الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1223 [ ص: 507 ] 31 - باب: زيارة القبور

1283 - حدثنا آدم حدثنا شعبة ، حدثنا ثابت ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بامرأة تبكي عند قبر فقال : "اتقي الله واصبري " . قالت : إليك عني ، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه . فقيل لها : إنه النبي - صلى الله عليه وسلم - . فأتت باب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين فقالت : لم أعرفك . فقال : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " . [انظر : 1252 - مسلم : 926 - فتح: 3 \ 148]

التالي السابق


ذكر فيه حديث أنس أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بامرأة تبكي عند قبر . . الحديث . وقد سلف في باب : قول الرجل للمرأة عند القبر : اتقي الله واصبري .

أهل العلم قاطبة -كما قال الحازمي- على الإذن في زيارة القبور للرجال ، وفي "صحيح مسلم " من حديث عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول : "السلام عليكم دار قوم مؤمنين " ، ومن حديث بريدة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا . . الحديث .

وغير ذلك من الأحاديث وكره قوم ذلك ; لأنه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث في النهي عنها ، وقال الشعبي : لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي .

[ ص: 508 ] قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون زيارة القبور ، وعن ابن سيرين مثله ، ثم وردت أحاديث بنسخ النهي وإباحة زيارتها ، ففي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة : "زوروا القبور فإنها تذكر الموت "

ومن حديث بريدة : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " .

وروى ابن أبي شيبة من حديث أنس : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن زيارة القبور ، ثم قال : "زوروها ولا تقولوا هجرا " . وروي من حديث ابن مسعود أيضا .

[ ص: 509 ] وفي "المستدرك " من حديث أبي ذر قال : قال رسول - صلى الله عليه وسلم - : " زر القبور وتذكر بها الآخرة " ثم قال : رواته ثقات . وللزمخشري : "ولا تزرها بالليل " .

وحديث الباب يشهد لأحاديث الإباحة لأنه - عليه السلام - إنما عرض عليها الصبر ورغبها فيه ، ولم ينكر عليها جلوسها عنده ، ولا نهاها عن زيارته ; لأنه لا يترك أحدا يستبيح ما لا يجوز بحضرته ولا ينهاه ; لأن [ ص: 510 ] الله فرض عليه التبليغ والبيان لأمته . فحديث أنس وشبهه ناسخ لأحاديث النهي في ذلك ، وحديث بريدة صريح فيه ، وأظن الشعبي والنخعي لم تبلغهما أحاديث الإباحة .

وكان الشارع يأتي قبور الشهداء عند رأس الحول فيقول : "السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ، وكانأبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك .

وزار الشارع قبر أمه يوم الفتح في ألف مقنع . ذكره ابن أبي الدنيا .

وذكر ابن أبي شيبة عن علي وابن مسعود وأنس إجازة الزيارة .

وكانت فاطمة تزور قبر حمزة كل جمعة . وكان ابن عمر يزور قبر [ ص: 511 ] أبيه فيقف عليه ويدعو له . وكانت عائشة تزور قبر أخيها عبد الرحمن وقبره بمكة ، ذكره أجمع عبد الرزاق .

وقال ابن حبيب : لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها ، وقد فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وسئل مالك عن زيارتها فقال : قد كان نهي عنه ثم أذن فيه ، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك بأسا . وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها ، وقوله الذي تضعفه الآثار . وعمل السلف أولى بالصواب .

وحمل بعضهم حديث لعن زوارات القبور على من يكثر منها ; لأن زوارات للمبالغة .

[ ص: 512 ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[ ص: 513 ] قال القرطبي : ويمكن أن يقال إن النساء إنما يمنعن من إكثار الزيارة ; لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج ، والتبرج والشهرة والتشبه عن تلازم القبور لتعظيمها ، ولما يخاف عليها من الصراخ ، وغير ذلك من المفاسد ، وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات .

قلت : والحديث ورد بهما .

والأمة مجمعة على زيارة قبر نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، وكان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبره المكرم ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليكم يا أبتاه .

ومعنى النهي عن زيارة القبور إنما كان في أول الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد ، فلما استحكم الإسلام وقوي في قلوب الناس وأمنت عبادة القبور والصلاة إليها ، نسخ النهي عن زيارتها ; لأنها تذكر بالآخرة ، وتزهد في الدنيا .

وروينا عن طاوس قال : كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام ، لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم سبعة أيام .

وفي حديث أنس ما كان عليه من التواضع والرفق بالجاهل ; لأنه لم [ ص: 514 ] ينتهر المرأة حين قالت له : إليك عني . وعذرها بمصيبتها ، وإنما لم يتخذ بوابين ; لأن الله أعلمه أنه يعصمه من الناس .

وفيه : أنه من اعتذر إليه بعذر لائح أنه يجب عليه قبوله .

فرع :

انفرد الماوردي بقوله : لا تجوز زيارة المسلم قبر قريبه الكافر ، مستدلا بقوله ولا تقم على قبره [التوبة : 84] . والأحاديث على خلاف ما قال .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث