الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ بيان الرسول على أنواع ]

يوضحه الوجه الرابع : أن البيان من النبي صلى الله عليه وسلم أقسام ; أحدها : بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا . الثاني : بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله : { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } هو الشرك ، وأن الحساب اليسير هو العرض ، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل ، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل ، كما فسر قوله : { أو يأتي بعض آيات ربك } أنه طلوع الشمس من مغربها وكما فسر قوله : { مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة } بأنها النخلة ، وكما فسر قوله : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } أن ذلك في القبر حين يسأل من ربك وما دينك ، وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب ، وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله بأن ذلك باستحلال ما أحلوه لهم من الحرام وتحريم ما حرموه من الحلال ، وكما فسر القوة التي أمر الله أن نعدها لأعدائه بالرمي ، وكما فسر قوله : { من يعمل سوءا يجز به } بأنه ما يجزى به العبد في الدنيا من النصب والهم والخوف واللأواء ، وكما فسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم ، وكما فسر الدعاء في قوله : { { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } بأنه العبادة ، وكما فسر أدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر ، وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب ، ونظائر ذلك . الثالث : بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله . الرابع : بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها ، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره . الخامس : بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنا ، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق ، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر الخلوق . السادس : بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال ، كما حرم عليهم لحوم الحمر والمتعة وصيد المدينة ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك . السابع : بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نهيهم عن التأسي به .

الثامن : بيانه جواز [ ص: 226 ] الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده أو يعلمهم يفعلونه . التاسع : بيانه إباحة الشيء عفوا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقا . العاشر : أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته ، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف ، فيحيل الرب سبحانه وتعالى على رسوله في بيانها كقوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فالحل موقوف على شروط النكاح وانتقاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل ، فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كله لم يكن الشيء منه زائدا على النص فيكون نسخا له ، وإن كان رفعا لظاهر إطلاقه .

فهكذا كل حكم منه صلى الله عليه وسلم زائد على القرآن ، هذا سبيله سواء بسواء ، وقد قال تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } ثم جاءت السنة بأن القاتل والكافر والرقيق لا يرث ، ولم يكن نسخا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعا ، أعني في موجبات الميراث ; فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها ، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين وعدم الرق والقتل ، فهلا قلتم : إن هذه زيادة على النص فيكون نسخا والقرآن لا ينسخ بالسنة ؟ كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث ; لأنه زائد على القرآن .

الوجه الخامس : أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخا لا توجب بل لا تجوز مخالفتها ، فإن تسمية ذلك نسخا اصطلاح منكم ، والأسماء المتواضع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص ، فأين سمى الله ورسوله ذلك نسخا ؟ وأين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم حديثي زائدا على ما في كتاب الله فردوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخا لكتاب الله ؟ وأين قال الله : إذا قال رسولي قولا زائدا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به وردوه ؟ ، وكيف يسوغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقواعد قعدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ؟

[ المراد بالنسخ في السنة الزائدة على القرآن ] : الوجه السادس : أن يقال : ما تعنون بالنسخ الذي تضمنته الزيادة بزعمكم ؟ أتعنون أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية ، أم تعنون به تغير وصفه بزيادة شيء عليه من شرط أو قيد أو حال أو مانع أو ما هو أعم من ذلك ؟ فإن عنيتم الأول فلا ريب أن الزيادة لا تتضمن ذلك فلا تكون ناسخة ، وإن عنيتم الثاني فهو حق ، ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا معارضته ، بل غايتها مع المزيد عليه كالشروط والموانع والقيود والمخصصات ، وشيء من ذلك لا يكون نسخا يوجب إبطال [ ص: 227 ] الأول ورفعه رأسا ، وإن كان نسخا بالمعنى العام الذي يسميه السلف نسخا وهو رفع الظاهر بتخصيص أو تقييد أو شرط أو مانع ; فهذا كثير من السلف يسميه نسخا . حتى سمى الاستثناء نسخا ، فإن أردتم هذا المعنى فلا مشاحة في الاسم ، ولكن ذلك لا يسوغ رد السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى ، ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى بل هو متفق عليه بين الناس ، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخ الخاص الذي هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بمنزلة ما لم يشرع ألبتة ، وإن أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين - وهو رفع الحكم بجملته تارة وتقييد مطلقه وتخصيص عامه وزيادة شرط أو مانع تارة - كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين مقبولا ومردودا كما تبين ; فليس الشأن في الألفاظ فسموا الزيادة ما شئتم ، فإبطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه .

يوضحه الوجه السابع : أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز اقترانها بالمزيد ; لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ ، وقد جوزتم اقترانها به ، وقلتم : تكون بيانا أو تخصيصا ، فهلا كان حكمها مع التأخر كذلك ، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين ، بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل ؟ وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق فهو منتقض بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم الإشعار بأنه سينسخه ، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأت ما يرفعه أو يرفع ظاهره ; فحينئذ يعتقد موجبه كذلك ، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به ; إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

يوضحه الوجه الثامن : أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدا بعدم ورود ما يرفع ظاهره ، كما يعتقد المنسوخ مؤبدا اعتقادا مقيدا بعدم ورود ما يبطله ، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه .

الوجه التاسع : أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخا وإن تضمن رفع الإجزاء بدونه ، كما صرح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق ; فكذلك إيجاب كل زيادة ، بل أولى أن لا تكون نسخا ; فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره ، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة .

الوجه العاشر : أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخا ، وذلك أن الأحكام لم تشرع جملة واحدة ، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئا بعد شيء ، وكل منها زائد على ما قبله ، وكان ما قبله جميع الواجب ، والإثم محطوط عمن اقتصر عليه ، وبالزيادة تغير هذان الحكمان ; فلم يبق الأول جميع الواجب ، ولم يحط الإثم [ ص: 228 ] عمن اقتصر عليه ، ومع ذلك فليس الزائد ناسخا للمزيد عليه ; إذ حكمه من الوجوب وغيره باق ; فهذه الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون ناسخا له ، حيث لم ترفع حكمه ، بل هو باق على حكمه وقد ضم إليه غيره .

يوضحه الوجه الحادي عشر : أن الزيادة إن رفعت حكما خطابيا كانت نسخا ، وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وجزاؤه لا ترفع حكم الخطاب ، وإن رفع حكم الاستصحاب .

يوضحه الوجه الثاني عشر : أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مجزئا وحده وكون الإثم محطوطا عمن اقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة الأصلية ; فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول ، ولا أريد به ; فإن معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها ، وحط الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر فلا يلحقه ذم ، والزيادة وإن رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكما دل عليه لفظ المزيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث