الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إن حلف أن لا يشرب نبيذا فشرب طلاء أو سكرا أو عصيرا

6308 6686 - حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن سودة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صارت شنا. [فتح: 11 \ 569]

التالي السابق


ذكر فيه حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن أبا أسيد -صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرس فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لعرسه، فكانت العروس خادمهم. فقال سهل للقوم: هل تدرون ما سقته؟ قال: أنقعت له تمرا في تور من الليل حتى أصبح عليه، فسقته إياه .

وحديث سودة أم المؤمنين - رضي الله عنها - من طريق عكرمة عن ابن عباس عنها قال : ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صارت شنا .

الشرح:

أما ترجمة الباب فلا شك أنه إذا كان الطلاء والسكر يسكران، فيحنث به، وبعض الناس المراد به الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - أنه زعم أن [ ص: 352 ] الطلاء والعصير ليسا بنبيذ في الحقيقة، وإنما النبيذ ما ينبذ في الماء وأنقع فيه، ومنه سمي المنبوذ منبوذا; لأنه نبذ أي: طرح.

ويعني بقوله (سكرا) أي: ما يسكر مما يعصر ولا ينبذ، ويعني بقوله: (أو عصيرا) ما كان حديث العصر من العنب ولم يبلغ حد السكر، وبالطلاء ما طبخ من عصير العنب حتى بلغ إلى ما لا يسكر، فلا يحنث عنده في شرب شيء من هذه الثلاثة; لأنها لم تنبذ، وإنما يحنث عنده بشرب ما نبذ في الماء من غير العنب، سواء أسكر أو لم يسكر.

قال المهلب : والذي عليه جمهور الفقهاء أنه إذا حلف أن لا يشرب النبيذ بعينه دون سائر المشروبات أنه لا يحنث بشرب العصير والطبيخ وشبهه، وإن كان إنما حلف على النبيذ خشية منه لما يكون من السكر وفساد العقل، كان حانثا في كل ما يشرب بما يكون فيه المعنى الذي حلف عليه، ويجوز أن يسمي سائر الأشربة من الطبيخ والعصير نبيذا لمشابهتهما له في المعنى، ومن حلف عندهم أن لا يشرب شرابا ولا نية له، فأي شراب شربه بما يقع عليه اسم شراب فهو حانث.

فصل:

ووجه تعلق البخاري من حديث سهل في الرد على أبي حنيفة هو أن سهلا إنما عرف أصحابه; لأنه لم يسق الشارع إلا نبيذا قريب العهد بالانتباذ بما يحل شربه.

ألا ترى قوله: أنقعت له تمرا في تور من الليل حتى أصبح عليه فسقته إياه. وهكذا كان ينبذ له - عليه السلام - ليلا ويشربه غدوة، وينبذ له غدوة [ ص: 353 ] ويشربه عشية، ولو كان بعيد العهد بالانتباذ مما بلغ حد السكر لم يجز أن يسقيه - عليه السلام - يفهم من هذا: أن ما بلغ حد السكر من الأنبذة حرام; كالمسكر من عصير العنب، وأن من شرب مسكرا من أي نوع كان، سواء كان معتصرا أو منتبذا، فإنه يحنث; لاجتماعهما في حدوث السكر وكونها كلها خمرا.

فصل:

ووجه استدلاله من حديث سودة - رضي الله عنها - أنهم حبسوا مسك شاة للانتباذ فيه الذي يجوز لهم شربه غير المسكر ووقع عليه اسم نبيذ، ولو ذكر حديث أنس حين كسروا الجرار من نبيذ التمر كان أقرب للتعلق وأوضح للمعنى، كما نبه عليه ابن بطال ; لأنهم لم يكسروا جرار نبيذ التمر وهم القدوة في اللغة والحجة فيها، إلا أن معنى نبيذ التمر المسكر في معنى عصير العنب (المسكر) في التحريم; لأنهم كانوا أتقى لله من أن يتلفوا نعم الله ويهريقوها استخفافا بها، وقد نهى الشارع عن إضاعة المال، ولو كان المسكر غير خمر لجاز ملكه وبيعه وشربه وهبته، وكانت إراقته من الفساد في الأرض.

فصل:

حديث سودة بنت زمعة في الباب من أفراد البخاري كحديث ابن عباس : "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" فإنه من أفراد مسلم ، [ ص: 354 ] أما حديث ابن عباس ، عن ميمونة - رضي الله عنها -: مر - عليه السلام - بشاة لها فقال: "ألا انتفعتم بجلدها" فمن المتفق عليه لا كما زعمه خلف في "أطرافه" وتبعه عليه الدمياطي فاحذره.

فصل:

الطلاء بكسر الطاء والمد. قال أبو عبد الملك والداودي : هو أن يطبخ عصير العنب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، والذي قاله أهل اللغة أنه جنس من الشراب.

قال ابن فارس : ويقال إنه اسم من أسماء الخمر. والسكر بفتح السين والكاف قال الجوهري : هو نبيذ التمر، وذكر قوله تعالي: تتخذون منه سكرا [النحل: 67] وقال ابن عباس وغيره: هو ما حرم.

فعلى من يقول: الطلاء والسكر مسكران يصح ما تقدم ممن يقول: هما نبيذ، ولا يصح ذلك في السكر; لأنه نبيذ، ويصح في الطلاء; لأنه لا ينطلق ذلك عليه، وقد قال ابن حبيب : من حلف لا يشرب نبيذا أنه يحنث بما يشرب منه وإن اختلفت عناصره، وهذا بين أنه يحنث بكل ما وقع عليه اسم نبيذ كان نبيذا تمرا أو غيره من سائر الأنبذة.

[ ص: 355 ] وفي كتاب محمد : (من حلف) لا يشرب خمرا فما شرب من الأنبذة التي يسكر كثيرها حنث، ولا ينفعه أن لو حلف أن لا يشرب خمرا بعينها، وكان ابن القاسم قديما يقبل بينة إذا جاء مستفتيا، وليس بشيء، ولو كانت النية تنفعه لنفعه لفظه بإفصاحه الخمر بعينها.

قال مالك : وكذلك لو حلف أن لا يشرب (الخمر وقال: أردت) خمر العنب وقاله ابن القاسم ، ونحن نقوله حتى يقول: خمر العنب إفصاحا ولفظا فيدين في يمينه، وقال في "العتبية": إذا حلف أن لا يشرب خمرا فشرب طلاء، فإن كان يسكر كثيره حنث؛ إذ لا يخرجه من اسم الخمر غير طبيخ تعودته لا يسكر، فأما إن شرب غيره مما يسكر فينوى في الفتيا لا في القضاء.

وقال سحنون : لا حنث عليه في هذا كله ولو لم يكن له نية; لأن اليمين في هذا إنما هي في الخمر بعينها.

فصل:

معنى عرس في حديث سهل : اتخذ عرسا، وأعرس بأهله: إذا بنى بها. والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما، يقال: رجل عروس في رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عرائس. والتور بفتح المثناه فوق: إناء يشرب فيه.

وأبو أسيد بضم الهمزة كما سلف شرح الحديث واضحا في الأنكحة.

[ ص: 356 ] فصل:

المسك في حديث سودة بفتح الميم وسكون السين، والشن بفتح الشين: القربة البالية. والشنة أيضا وكأنها صغيرة، والجمع: الشنان. ونبذ ثلاثي بفتح النون وكسر الباء، قال تعالى: فانبذ إليهم على سواء قال الجوهري : والعامة تقول: أنبذت.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث