الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر



190 - البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام :

أمه أم سليم بنت ملحان ، وهو أخو أنس لأبويه ، شهد أحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان شجاعا ذا نكاية في الحروب ، وكان عمر يكتب: لا تستعملوا البراء على جيش من جيوش المسلمين ، إنه مهلكه ، يقدم بهم ، وإنه ركب فرسه يوم اليمامة ، وقال: يا أيها الناس ، إنها -والله- الجنة ، وما إلى المدينة [من] سبيل ، فمضغ فرسه مضغات ، ثم كبس وكبس الناس معه ، فهزم الله المشركين ، وكانت في مدينتهم ثلمة .

[أخبرنا محمد بن أبي طاهر ، قال: أنبأنا البرمكي ، أخبرنا ابن حيويه ، أخبرنا ابن معروف ، أخبرنا ابن الفهم ، أخبرنا محمد بن سعد ، قال: حدثنا حجاج بن محمد ، قال: أخبرنا السري بن يحيى ] ، عن محمد بن سيرين :

أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين ، فقعد البراء بن مالك على ترس وقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم ، ففعلوا فأدركوه وقد قتل منهم خمسة عشر . [ ص: 239 ]

[أخبرنا أبو البركات ابن علي البزاز ، أخبرنا أحمد بن علي الطرثيثي ، أخبرنا هبة الله بن الحسن الطبري ، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن ، حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد ، حدثنا محمد بن عزيز ، قال: حدثني سلامة بن روح ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ] ، عن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كم من ضعيف متضعف ذي طمرين ، لو أقسم على الله لأبره ، منهم البراء بن مالك" . وأن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجف المشركون في المسلمين ، فقالوا: يا براء ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إنك لو أقسمت على الله لأبرك ، فاقسم على ربك ، فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم ، فمنحوا أكتافهم . ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجفوا في المسلمين ، فقالوا: اقسم يا براء على ربك ، [فقال: أقسمت عليك يا ربي] لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيي صلى الله عليه وآله وسلم ، فمنحوا أكتافهم ، وقتل شهيدا .

قال مؤلف الكتاب: قد ذكرنا آنفا أنه قتل يوم تستر

191 - [ حدير :

جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم في بعض الأيام قسما ونسي حديرا ، فنزل جبريل فقال: يا محمد ، نسيت حديرا ، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طلبه ، قال الذي ذهب في طلبه: فأدركته وهو يقول: سبحان الله ، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، فقلت: يا هذا ، ارجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد عوتب فيك ، فقال: يا من لم تنس حديرا اجعل حديرا لا ينساك .

أخبرنا محمد بن ناصر ، أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن جعفر الساجي ، حدثنا عبد العزيز بن [ ص: 240 ] جعفر ، حدثنا أبو بكر الجلال ، حدثنا أحمد بن يحيى بن عطاء بن مسلم الباهلي ، حدثنا المغيرة ، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث جيشا فيهم رجل يقال له: حدير ، وكانت تلك السنة قد أصابتهم شدة من قلة الطعام ، فزودهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونسي أن يزود حديرا ، فخرج حدير صابرا محتسبا وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ويقول: نعم الزاد هو يا رب ، فهو يرددها وهو في آخر الركب .

قال: فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال له: إن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابك ونسيت أن تزود حديرا ، وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله ، والله أكبر ، والحمد لله ، وسبحان الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ويقول: نعم الزاد هو يا رب . قال: وكلامه ذلك له نور يوم القيامة ما بين السماء والأرض فابعث إليه بزاد ، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا فدفع إليه الزاد ، حفظ عليه ما يقول ، ويقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرئك السلام ورحمة الله ، ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك ، وإن ربي تبارك وتعالى أرسل إلي جبريل يذكرني بك ، فذكره جبريل وأعلمه مكانك . قال: فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله ، والله أكبر ، والحمد لله ، وسبحان الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ويقول: نعم الزاد هذا يا رب . قال: فدنا منه ثم قال له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرئك السلام ورحمة الله ، وقد أرسلني إليك بزاد ويقول: إنما نسيتك فأرسل إلي جبريل من السماء يذكرني بك .

قال: فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قال: الحمد لله رب العالمين ، ذكرني ربي من فوق سبع سماوات وفوق عرشه ورحم جوعي وضعفي ، يا رب كما لم تنس حديرا فاجعل حديرا لا ينساك .
قال: فحفظ ما قال فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بما سمع منه حين أتاه ، وبما قال حين أخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أما إنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه نورا ساطعا ما بين السماء والأرض"

192 - الحباب بن المنذر بن الجموح [بن زيد بن حرام ، أبو عمرو ]:

وهو الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر بالمكان الذي نزل فيه ، فقال جبريل: [ ص: 241 ]

الرأي ما أشار به الحباب ، وشهد بدرا وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد ، وبايعه على الموت ، وشهد المشاهد كلها معه ، وهو القائل يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير .

193 - ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، أبو أروى :

وكان من أولاده صبي استرضع له في هذيل فقتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم ، وكان حينئذ يحبو أمام البيوت ، فرموه بحجر فرضخ رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح: ألا إن كل دم في الجاهلية فهو تحت قدمي ، وأول دم أضعه دم [ ابن] ربيعة بن الحارث " . وقد اختلفوا في اسم هذا الصبي ، فقال بعضهم: تمام ، وقال بعضهم: إياس ، وقال بعضهم: آدم ، وكان غلط من هؤلاء؛ لأنهم رأوا في الكتاب دم ابن ربيعة ، فزادوا ألفا .

وكان ربيعة أسن من عمه العباس بسنتين ، ولما خرج المشركون إلى بدر كان ربيعة غائبا بالشام ، فلم يشهدها معهم ، فلما خرج العباس ونوفل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبقهما ربيعة بن الحارث إلى الأبواء ، ثم أراد الرجوع إلى مكة ، فقالا: أين ترجع؟ إلى دار الشرك يقاتلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكذبونه ، وقد عز وكثرت أصحابه ، ارجع . فرجع معهما حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلمين ، فشهد ربيعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة والطائف وحنين ، وثبت معه يومئذ ، وتوفي في خلافة عمر رضي الله عنه بعد أخويه نوفل وأبي سفيان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث