الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قاعدة :

من شك هل فعل شيئا أولا ؟ فالأصل أنه لم يفعله .

ويدخل فيها قاعدة أخرى : من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل لأنه المتيقن ، اللهم إلا أن تشتغل الذمة بالأصل فلا تبرأ إلا بيقين .

وهذا الاستثناء راجع إلى قاعدة ثالثة ، ذكرها الشافعي رضي الله عنه وهي " أن ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين " .

فمن فروع ذلك : شك في ترك مأمور في الصلاة : سجد للسهو أو ارتكاب فعل منهي فلا يسجد ; لأن الأصل عدم فعلهما .

ومنها : سها وشك : هل سجد للسهو ؟ يسجد .

ومنها : شك في أثناء الوضوء أو الصلاة أو غيرهما من العبادات في ترك ركن ، وجبت إعادته ، فلو علمه وشك في عينه أخذ بالأسوأ ، فإن احتمل أنه النية وجب الاستئناف ، فلو ترك سجدة وشك ، هل هي من الركعة الأخيرة أو غيرها ، لزمه ركعة لاحتمال أن تكون من غيرها ، فتكمل بركعة تليها ويلغو باقيها .

ولو شك في محل سجدتين أو ثلاث ، وجب ركعتان لاحتمال ترك سجدة من الأولى وسجدة من الثانية ، فيكمل الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة ويلغو الباقي ، وكذا لو انضم إلى ذلك ترك سجدة أخرى ، هكذا أطبق عليه الأصحاب .

وأورد على ذلك أن الصواب في الثلاث : لزوم ركعتين وسجدة ، لأن أسوأ الأحوال أن يكون المتروك السجدة الأولى من الركعة الأولى ، والثانية من الثانية ، وواحدة من الرابعة فيبقى عليه من الركعة الأولى الجلوس بين السجدتين ، والسجدة الثانية فلما قدرنا أنه ترك السجدة الثانية من الركعة الثانية ، لم يمكن أن يكمل لسجدتها الأولى الركعة الأولى لفقدان الجلوس بين السجدتين قبلها . نعم بعدها جلوس محسوب ، فيحصل له من الركعتين ركعة إلا سجدة فيكملها بسجدة من الثالثة ويلغو باقيها ، ثم ترك واحدة من الرابعة فيبقى عليه ركعتان وسجدة .

وقد اعتمد الأصفوني هذا الإيراد في مختصر الروضة ، والإسنوي في تصحيح التنبيه ، وقال في شرح المنهاج : إنه عمل عقلي واضح لا شك فيه .

وأجاب عنه النشائي : بأن هذا خلاف التصوير فإنهم حصروا المتروك في ثلاث [ ص: 56 ] سجدات ، وهذا يستدعي ترك فرض آخر ، واتفاقهم على أن المتروك من الأولى واحدة يبطل هذا الخيال .

وذكر ابن السبكي في التوشيح : أن والده وقف على رجز له في الفقه ، وفيه اعتماد هذا الإيراد فكتب على الحاشية : لكنه مع حسنه لا يرد ; إذ الكلام في الذي لا يفقد إلا السجود فإذا ما انضم له ترك الجلوس ، فليعامل عمله .


وإنما السجدة للجلوس وذاك مثل الواضح المحسوس .

ولو شك في محل أربع سجدات لزمه سجدة وركعتان لاحتمال أن يكون ترك سجدتين من الأولى وسجدة من الثالثة وأخرى من الرابعة .

وعلى ما تقدم من الاستدراك يجب سجدتان وركعتان لاحتمال ترك الأولى من الأولى والثانية من الثانية وثنتين من الرابعة .

فحصل من الثلاث ركعة ولا سجود في الرابعة ، ولو شك في محل خمس سجدات ، لزمه ثلاث ركعات لاحتمال ترك سجدتين من الأولى وسجدتين من الثالثة ، وسجدة من الرابعة .

ومنها لو شك ، هل غسل ثنتين أو ثلاثة ؟ بنى على الأقل وأتى بالثالثة ، وقال الجويني : لا لأن ترك سنة أهون من فعل بدعة ، ورد بأنها إنما تكون بدعة مع العلم بأنها رابعة . ومنها شك ، هل أحرم بحج أو عمرة ، نوى القران ثم لا يجزيه إلا الحج فقط لاحتمال أن يكون أحرم به ، فلا يصح إدخال العمرة عليه .

ومنها شك ، هل طلق واحدة أو أكثر ، بنى على الأقل .

ومنها : عليه دين ، وشك في قدره ، لزمه إخراج القدر المتيقن كما قطع به الإمام ، إلا أن تشتغل ذمته بالأصل ، فلا يبرأ إلا مما تيقن أداءه ، كما لو نسي صلاة من الخمس ، تلزمه الخمس .

ولو كان عليه زكاة بقرة وشاة وأخرج أحدهما وشك فيه وجوبا ، قاله ابن عبد السلام قياسا على الصلاة ، وصرح به القفال في فتاويه فقال : لو كانت له أموال من الإبل والبقر والغنم وشك في أن عليه كلها أو بعضها لزمه زكاة الكل لأن الأصل بقاء زكاته ، كما لو شك في الصيام وقال : أنا شاك في العشر الأول هل علي صوم كله أو ثلاثة أيام منه وجب قضاء كله ولو اتخذ إناء من فضة وذهب ، وجهل الأكثر ولم يميزه ، وجب أن يزكي الأكثر ذهبا وفضة .

ولو كانت عليها عدة وشكت ، هل هي عدة طلاق أو وفاة ؟ لزمها الأكثر ، وإنما وجب الأكثر في هذه الصورة لأن المكلف ينسب إلى القصير ، بخلاف من شك في الخارج أمني أم مذي ؟ حيث يتخير .

ولو كان عليه نذر وشك : هل هو صلاة أو صوم أو عتق أو صدقة ؟ قال البغوي [ ص: 57 ] في فتاويه : يحتمل أن يقال : عليه الإتيان بجميعها ، كمن نسي صلاة من الخمس ، ويحتمل أن يقال : يجتهد بخلاف الصلاة ، لأنا تيقنا هناك وجوب الكل ، فلا يسقط إلا بيقين وهنا لم يجب إلا شيء واحد واشتبه ، فيجتهد كالقبلة والأواني .

ولو حلف وشك : هل حلف بالله تعالى ، أو الطلاق أو العتق ، قال الزركشي : ففي التبصرة للخمي المالكي : أن كل يمين لم يعتد الحلف بها لا تدخل في يمينه مع الشك . قال : وقياس مذهبنا أن يقال : إذا حنث لا يقع الطلاق لأنه لا يقع بالشك .

وأما الكفارة فيحتمل أن لا تجب في الحال لعدم تحقق شغل الذمة ، ويحتمل أن تجب في الحال ، فإذا أعتق برئ ; لأنها إن كانت بالله أو الظهار أو العتق ، فالعتق تجزئ في كلها ولا يضر عدم التعيين بخلاف ما لو أطعم أو كسا .

قلت : الاحتمال الأول أرجح ، ونظيره ما لو شك في الحد ، أرجم أو جلد ، فإنه لا يحد بل يعزر كما قرره ابن المسلم : أن التردد بين جنسين من العقوبة إذا لم يكونا قتلا ، يقتضي إسقاطهما والانتقال إلى التعزير ، وسيأتي في أحكام الخنثى .

ومنها رجل فاتته صلاة يومين فصلى عشر صلوات ، ثم علم ترك سجدة لا يدري من أيها . أفتى القاضي حسين بأنه يلزمه إعادة صلوات يوم وليلة ، وهو قياس قوله فيمن ترك صلوات لا يدري عددها : أنه يجب القضاء إلى أن يتيقن إتيانه بالمتروك ، وقال ابن القطان في المطارحات : الصحيح الاكتفاء بواحدة ، فبإعادتها يصير شاكا في وجوب الباقي فلا يلزمه بالشك وجوب إعادة الباقي ، وهو قياس قول القفال في تلك : يكتفي بقضاء ما يشك بعده : في أنه هل بقي في ذمته شيء ؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث