الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من أحصى أحصي عليه والنهي عن احتقار قليل الصدقة وفضل إخفائها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

1712 [ 899 ] وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ بعبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) .

رواه أحمد (2 \ 439)، والبخاري (660)، ومسلم (1031)، والترمذي (239) .

التالي السابق


وقوله : ( سبعة يظلهم الله في ظله ) ; أي : في ظل عرشه ، كما جاء في الحديث الآخر ، والمراد يوم القيامة إذا قام الناس في صعيدها ، وقربت الشمس من الرءوس ، وأديرت النار بأهل الموقف ، فليس هناك إلا ظل العرش . فأما ظل الصدقة فمن ظل العرش ، والله أعلم .

ويحتمل أن يراد بالظل هنا : الكنف والكرامة والوقاية من المكاره ، كما تقول العرب : أنا في ظل فلان ; أي : في صيانته وكرامته وكنفه ، وإلى هذا نحا ابن دينار .

و" الإمام العادل " : هو كل من ولي شيئا من أمور المسلمين ، فعدل فيه .

وقوله : ( شاب نشأ بعبادة الله ) ; كذا الرواية : بعبادة الله - بالباء ، وهذه الباء هي باء المصاحبة ، كما تقول : جاء زيد بسلاحه ; أي : مصاحبا لها ، ويحتمل أن تكون بمعنى الفاء ، كما قد تكون الفاء بمعنى الباء ، في مثل قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ونشأ " نبت وابتدأ ; أي : لم يكن له صبوة ، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر : (يعجب ربك من صبي ليست له صبوة) ، وإنما كان ذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة .

[ ص: 76 ] وقوله : ( ورجل قلبه معلق في المساجد ) ; أي : يحب الكون فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن ، وهذا إنما يكون ممن استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغف بها .

وقوله : ( ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ) ; أي : داما على المحبة الصادقة الدينية ، المبرأة عن الأغراض الدنيوية ، ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما ، ولا حال افتراقهما .

وقوله : ( ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله ) ; معنى دعته : عرضت نفسها عليه ; أي للفاحشة . وقول المدعو في مثل هذا : إني أخاف الله ، وامتناعه لذلك دليل : على عظيم معرفته بالله تعالى ، وشدة خوفه من عقابه ، ومتين تقواه ، وحيائه من الله تعالى . وهذا هو المقام اليوسفي .

وقوله : ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها ) هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس وأكثر العلماء . وهو حض على الإخلاص في الأعمال ، والتستر بها ، ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية .

فأما الفرائض فالأولى إشاعتها وإظهارها لتنحفظ قواعد الدين ، ويجتمع الناس على العمل بها ، فلا يضيع منها شيء ، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام ، وتعلم حدوده وأحكامه . والإخلاص واجب في جميع القرب ، والرياء مفسد لها .

وقوله : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) ; هذا مبالغة في إخفاء الصدقة .

[ ص: 77 ] وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه ، فيدفع له درهما مثلا في شيء يساوي نصف درهم . فالصورة مبايعة ، والحقيقة صدقة ، وهو اعتبار حسن .

وقوله : ( ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) ; خاليا يعني : من الخلق ، ومن الالتفات إلى غير الله .

وفيض العين " : بكاؤها . وهو على حسب حال الذاكر ، وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى ، فإن انكشف له غضبه ، فبكاؤه عن خوف ، وإن انكشف [له] جماله وجلاله ، فبكاؤه عن محبة وشوق ، وهكذا يتلون الذاكر بتلون ما يذكر من الأسماء والصفات .

وهذا الحديث جدير بأن ينعم فيه النظر ، ويستخرج ما فيه من اللطائف والعبر ، والله الموفق الملهم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث