الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قاعدة : الأصل العدم

فيها فروع : منها : القول قول نافي الوطء غالبا ; لأن الأصل العدم . ومنها : القول قول عامل القراض في قوله : لم أربح ; لأن الأصل عدم الربح ، أو لم أربح إلا كذا لأن الأصل عدم الزائد ، وفي قوله : لم تنهني عن شراء كذا ; لأن الأصل عدم النهي ; ولأنه لو كان كما يزعمه المالك لكان خائنا ، والأصل عدم الخيانة ، وفي قدر رأس المال لأن الأصل عدم دفع الزيادة ، وفي قوله بعد التلف : أخذت المال قراضا ، وقال المالك قرضا كما قاله البغوي وابن الصلاح في فتاويهما ، لأنهما اتفقا على جواز التصرف ، والأصل عدم الضمان .

ولو قال المالك : قراضا وقال الآخر قرضا ، وذلك عند بقاء المال وربحه ، فلم أر فيها نقلا ، والظاهر أن القول قول مدعي القرض أيضا لأمور : منها أنه أغلظ عليه [ ص: 58 ] لأنه بصدد أن يتلف المال أو يخسر ، ومنها أن اليد له في المال والربح ، ومنها : أنه قادر على جعل الربح له ، بقوله : اشتريت هذا لي ، فإنه يكون القول قوله ، ولو اتفقا على أن المال قراض ، فدعواه أن المال قرض يستلزم دعواه أنه اشتراه له ، فيكون ربحه له . ومنها : لو ثبت عليه دين بإقرار أو بينة ، فادعى الأداء والإبراء ، فالقول قول غريمه ; لأن الأصل عدم ذلك .

ومنها : لو اختلفا في قدم العيب ، فأنكره البائع ، فالقول قوله ، واختلف في تعليله فقيل : لأن الأصل عدمه في يد البائع وقيل : لأن الأصل لزوم العقد ، وبهذا التعليل جزم الرافعي والنووي .

قال الماوردي : وينبني على الخلاف ما لو ادعى البائع قدمه والمشتري حدوثه ويتصور ذلك : بأن يبيعه بشرط البراءة ، فيدعي المشتري الحدوث قبل القبض حتى يرد به لأنه لا يبرأ منه ، فإن عللنا بكون الأصل عدمه في يد البائع ، صدقنا المشتري ; لأن ذلك المعنى يقتضي الرد هنا ، وإن عللنا بكون الأصل اللزوم صدقنا البائع .

قال الإسنوي ومقتضى ، ذلك تصحيح تصديق البائع ومنها : اختلف الجاني والولي في مضي زمن يمكن فيه الاندمال ، فالمصدق الجاني ; لأن الأصل عدم المضي .

ومنها : أكل طعام غيره ، وقال : كنت أبحته لي ، وأنكر المالك ، صدق المالك ; لأن الأصل عدم الإباحة .

ومنها : سئل النووي عن مسلم له ابن ماتت أمه ، فاسترضع له يهودية لها ولد يهودي ثم غاب الأب مدة وحضر ، وقد ماتت اليهودية فلم يعرف ابنه من ابنها وليس لليهودية من يعرف ولدها ، ولا قافة هناك .

فأجاب : يبقى الولدان موقوفين حتى يبين الحال ببينة أو قافة أو يبلغا فينتسبان انتسابا مختلفا وفي الحال يوضعان في يد المسلم ، فإن بلغا ولم توجد بينة ولا قافة ولا انتسبا ، دام الوقف فيما يرجع إلى النسب .

ويتلطف بهما إلى أن يسلما جميعا ، فإن أصرا على الامتناع من الإسلام لم يكرها عليه ولا يطالب واحد منهما بالصلاة ولا غيرها من أحكام الإسلام ; لأن الأصل عدم إلزامهما به ، وشككنا في الوجوب على كل واحد منهما بعينه ، وهما كرجلين سمع من أحدهما صوت حدث وتناكراه لا يلزم واحدا منهما الوضوء ، بل يحكم بصحة صلاتهما في الظاهر .

وإن كانت إحداهما باطلة في نفس الأمر ، وكما لو قال رجل : إن كان هذا الطائر غرابا فامرأتي طالق فقال آخر : إن لم يكن فامرأتي طالق ، فطار ولم يعرف فإنه يباح لكل واحد منهما في الظاهر الاستمتاع بزوجته للبقاء على الأصل ، وأما نفقتهما ومؤنتهما فإن كان لكل منهما مال كانت فيه ، وإلا وجبت على أب المسلم نفقة ابن بشرطه [ ص: 59 ] وتجب نفقة آخر ، وهو اليهودي في بيت المال بشرط كونه ذميا ، وشرطه : أن لا يكون هناك أحد من أصوله ممن تلزمه نفقة القريب ، وإن مات من أقارب الكافر أحد ، وقف نصيبه حتى يتبين الحال أو يقع اصطلاح ، وكذا إن مات من أقارب المسلم أحد .

وإن مات الولدان أو أحدهما وقف ماله أيضا ، وإن مات أحدهما قبل البلوغ غسل وصلي عليه ودفن بين مقابر المسلمين واليهود ، أو بعد البلوغ والامتناع من الإسلام جاز غسله دون الصلاة عليه ; لأنه يهودي أو مرتد ، ولا يصح نكاح واحد منهما ; لأنه يحتمل أنه يهودي أو مرتد فلا يصح نكاحه ، كالخنثى المشكل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث