الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تتمة مسند أبي هريرة رضي الله تعالى عنه

10565 4737 - (10948) - (2\538) عن ثابت - قال هاشم: قال: حدثني ثابت البناني، حدثنا عبد الله بن رباح، قال: وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم، وأبو هريرة -

[ ص: 314 ]

في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال: وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا - قال هاشم: يكثر أن يدعونا إلى رحله - قال: فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي، قال: فأمرت بطعام يصنع، ولقيت أبا هريرة من العشاء، قال: قلت: يا أبا هريرة الدعوة عندي الليلة، قال: أسبقتني؟ قال هاشم: قلت: نعم، قال: فدعوتهم فهم عندي، قال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معاشر الأنصار، قال: فذكر فتح مكة.

قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة، قال: فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته، قال: " وقد وبشت قريش أوباشها " قال: فقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا.

قال: فقال أبو هريرة: فنظر فرآني، فقال: " يا أبا هريرة " فقلت: لبيك رسول الله، قال: فقال: " اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري "، فهتفت بهم فجاءوا، فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم "، ثم قال بيديه: إحداهما على الأخرى احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا".

قال: فقال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء

وما أحد يوجه إلينا منهم شيئا، قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " قال: فغلق الناس أبوابهم.

قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: وفي يده قوس آخذ بسية القوس، قال: فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه، قال: فجعل يطعن بها في عينه، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل".

[ ص: 315 ]

قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، قال: والأنصار تحته، قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضى، قال هاشم: فلما قضي الوحي رفع رأسه، ثم قال: " يا معشر الأنصار، أقلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟ " قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: " فما اسمي إذا؟ كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم " قال: فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم".


التالي السابق


* قوله : "وفدت وفود": من وفد يفد؛ كوعد يعد: إذا قدم، وهو بالتأنيث، والفاعل وفود؛ أي: جماعات ينزلون على الأمراء، ويقدمون عليهم.

* "فجعل بعضنا": قال النووي: فيه استحباب اشتراك المسافرين في الأكل، واستعمالهم مكارم الأخلاق، وليس هذا من باب معاوضة حتى يشترط فيه المساواة في الطعام أو الأكل، بل هو من باب الإباحة، فيجوز أن يتفاضل طعام بعض بالكثرة، واختلاف الألوان، وأن يأكل بعض أكثر، لكن يستحب أن يكون شأنهم إيثار بعضهم بعضا.

* "فقلت"؛ أي: في نفسي.

* "ألا أصنع طعاما؟ ": "ألا" بالتخفيف: حرف عرض وتحضيض كما في قوله: ألا تحبون أن يغفر الله لكم [النور: 22].

* "فأدعوهم": بالنصب على جواب العرض.

[ ص: 316 ]

* "يصنع": على بناء المفعول.

* "من العشاء": هكذا في نسخ "المسند"، وفي "مسلم": "من العشي"، وهو الظاهر؛ أي: من آخر النهار، اللهم إلا أن يكون المراد من الليلة ليلة اليوم الآتي.

* "على إحدى المجنبتين": هي بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون المشددة بعدها موحدة، قال النووي: هما الميمنة والميسرة، ويكون القلب بينهما.

* "على الحسر": بضم حاء وتشديد سين مهملتين؛ أي: الذين لا دروع عليهم.

* "فأخذوا بطن الوادي"؛ أي: جعلوا طريقهم في الوادي.

* "كتيبة"؛ أي: جماعة.

* "وبشت": بموحدة وشين معجمة مشددة؛ أي: جمعت جموعا من قبائل شتى.

* "فقالوا "؛ أي: قريش في أنفسهم.

* "نقدم ": من التقديم.

* "أعطينا الذي قال"؛ أي: نفعل ما طلب منا، ونطيع له.

* "اهتف لي بالأنصار"؛ أي: ادعهم لي.

* "ولا يأتيني إلا أنصاري": خصهم؛ لثقته بهم، ورفعا لمرتبتهم، وإظهارا لخصوصيتهم.

* "ترون"؛ في "مسلم": فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترون إلى أوباش قريش"، وهو الظاهر، فيقدر هاهنا: قال، أو قائلا.

[ ص: 317 ]

* "ثم قال بيديه"؛ أي: أشار بهما.

* "إحداهما": الظاهر أنه من الأخذ؛ أي: أخذ اليدين حصدا؛ أي: أخذ حصد؛ أي: مشيرا به إلى الحصد، وفي بعض روايات مسلم: "احصدوهم حصدا".

* "وما أحد يوجه. . . إلخ"؛ أي: لا يدفع أحد منهم عن نفسه.

* "خضراء قريش"؛ أي: جماعتهم وسوادهم، ومعنى "أبيحت"؛ أي: أبيح

دماؤهم.

* "لا قريش" لفظة قريش علم لقبيلة، و"لا" النافية للجنس لا تدخل العلم

بلا تكرار، لكن لم يرد هاهنا القبيلة، وإنما أريد هاهنا القرشي؛ فلذلك دخلت "لا" النافية للجنس عليه بلا تكرار، والظاهر أنه من باب حذف ياء النسبة، لكن ما جوز المحققون حذف ياء النسبة؛ ولذلك قيل: هذا من باب تنكير العلم باستعمال اسم القبيلة في آحادها، ومثله يسمى تنكيرا تقديرا، ذكره الدماميني في "شرح التسهيل"، والله تعالى أعلم.

* "أخذ بسية القوس": يحتمل أنه صيغة ماض، أو اسم فاعل؛ أي: هو آخذ؛ كما في "مسلم"، و"السية" بكسر سين مهملة وتخفيف ياء مفتوحة: المنعطف من طرفي القوس.

* "إلى جنب"؛ أي: إلى طرف من أطرف البيت، وفي "مسلم": "إلى جنب البيت" بالإضافة.

* "يطعن": بضم العين على المشهور، ويجوز في لغة فتحها، فعله إذلالا للصنم وعابديه، وإظهارا لكونه لا يضر ولا ينفع، بل ولا يدفع عن نفسه، فضلا عن غيره.

[ ص: 318 ]

* "قال بعضهم لبعض: أما الرجل. . . إلخ": لعلمهم حين رأوا رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة، وكف القتل عنهم، ظنوا أنه يرجع إلى سكنى مكة، ويترك المدينة، فشق ذلك عليهم، فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك؛ ليسليهم بأنه لا يفارقهم.

* "ما اسمي إذا؟ "؛ أي: إني نبي الله، فكيف أنقض العهد، وأرجع عن الهجرة؟! وهل يليق بمثلي ذلك؟ ولو فعلت، صرت مستحقا لاسم آخر.

* "إلى الله"؛ أي: له تعالى.

* "وإليكم "؛ أي: وإلى بلادكم؛ للاستيطان بها، فما لي أن أترك الهجرة التي كانت لله، بل ملازم لبلادكم حيا وميتا صلى الله عليه وسلم.

* "يبكون": فرحا بما قال، وحياء مما قالوا.

* "الضن ": بكسر الضاد وتشديد النون؛ بمعنى: البخل، ونصبه على العلة.

* * *



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث