق، وهو جمع عزيز قليل، والأديم: الجلد.

الحديث السادس عشر:

حديث شريح بن مسلمة ، ثنا إبراهيم عن أبيه، عن أبي إسحاق ، قال: سمعت عمرو بن ميمون قال: حدثني عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضيف ظهره إلى قبة من أدم إذ قال لأصحابه: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟" قالوا: بلى. قال: " (أفلا ترضون) أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟" قالوا: بلى. قال: "فوالذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" .

فيه: ما ترجم له وهو القسم المذكور.

وإبراهيم هذا هو ابن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي .

وقد سلف شرحه

الحديث السابع عشر:

حديث أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له -وكأن الرجل يتقالها- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" .

وهو ظاهر فيما ترجم له من القسم المذكور.

[ ص: 244 ] ومعنى "يتقالها" يستقلها، وزنه من الفعل: يتفاعلها، من قل الشيء يقل قلة.

وقوله: ("إنها لتعدل ثلث القرآن") يريد: في الأجر لا أنها تفضل شيئا منه لذاتها. وقال بعض الأصوليين: إنه يتفاضل، ويكون بعضه أبلغ من بعض، ويوجد في بعضه من البلاغة والبراعة وحسن النظم وجودة الترتيب ما لا يوجد في بعض، وثواب تلاوة بعضه أفضل من بعض، حسب ما ورد الشرع في ذلك، ولا وجه من وجوه التفاضل إلا وهو في القرآن، الذي هو التلاوة والقراءة، وإنما يسمع بعض الناس من إطلاقنا أن القرآن لا يتفاضل، ونعني بذلك: القرآن الذي ليس بمخلوق، وهو الكلام الموجود (بكتاب) الله، الذي هو شيء واحد، لا ينقسم ولا يتجزأ، فيظن سامع أنا نقول ذلك في التلاوة والقراءة التي هي أصوات متقطعة، وحروف (منطوقة) وهي مخلوقة مثل سائر المخلوقات، ولها أبعاض تتماثل وتتفاضل، فهذا موضع يحتاج إلى تأمل ما قلناه، والتفرقة بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء.

وقيل: إنما فضلت هذه السورة -أعني: سورة الإخلاص- لاشتمالها على التوحيد لا غير. وقيل: إنما كانت ثلثا; لأن القرآن يشتمل على إخلاص، واستقامة، وقصص، وهذه مشتملة على الإخلاص، وهذه ثلث هذه المسميات فكان لقارئها ثلث أجر قراءة القرآن كله. وقيل: يشتمل القرآن على: قصص، وأحكام، وأوصاف لله، وهي تشتمل على الصفات، وهي الثلث.

[ ص: 245 ] وقيل: معنى ثلث القرآن: لشخص بعينه. وقيل: إن الله يتفضل بتضعيف الثواب لقارئها إلى مقدار ما يستحقه قارئ ثلث القرآن من غير تضعيف أجره.

الحديث الثامن عشر:

حديث أنس أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أتموا الركوع والسجود، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم" وقد سلف في الصلاة .

الحديث التاسع عشر:

حديث أنس - رضي الله عنه - أيضا أن امرأة من الأنصار أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معها أولادها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي" . قالها ثلاث مرات. وقد سلف في فضل الأنصار .

فصل:

ورد في الباب أحاديث أخر وآثار، روى ابن أبي شيبة من حديث عاصم بن شميخ ، عن أبي سعيد الخدري : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتهد في اليمين قال: "لا والذي نفس أبي القاسم بيده" .

وحدثنا حماد بن خالد ، عن محمد بن هلال ، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا، وأستغفر الله" . وقال ابن مسعود : والذي لا إله غيره. هذا حين يفطر الصائم، يعني: عند الوجوب.

[ ص: 246 ] وقال علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة .

وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: لا ورب هذه الكعبة .

وقالت عائشة : لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون .

وروى ابن أبي عاصم ، عن رفاعة : كانت يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أشهد عند الله . وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذئاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وايم الله" .

وسلف حديث أنس في فضل الأنصار : "أنتم من أحب الناس إلي" وروى التاريخي عن علي - رضي الله عنه - أنه إذا أقسم قال: لا والذي جعل عيشنا خير عيش، لا والذي جعل أحمس خير بجيلة ، لا والذي جعل عبد القيس خير ربيعة ، لا والذي جعل همذان خير اليمن .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث