الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ذكر الفتن ودلائلها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

4244 حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن سبيع بن خالد قال أتيت الكوفة في زمن فتحت تستر أجلب منها بغالا فدخلت المسجد فإذا صدع من الرجال وإذا رجل جالس تعرف إذا رأيته أنه من رجال أهل الحجاز قال قلت من هذا فتجهمني القوم وقالوا أما تعرف هذا هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حذيفة إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر فأحدقه القوم بأبصارهم فقال إني أرى الذي تنكرون إني قلت يا رسول الله أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله أيكون بعده شر كما كان قبله قال نعم قلت فما العصمة من ذلك قال السيف قلت يا رسول الله ثم ماذا يكون قال إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجرة قلت ثم ماذا قال ثم يخرج الدجال معه نهر ونار فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره قال قلت ثم ماذا قال ثم هي قيام الساعة حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن نصر بن عاصم عن خالد بن خالد اليشكري بهذا الحديث قال قلت بعد السيف قال بقية على أقذاء وهدنة على دخن ثم ساق الحديث قال وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر على أقذاء يقول قذى وهدنة يقول صلح على دخن على ضغائن حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة عن حميد عن نصر بن عاصم الليثي قال أتينا اليشكري في رهط من بني ليث فقال من القوم قلنا بنو ليث أتيناك نسألك عن حديث حذيفة فذكر الحديث قال قلت يا رسول الله هل بعد هذا الخير شر قال فتنة وشر قال قلت يا رسول الله هل بعد هذا الشر خير قال يا حذيفة تعلم كتاب الله واتبع ما فيه ثلاث مرار قال قلت يا رسول الله هل بعد هذا الشر خير قال هدنة على دخن وجماعة على أقذاء فيها أو فيهم قلت يا رسول الله الهدنة على الدخن ما هي قال لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه قال قلت يا رسول الله أبعد هذا الخير شر قال فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث حدثنا أبو التياح عن صخر بن بدر العجلي عن سبيع بن خالد بهذا الحديث عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت فإن تمت وأنت عاض وقال في آخره قال قلت فما يكون بعد ذلك قال لو أن رجلا نتج فرسا لم تنتج حتى تقوم الساعة

التالي السابق


( تستر ) : بالضم ثم السكون وفتح التاء الأخرى وراء ، أعظم مدينة بخوزستان اليوم كذا في المراصد ( منها ) : أي من الكوفة ( بغالا ) : جمع بغل ( فإذا صدع من الرجال ) : قال الخطابي : بفتح الدال هو الرجل الشاب المعتدل انتهى .

وفي النهاية : أي رجل بين الرجلين انتهى .

وفي المجمع هو بسكون الدال وربما حرك . انتهى . ( تعرف ) : على صيغة الخطاب ( قال ) : سبيع ( فتجهمني القوم ) : أي أظهروا إلي آثار الكراهة في وجوههم .

وفي النهاية : يتجهمني أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه ( أسأله عن الشر ) : لعل المراد ما يقع في الناس من الفتن ( فأحدقه القوم بأبصارهم ) : أي رموه بأحداقهم . وفي النهاية فحدقني القوم بأبصارهم أي رموني بحدقهم جمع حدقة وهي العين والتحديق شدة النظر ( فقال ) : حذيفة ( أرأيت ) : أي أخبرني ( هذا الخير ) : أي الإسلام والنظام التام المشار إليه بقوله تعالى : 5 3 3 اليوم أكملت لكم دينكم ( أيكون بعده ) : أي بعد هذا الخير ، والمعنى أيوجد ويحدث بعد وجود هذا الخير ( شر كما كان قبله ) : أي قبل الخير من الإسلام شر وهو زمن الجاهلية ( قال ) : النبي صلى الله عليه وسلم ( فما العصمة ) : أي فما طريق النجاة من الثبات على الخير والمحافظة عن الوقوع في ذلك الشر ( قال ) : النبي صلى الله عليه وسلم ( السيف ) : أي تحصل العصمة باستعمال السيف أو طريقها أن تضربهم بالسيف .

قال قتادة : المراد بهذه الطائفة هم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في زمن خلافة [ ص: 245 ] الصديق رضي الله عنه قاله القاري ( قال ) : أي النبي صلى الله عليه وسلم ( خليفة في الأرض ) : أي موجودا فيها ولو من صفته أنه كذا وكذا ( فضرب ظهرك ) : بالباطل وظلمك في نفسك ( وأخذ مالك ) : بالغصب أو ما لك من المنصب النصيب بالتعدي قاله القاري ( فأطعه ) : أي ولا تخالفه لئلا تثور فتنة ( وإلا ) : أي وإن لم يكن لله في الأرض خليفة ( فمت ) أمر من مات يموت كأنه عبر عن الخمول والعزلة بالموت فإن غالب لذة الحياة تكون بالشهرة والخلطة والجلوة ( وأنت عاض ) : بتشديد الضاد والجملة حالية أي حال كونك آخذا بقوة وماسكا بشدة ( بجذل شجرة ) : بكسر الجيم وفتحها أي بأصلها أي اخرج منهم إلى البوادي وكل فيها أصول الشجر واكتف بها قاله السندي .

قال في الفتح : والجذل بكسر الجيم وسكون المعجمة بعدها لام ، عود ينصب لتحتك به الإبل .

قال البيضاوي : المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان ، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الألم أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر : عضوا عليها بالنواجذ ( قلت ثم ماذا ) : أي من الفتن ( قال ) : النبي صلى الله عليه وسلم ( معه ) : أي مع الدجال ( نهر ) : بسكون الهاء وفتحها أي نهر ماء ( ونار ) : أي خندق نار ، قيل إنهما على وجه التخيل من طريق السحر والسيمياء وقيل ماؤه في الحقيقة نار وناره ماء ( فمن وقع في ناره ) : أي من خالفه حتى يلقيه في ناره ، وأضاف النار إليه إيماء إلى أنه ليس بنار حقيقة بل سحر ( وجب أجره ) : أي ثبت وتحقق أجر الواقع ( وحط ) : أي ورفع وسومح ( وزره ) : أي إثمه السابق ( ومن وقع في نهره ) : أي حيث وافقه في أمره ( وجب وزره ) : أي اللاحق ( وحط أجره ) : أي بطل عمله السابق ( قال ) : حذيفة ( قال ) : النبي صلى الله عليه وسلم ( ثم هي ) أي : الفتنة .

قال الحافظ : في الحديث حكمة الله في عباده كيف أقام كلا منهم فيما شاء فحبب إلى [ ص: 246 ] أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعملوا بها ويبلغوها غيرهم وحبب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتنبه ويكون سببا في دفعه عمن أراد الله له النجاة . وفيه سعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بوجوه الحكم كلها حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه .

ويؤخذ منه أن كل من حبب إليه شيء فإنه يفوق فيه غيره ، ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره حتى خص بمعرفة أسماء المنافقين وبكثير من الأمور الآتية انتهى .

قال المزي في الأطراف : حديث سبيع بن خالد ويقال خالد بن خالد اليشكري عن حذيفة أخرجه أبو داود في الفتن عن مسدد عن أبي عوانة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن سبيع به .

وعن مسدد عن عبد الوارث عن أبي التياح عن صخر بن بدر العجلي عن سبيع بمعناه انتهى .

قلت : سيجيء حديث عبد الوارث . ( بهذا الحديث ) : السابق ( قال ) : أي حذيفة ( قلت ) : أي ماذا ( قال ) : أي النبي صلى الله عليه وسلم ( بقية على أقذاء ) : أي يبقى الناس بقية على فساد قلوبهم فشبه ذلك الفساد بالأقذاء جمع قذى ، وهو ما يقع في العين والشراب من غبار ووسخ قاله السندي ( وهدنة ) : بضم الهاء أي صلح ( على دخن ) بفتحتين أي مع خداع ونفاق وخيانة ، يعني صلحا في الظاهر ، مع خيانة القلوب وخداعها ونفاقها .

وقال الخطابي : أي صلح على بقايا من الضغن .

قال القاري : وأصل الدخن هو الكدورة واللون الذي يضرب إلى السواد فيكون فيه إشعار إلى أنه صلاح مشوب بالفساد انتهى .

( قال ) معمر ( يضعه ) : أي هذا الحديث ( يقول ) : أي قتادة ( قذى ) : هو ما يقع في العين والشراب من غبار ووسخ وهو تفسير لقوله على أقذاء ( على ضغائن ) : جمع ضغن وهو الحقد ، وسيجيء كلام المزي بعد هذا . [ ص: 247 ] ( أتينا اليشكري ) : وهو خالد بن خالد اليشكري ( فقال ) : أي اليشكري ( قال ) : حذيفة ( قال يا حذيفة ) : أي النبي صلى الله عليه وسلم ( هدنة على دخن ) : أي على فساد واختلاف تشبيها بدخان الحطب الرطب لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر قاله في النهاية ( وجماعة على أقذاء ) : هي كائنة ( فيها ) : أي في الجماعة ( أو فيهم ) : شك من الراوي . قال القاري أي واجتماع على أهواء مختلفة أو عيوب مؤتلفة .

وفي النهاية : أراد أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم فشبهه بقذى العين والماء والشراب ( قال ) : النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ترجع قلوب أقوام ) : برفع قلوب وهو الأصح وبنصبه بناء على أن رجع لازم أو متعد أي لا تصير قلوب جماعات أو لا ترد الهدنة قلوبهم ( على الذي ) : أي على الوجه الذي أو على الصفاء الذي ( كانت ) : أي تلك القلوب ( عليه ) : أي لا تكون قلوبهم صافية عن الحقد والبغض كما كانت صافية قبل ذلك ( قال : فتنة ) : أي قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم يقع شر هو فتنة عظيمة وبلية جسيمة ( عمياء ) : أي يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحق ( صماء ) : أي يصم أهلها عن أن يسمع فيها كلمة الحق أو النصيحة .

قال القاضي : المراد بكونها عمياء صماء أن تكون بحيث لا يرى منها مخرج ولا يوجد دونها مستغاث أو أن يقع الناس فيها على غرة من غير بصيرة فيعمون فيها ويصمون عن تأمل قول الحق واستماع النصح .

قال القاري : أقول ويمكن أن يكون وصف الفتنة بهما كناية عن ظلمتها وعدم ظهور الحق فيها وعن شدة أمرها وصلابة أهلها ( عليها ) : أي على [ ص: 248 ] تلك الفتنة ( دعاة ) : بضم الدال جمع داع أي جماعة قائمة بأمرها وداعية للناس إلى قبولها ( على أبواب النار ) : حال أي فكأنهم كائنون على شفا جرف من النار يدعون الخلق إليها حتى يتفقوا على الدخول فيها ( وأنت عاض ) : أي آخذ بقوة ( على جذل ) أي أصل شجر يعني والحال أنك على هذا المنوال من اختيار الاعتزال ( من أن تتبع ) : بتشديد التاء الثانية ، وكسر الموحدة ويجوز تخفيفها ، وفتح الباء ( أحدا منهم ) : أي من أهل الفتنة أو من دعاتهم .

قال المزي في الأطراف : حديث خالد بن خالد ويقال سبيع بن خالد اليشكري الكوفي عن حذيفة أخرجه أبو داود في الفتن عن محمد بن يحيى بن فارس عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن نصر بن عاصم عن خالد بن خالد اليشكري به .

وعن القعنبي عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن نصر بن عاصم قال أتينا اليشكري في رهط فذكر نحوه انتهى .

( وقال ) : الراوي ( في آخره ) : أي الحديث ( قال ) : حذيفة ( قال ) : النبي صلى الله عليه وسلم ( نتج فرسا ) : أي سعى في تحصيل ولدها بمباشرة الأسباب ( لم تنتج ) : أي ما يجيء لها ولد ( حتى تقوم الساعة ) : المراد بيان قرب الساعة . وفي رواية كما في المشكاة قلت ثم ماذا قال ثم ينتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة أي ثم يولد ولد الفرس فلا يركب لأجل الفتن أو لقرب الزمن حتى تقوم الساعة .

قيل المراد به زمن عيسى عليه السلام فلا يركب المهر لعدم احتياج الناس فيه إلى محاربة بعضهم بعضا ، أو المراد أن بعد خروج الدجال لا يكون زمان طويل حتى تقوم الساعة ، أي يكون حينئذ قيام الساعة قريبا قدر زمان إنتاج المهر وإركابه . كذا في المرقاة . وتقدم تخريج هذا الحديث والله أعلم . [ ص: 249 ]

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث