الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

3044 (20) كتاب الصدقة والهبة والحبس

(1) باب

النهي عن العود في الصدقة

[ 1727 ] عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: حملت على فرس عتيق في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك؛ فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه".

وفي رواية أنه حمل على فرس في سبيل الله، فوجده يباع - وذكر نحوه.

رواه أحمد (2 \ 55 )، والبخاري (2971)، ومسلم (1621) ، (1-3)، وأبو داود (1593)، والترمذي (668)، والنسائي ( 5 \ 109 ). [ ص: 578 ]

التالي السابق


[ ص: 578 ] (20) كتاب الصدقة والهبة والحبس

(1) ومن باب النهي عن العود في الصدقة

قول عمر رضي الله عنه " حملت على فرس عتيق في سبيل الله " يعني أنه تصدق به على رجل ليجاهد عليه ويتملكه، لا على وجه الحبس؛ إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، وقد وجده عمر رضي الله عنه في السوق يباع، وقد قال صلى الله عليه وسلم " لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك " ، فدل على أنه ملكه إياه على جهة الصدقة ليجاهد عليه في سبيل الله.

والعتيق من الخيل: الكريم الأبوين. و " سبيل الله " : الجهاد هنا - وهو العرف فيه.

وقوله: " فأضاعه صاحبه "؛ أي: فرط فيه، ولم يحسن القيام عليه. وهذا [ ص: 579 ] الذي قلناه أولى من قول من قال: إنه حبس في سبيل الله وبيعه إنما كان لما أضاعه صاحبه صار بحيث لا يصلح للجهاد، وهذا هو الذي صار إليه مالك تفريعا على القول بجواز تحبيس الحيوان أنه يباع إذا هرم ويستبدل بثمنه في ذلك الوجه المحبس فيه أو يعين بثمنه فيه. والقول الأول أظهر لما ذكرناه، ولأنه لو كان ذلك لسأل عن هذا الفرس هل تغير عن حاله أم لا، ولنظر في أمره.

وقوله: " فظننت أنه بائعه برخص "، إنما ظن ذلك لأنه هو الذي كان أعطاه إياه، فتعلق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذ يكون ذلك رجوعا في عين ما تصدق به في سبيل الله. ولما فهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا نهاه عن ابتياعه وسمى ذلك عودا، فقال: " لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك " .

واختلف في هذا النهي هل يحمل على ظاهره من التحريم؟ ولأنه يفهم من تشبيهه بالكلب التحريم؛ كما قال تعالى: فمثله كمثل الكلب [الأعراف: 176] أو على الكراهة لأن تشبيهه بالقيء إنما يدل على الاستقذار والعيافة للنفرة الموجودة من ذلك لا أنه يحرم العود في القيء إلا أن يتغير للنجاسة، فحينئذ يحرم لكونه نجاسة لا لكونه قيئا - والأول في كتاب ابن المواز وقال به الداودي ، والثاني عليه أكثر الناس.

قلت: ويحتاج موضع الخلاف إلى تنقيح، فنقول: أما الصدقة في السبيل أو على المسكين أو على ذي الرحم إذا وصلت للمتصدق عليه فلا يحل له [ ص: 580 ] الرجوع فيها بغير عوض قولا واحدا؛ لأنه قد أخرجها عن ماله على وجه القربة لله تعالى واستحقها المتصدق عليه وملكها بالصدقة والحوز، فالرجوع فيها أو في بعضها حرام. وأما الرجوع فيها بالشراء الذي لا يحط عنه من ثمنها شيء فمكروه؛ لأنه قد استرد عينا أخرجها لله تعالى.

والأولى حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فهم عن عمر ما كان وقع له من أنه يبيعه منه بحطيطة من الثمن، وهذا رجوع في بعض عين الصدقة، إلا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة، وكأنهم رأوا أن هذه عطية مبتدأة من المتصدق عليه أو الموهوب له لأنها عن طيب نفس منه، فكان ذلك للمتصدق أو الواهب ملكا جديدا بطريق آخر. وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم لمن وهب أمة لأمه فماتت أمه، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " وجب أجرك، وردها عليك الميراث "، غير أنه لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء خرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروها من هذا الوجه. وهذا نحو مما قررناه في قضية تحرج المهاجرين من المقام بمكة .

قلت: والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم، فاجمع ألفاظه وتدبر معانيها يلح لك ذلك إن شاء الله تعالى !

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث