الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                      صفحة جزء
                                                                      4112 حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال حدثني نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم احتجبا منه فقلنا يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه قال أبو داود هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده

                                                                      التالي السابق


                                                                      ( حدثني نبهان ) : بنون مفتوحة ثم موحدة ساكنة ( احتجبا ) : الخطاب لأم سلمة وميمونة رضي الله عنهما ( منه ) : أي من ابن أم مكتوم ( أفعمياوان ) : تثنية عمياء تأنيث أعمى .

                                                                      وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم [ ص: 133 ] على الرجل نظر المرأة ، وهو أحد قولي الشافعي وأحمد قال النووي : وهو الأصح ولقوله تعالى قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ولأن النساء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياسا على الرجال ويحققه أن المعنى المحرم للنظر هو خوف الفتنة وهذا في المرأة أبلغ فإنها أشد شهوة وأقل عقلا فتسارع إليها الفتنة أكثر من الرجل .

                                                                      واحتج من قال بالجواز فيما عدا ما بين سرته وركبته بحديث عائشة قالت رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو رواه الشيخان .

                                                                      ويجاب عنه بأن عائشة كانت يومئذ غير مكلفة على ما تقضي به عبارة الحديث .

                                                                      وقد جزم النووي بأن عائشة كانت صغيرة دون البلوغ أو كان ذلك قبل الحجاب . وتعقبه الحافظ بأن في بعض طرق الحديث أن ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة وأن قدومهم كان سنة سبع ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة .

                                                                      واحتجوا أيضا بحديث فاطمة بنت قيس المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم وقال إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر .

                                                                      ( قال أبو داود هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إلخ ) : أي حديث أم سلمة مختص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث فاطمة بنت قيس لجميع النساء هكذا جمع المؤلف أبو داود بين الأحاديث .

                                                                      قال الحافظ في التلخيص : قلت : وهذا جمع حسن وبه جمع المنذري في حواشيه واستحسنه شيخنا انتهى .

                                                                      وجمع في الفتح بأن الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم لعله لكون الأعمى مظنة أن ينكشف منه شيء ولا يشعر به فلا يستلزم عدم جواز النظر مطلقا . قال ويؤيد الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء ، فدل على مغايرة الحكم بين الطائفتين ، وبهذا احتج الغزالي .

                                                                      قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي . وقال الترمذي حسن صحيح [ ص: 134 ]




                                                                      الخدمات العلمية